بغداد تغرق في بحار أمانتها

الملف
27/12/2012
بقلم – کاظم فنجان الحمامي
قبل أن نخوض في بحار أمانة العاصمة لابد من الإشارة إلی إن مساحة بغداد اصغر من اصغر عاصمة عربية, فقد تقلصت حدودها الإدارية بقرارات ارتجالية تبنتها السلطات المتبغددة في العهود السابقة واللاحقة بهدف تقليص المساحات الخدمية, وتکثيف جهود الحکومة في توفير العناية الفائقة بالعاصمة, وضمان الارتقاء بمستواها نحو الأفضل, فلا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي, ولم تدرک حتی الآن إن العبرة ليست بالتقليص وإنما بالتخليص, وباختيار الشخص المناسب للمکان المناسب. .
وهکذا انبرت الحکومة للدفاع عن أمين العاصمة, والتباهي بمواهبه الخارقة وقدراته التعميرية الفذة, حتی وصل بنا الأمر إلی مطالبة أمريکا بانتدابه للعمل لديها, وتکليفه بالتصدي لإعصار ساندي, فهو بالنسبة لنا سوبرمان الأعاصير والعواصف, ورجل الکوارث الطبيعية في کل الکواکب والمجرات. .
لکننا فوجئنا بغرقه في الأعماق السحيقة لشوارع العاصمة في أول زخة مطر هبت عليها فاکتسحتها کما الطوفان الجارف, وتوقفت منظوماتها المخصصة لسحب المياه الثقيلة والخفيفة, وفشلت أجهزة العاصمة في تصريف المياه نحو نهر دجلة الذي ترقد علی ضفتيه في بحار الکرخ وبحيرات الرصافة. .
زخة واحدة فقط کانت کافية لکشف عورات أمانة العاصمة التي لم تکن أمينة بالمرة, من يزر العاصمة الأردنية عمان يشعر إنها بنيت علی أرض ملتوية متموجة, حيث تشاهد المنخفضات والمرتفعات, لکنها لا تتأثر بالأمطار حتی لو استمر هطولها لأسابيع متواصلة, رغم انها لا تقع علی نهر ولا علی بحر, فکفاءة مجاريها کفيلة بشفط آخر قطرة من حبات المطر. . من المفارقات العجيبة ان المدن العراقية غرقت کلها في يوم واحد تضامنا مع بغداد, فجرفتها السيول في ساعة واحد, وجرفت معها کل الوعود الکاذبة, والخطب الرنانة, والخطط الهشة. .
کانت بيوت أصحاب المعالي والسمو, وأصحاب المراتب العليا بمنأی عن الطوفان, فوقفوا متفرجين کعادتهم علی ضفاف بحار أمانة العاصمة, لم ينتقدوا أمينها الأمين, ولم يوجهوا له الملامة, لکنهم عالجوا الأزمة بإصدار قرار فوري منحونا بموجبة عطلة مطرية.
يقولون: في الامتحان يکرم المرء أو يهان, فما بالک بامتحانات الأنواء الجوية التي هطلت فيها الأمطار لبضعة ساعات, وکانت کافية لإغراق المدينة برمتها, لکنهم لن يفرطوا بأمين العاصمة السابق, ولم ينتقدوه, وربما سيمنحونه فرصة أخری لأداء الامتحان في الدور الثالث أو الرابع. .
انتحر هوشيموتو فوکودا مدير بلدية مدينة (کوبي) في اليابان بعد اکتشاف عجزه في تأمين مياه الشرب لأبناء مدينته, وسننتحر نحن إکراما وتقديرا لجهود أمين العاصمة وأمانته, وربما نتلمس له الأعذار فنجبر أنفسنا وأولادنا علی تعلم فنون السباحة في الشوارع والأنفاق العميقة, ونمارس هواية صيد الأسماک (الأمينية), نسبة إلی أمانة العاصمة, التي سمحت بتدفق اسماک الجري إلی صالات بيوتنا وممراتنا. .
کنا نتوقع إنهم سيعلنون بغداد مدينة منکوبة, لکنهم أعلنوا عن نکبتنا بتعطيل العمل بما يسمی العطلة المطرية القسرية. . .







