اهتزاز المعادلات.. والأسد حدد ملامح دولته الطائفية!

*نقلاً عن “الشرق الأوسط”
30/7/2015
عندما يحرص الأتراک علی التأکيد علی أن المناطق الحدودية بين بلدهم ترکيا وبين سوريا بعمق خمسين کيلومترا وطول تسعين کيلومترا داخل الأراضي السورية، التي اتفقوا عليها قبل أيام مع الولايات المتحدة، ستکون «نظيفة» من تنظيم داعش الإرهابي، ولم يأتوا علی ذکر المعارضة السورية المعتدلة إلا في الاتجاه ذاته والقول بأنه سيکون هناک غطاء جوي لهذه المعارضة العاملة ضد هذا التنظيم، فإن هذا يعني أن هناک حلاً سياسيًا يجري الإعداد له يتطلب إنجاحه عدم «استفزاز» روسيا وإيران بأي شکل من الأشکال وبأي طريقة من الطرق.
ولعل ما يعزز هذا التقدير أن الأميرکيين عندما أعلنوا استعدادهم لتدريب أعداد من المعارضة السورية «المعتدلة» قد حرصوا علی أنهم سيدربون هذه المعارضة لمواجهة «داعش» وليس لإسقاط بشار الأسد ولا نظامه، وذلک رغم أن صحيفة «الغارديان» البريطانية کانت قد قالت في أحد أعدادها السابقة إن الولايات المتحدة تتهم النظام السوري بتقديم الدعم لهذا التنظيم الإرهابي لتُمکنه من إحراز تقدم علی حساب المعارضين السوريين في حلب. ولقد قال موقع «تويتر» التابع للسفارة الأميرکية في دمشق بدوره في إحدی تغريداته إن القيادة السورية تشن غارات جوية لتقديم الدعم لهؤلاء الإرهابيين في ثاني أکبر مدن سوريا، أي حلب.
ويبدو أن الرئيس الترکي رجب طيب إردوغان ومعه کل أرکان حکومته، وعلی رأسهم أحمد داود أوغلو، يعرفون أن الأميرکيين بتسليط الأضواء علی تنظيم داعش وحده وعدم الإتيان علی ذکر المعارضة السورية، وهم يتحدثون عن المناطق العازلة علی الحدود السورية – الترکية، يتجنبون استفزاز الإيرانيين والروس، مما يدل علی أن هناک «طبخة» حل لأزمة سوريا أشار إليها وزير الخارجية الأميرکي جون کيري عندما أدلی بتصريح خلال زيارته الأخيرة إلی موسکو قال فيه إنه يتم البحث مع الجانب الروسي عن إيجاد مکان لإيران في عملية البحث عن نهاية لأزمة سوريا المستفحلة بالوسائل السلمية.
والغريب، علی هذا الصعيد، أن السفير الإيراني لدی الأردن محبتي فورسي، الذي من غير المعروف ما إذا کان مخولاً من أصحاب القرار الفعلي في طهران للغوص في هذه القضايا التي تتعلق بالسياسات العليا الإيرانية أم لا، قد أدلی بتصريحات تحدث فيها عن أن الحل الوحيد في سوريا هو المفاوضات بين المعارضة والحکومة السورية.. «يجب أن نمهد الأرضية لجلوس الفرقاء علی طاولة الحوار للوصول إلی تشکيل حکومة وحدة وطنية».
وفي الاتجاه ذاته، فإن المعروف أن المبعوث الروسي إلی الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف کان قد عرض علی الائتلاف السوري، المعترف به دوليا، تقاسم السلطة مع بشار الأسد، لکن هذا الائتلاف رأی أن هذا العرض هو مجرد مناورة روسية جديدة للتهرب من استحقاق تنحي الرئيس السوري الذي وإن هو لم تنص عليه «جنيف 1» بوضوح وصراحة فإنه متضمنٌ في النتيجة في إطار «المرحلة الانتقالية» التي نص عليها هذا الاتفاق الآنف الذکر الذي تم التوصل إليه بموافقة الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، والذي ما لبث الروس أن تملَّصوا منه في «جنيف 2».
وهنا ونحن بصدد الحديث عن هذه المسألة التي غدت أم المسائل بعد التوصل إلی اتفاق النووي قبل أيام قليلة بين إيران ودول «5+1» وعلی رأسها الولايات المتحدة، لا بد من الإشارة إلی أن الرئيس باراک أوباما کان قد أبلغ دول مجلس التعاون الخليجي في قمة کامب ديفيد بأنه لا وجود لبشار الأسد في مستقبل سوريا، وأنه – أي الرئيس الأميرکي – قد أکد علی ما تضمنه هذا التصريح خلال زيارته الأخيرة لـ«البنتاغون» الأميرکي.
وهکذا، وبغض النظر عن کل ما تمت الإشارة إليه آنفا، فإن الأهم بالنسبة لکل ما يُتداول بالنسبة للأزمة السورية، التي غدت فعلا علی مفترق طرقٍ صعب وخطير، هو: هل أنه لم يتم التطرق فعلا يا تری للقضايا الإقليمية الشرق أوسطية الملتهبة وأهمها وأخطرها أزمة سوريا، أم أن هناک مخفيّا أعظم، وأن المستقبل سيکشف النقاب عما هو أخطر کثيرا من «سايکس – بيکو» عام 1916 التي يری البعض أنها غدت في حکم المنتهية، وأن هذه المنطقة ستشهد رسم خرائط جديدة، حيث تنبأ المدير السابق لـ«C.I.A» الأميرکية مايک هايدن باختفاء دولتين عربيتين قريبا.. «العراق لم يعد موجودا وکذلک سوريا.. ولبنان دولة باتت فاشلة.. والمرجح أن تکون ليبيا کذلک»، وحيث قالت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية إن «سايکس – بيکو» لم تعد تعکس الواقع علی الأرض، فهناک الآن دول «داعش» و«القاعدة» والأکراد والسنة والشيعة والعلويين!!
إنه لا يمکن تصديق أنَّ اتفاقية النووي ومفاوضاتها لم تتطرق إلی القضايا الإقليمية الملتهبة وعلی رأسها الأزمة السورية التي باتت أکثر وأشد تعقيدا من ذنب الضب، وإلا ما معنی أن يقول وزير الخارجية الأميرکي وهو في موسکو، خلال زيارته الأخيرة، إنه يسعی مع الروس لإيجاد مکان لإيران في حل هذه الأزمة؟ ولماذا يحرص الأميرکيون حرصا شديدا علی عدم ذکر المعارضة السورية إلا في مجال التأکيد علی ضرورة تصديها لتنظيم «داعش» الإرهابي؟ ولماذا يحرصون (أي الأميرکيون) علی عدم استفزاز الروس والإيرانيين بالنسبة لکل ما يتعلق بالمنطقة العازلة التي اتفقوا عليها مع الأتراک والتي تشير کل التقديرات إلی أنها لن تکون مکرسة وفقط لـ«تنظيف» شمال سوريا من هذه المنظمة الإرهابية؟
وهنا، فإنه لا ضرورة إطلاقا لأن يقول الأتراک بعد اتفاقهم مع الأميرکيين علی المنطقة العازلة بعرض 50 کيلومترا وطول 90 کيلومترا داخل الأراضي السورية، والتي ستکون منطقة حَظْر طيران بالنسبة لسلاح الجو السوري، إنهم لا يعرفون ما إذا کان نظام الأسد غير قادر أم غير مستعد لمواجهة «داعش»، فهم يعرفون کل الحقائق التي جری ذکرها آنفا حول هذه المسألة، وهم يعرفون أن هذا النظام بقي يسعی خلال الأعوام الأربعة الماضية لأن يتم تکليفه دوليا ووحده فقط بهذه المهمة، والمعروف أن الروس قد أفشلوا «جنيف 2» بالتمسک بهذه المسألة، وأن الإيرانيين «يتعيشون» سياسيا علی هذا الطرح الذي لم يقنع أحدا والذي لا يمکن تمريره حتی علی أصحاب أنصاف العقول.
ولذلک، وبالنتيجة، وحتی وإن بقي الأميرکيون يرکزون علی أن الهدف حتی بعد اتفاقية النووي هو «داعش» وليس غيره، وحتی إن استمروا بالبحث عن طريقة تعطي الفرصة لإيران للمشارکة في أي حلٍّ للأزمة السورية، فإن المفترض أن ما قاله بشار الأسد في مهرجانه البائس يوم الأحد الماضي قد جبَّ ما قبله، فهو وصف الحل السياسي لهذه الأزمة بأنه «أجوف وعديم الفائدة» وهو أکد علی أن جيشه «الذي يعاني من عجز في القوی البشرية» لن يحارب من الآن فصاعدا إلا في «المناطق السياسية والمناطق الاقتصادية.. والمناطق السکانية»، وهذا يعني أنه بات يفکر في حل واحد ولا شيء غيره، وهو حلَّ إقامة الدويلة المذهبية في الشريط الممتد من دمشق إلی الساحل السوري مرورا بالقرداحة بالطبع.
لقد قال الأسد، ويجب التوقف مليًا عند هذا القول، إن من لا يحارب معه ليس سوريًا، وإن سوريا لمن يدافع عنها، أي لمن يدافع عنه، أيًا کانت جنسيته.. ألا يعني هذا يا تری أن هذه الدويلة الطائفية التي يجري الحديث عنها سيتم رفدها بالذين يعتبرهم مدافعين عنه، وسيتم تخليصها من الذين قصدهم بقوله: من لا يحارب معي ليس سوريًا؟!







