حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة الثامنة عشرة)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي
ان حادث القتل الجماعي للمجاهدين الاسری العزل الذي وقع في عام 1988 بأمر من خميني في السجون الإيرانية لا يمکن اعتباره نوعًا من الانتقام لجأ إليه هذا الحاکم المهزوم الفاشل في ظروف خاصة بجبهات القتال وتجرعه کاس سم، وذلک في محاولة لتشفي غليله. لأن نص الحکم المکتوب بهذا الخصوص وخلفيات الأمر يوضح ويظهر سبب کون حتی وکيل خميني ونائبه الثاني لم يوافق علی هذه الابادة البشرية بل وطالب باجراء تخفيف الحکم واستثناءات مماادی الی غضب خميني وعزل منتظري من منصبه.
عداء خاص کان خميني يکنه ضد المسلمين
للوصول الی جواب يجب الانتباه لحقيقة وهي ان اوامر القتل الجماعي الصادرة من قبل خميني صدرت بحق المجاهدين السجناء الاسری فقط حيث کان طلب منتظري المحدود يدور حول المجاهدين أيضًا من اجل تخفيف الاوامر الاجرامية بحقهم وهذا الکلام لا يعني انه وفي فاجعة القتل الجماعي للسجناء عام 1988 تم استثناء السجناء الثوار الآخرين من القتل الجماعي. کلاّ، بل وعلی عکس ذلک هناک نواجه أسئلة مضاعفة في ما يتعلق بهؤلاء الشهداء ومنها ما هي سبب قتل هؤلاء أبناء الشعب الابطال من وجهة نظر خميني وماذاکان تبريره؟ لان نص حکم خميني يرکز علی نعت «محارب» مما يأتي بسبب حروب المنظمة المعنية (مجاهدي خلق) خاصة عملية «الضياء الخالد» وإن کان تبريره ملفقًا أيضًا، ولکن وعلی أي حال لا علاقة لها إطلاقًا بالمناضلين غير المجاهدين (من غير مجاهدي خلق) ليتم قتلهم أيضًا، بحيث أنهم وفي الأيام الأولی من عمليات القتل الجماعي کانوا يحققون مع السجناء المجاهدين فقط لحسم أمرهم طبقًا لفتوی خميني المشينة. ولکن بخصوص قتل غير المجاهدين لا توجد هناک أية وثيقة أو مستند ترد علی هذا السؤال، نعم ضمن تصريحات بعض السجناء المطلق سراحهم وفي مذکراتهم عن السجن التي تم نشرها أشير الی موضوع الارتداد وترک الدين الاسلامي حول هذه المجموعة من الضحايا (غير المجاهدين) وهذا ليس جوابًا لهذا التساؤل، إلا وفي حالات نادرة ان يکون شخص قد تخلی عن دينه وغير دينه في السجن وعلی اثر ذلک يعتبر مجرماً لکن مع ذلک ان هذا يعني القتل الجماعي لغير المجاهدين لا يمکن تبريره بذلک. وفي هذا المجال قد يکون هناک تبرير مفترض وغير مؤکد فقط وهو أن قتل هؤلاء الأبطال المظلومين تم بعد الکشف عن موضوع القتل الجماعي للمجاهدين بهدف التغطية والتستر علی عمليات القتل المذکورة أو تمييعه. خاصة أننا نعرف أنه وفي «شريعة خميني» يکون کل فعلة مسموحًا بها وحتی واجبًا شرعيًا إذا کانت في خدمة «مصلحة النظام» ولو کانت من أشنع المنکرات الشرعية!.
خلفيات العداء الخميني
قضية مجاهدي خلق من وجهة نظر خميني لها سجل وخلفيات تعود إلی ما قبل مجازر السجناء السياسيين عام 1988 وينبغي ملاحظتها. فعلی سبيل المثال نذکر هنا نموذجًا حدث قبل سنوات من المجازر المذکورة وقبل أي قيام من قبل مجاهدي خلق بالکفاح المسلح أي في أوائل الثورة المناهضة للملکية وذلک في وثيقة صدر مکتوبة وتم الکشف عنها ونشرها آنذاک في وسائل إعلام مجاهدي خلق، وهي ما يأتي:
ردًا علی الشکوی التي قدمها إليه أحد أنصار مجاهدي خلق في مدينة بم بمحافظة کرمان (جنوبي إيران) علی هجامين مسمين بـ «حزب الله» اعتدوا عليه، کتب القاضي الشرعي الرسمي في المدينة تحت ورقة شکواه: «بفتوی صادرة عن الإمام خميني لا حرمة لمال وحياة وأرواح المنافقين (النعت الرسمي الخميني لمجاهدي خلق)».
من المعروف لدی القراء المحترمين أن الفتوی والحکم بسلب «حرمة المال والروح» عن المسلمين خاصة إذا کان بسبب مجرد الموالاة السياسية لمنظمة معينة أو تيار فکري معين لم ولن يترشح من لسان وقلم أي مرتجع حتی عائد إلی عهد الحجر، فلذلک من المفترض أنه کان هناک حکم وتوجيه خاص مما يسمی بـ «الشرعي» قد أصدره خميني حتی يمکن لملا وقاضي شرع غير معروف علی حاشية الصحراء أن يکتب هکذا رد بخط يده وعلی الورق ردًا علی شکوی وتظلّم. نعم، کان هناک في الحقيقة هکذا أمر سري من قبل خميني. وحسب اطلاع المجاهدين من مصادر عديدة لهم داخل فيلق الحرس وأجهزة القمع الأخری، قام خميني بتسجيل رسالة محرضة واستفزازية ضد مجاهدي خلق ثم تم توزيع شريط الرسالة المسجل علی جميع العناصر الفعالة في قوات الحرس بتوجيه وتعليم تنظيمي داخلي علی وجوب الاستماع إلی الشريط. إن ما ورد في ذلک الشريط لم يکد يبق سريًا حتی تفوه به خميني علنًا بعد مدة قصيرة في خطاباته العامة التي أذيعت عبر وسائل إعلام النظام المقروءة والمسموعة والمرئية علی نطاق واسع. فهکذا ينبغي ملاحظة أن التمهيدات المذکورة من قبل خميني حتی يصدر قاضي الشرع المذکور مثل ذلک الحکم المکتوب تظهر مدی عمق وشدة ما کان خميني يکنه ولا يزال يکنه ورثته في الحکم من الحقد والضغينة ضد المسلمين المجاهدين بحيث کان قضاته وسلطاته يعلنونه علی رؤوس الأشهاد منذ أوائل الثورة المناهضة للملکية وقبل أحداث 20 حزيران الدامية وتذرع خميني بذريعة «المحارب» ضد ضحايا «مقاومة مسلحة» مفروضة، وکانوا ينفذونه فعلاً وعلی الواقع الملموس بحيث نفذت عشرات من عمليات القتل في الشوارع مثل قتل المجاهد الشهيد عباس عماني وکذلک عدد کبير من السجناء بينهم أمهات طاعنات في السن، وکان وسائل إعلام المجاهدين المحدودة ومنها جريدة «المجاهد» تکشف عنها بقدر سعتها بتقديم الوثائق والمستندات.
بيان الشهادتين من قبل مجاهدي خلق
أصدرت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية بيانًا بتاريخ 20 نيسان (أبريل) عام 1979 کشفت فيه أنه و«منذ ما قبل شهرين» (أي منذ انتصار الثورة المناهضة للملکية) کانوا يمهدون الطريق داخل جهاز خميني للإعلان عن «ارتداد» مجاهدي خلق! لکي يمکن لهم التبرير الشرعي للقيام بقتلهم جميعًا باعتبار ذلک تنفيذًا لـ «الحد الشرعي» (العقوبة الشرعية للارتداد)! أي ما يشابه تلک الفضائح التي تلت قضية خيانة الانتهازيين في المنظمة (عام 1975) في سجون الشاه من قبل بعض من قادة تيار الملالي بتعاونهم وتشاورهم الدائمين مع سلطات شرطة الشاه السرية (السافاک) آنذاک أن أولئک الملالي الذين غالبيتهم أصبحوا الآن جزءًا من جهاز الحکم الرجعي وکانوا يشغلون مناصب رفيعة في هذا النظام.
في هذا البيان کشف المجاهدون خدعة النظام وذکّروا بأن المجاهدين ومنذ آنذاک أي منذ أن کانوا في سجون الشاه أوضحوا مواقفهم فردًا فردًا من الانتهازيين داخل صفوف مجاهدي خلق وفصلوا صفوفهم عنهم وفي الوقت نفسه رسموا حدودهم الواضحة مع الرجعية الدينية أيضًا ودونوها وأوضحوها علنًا. وفي مابعد کرر المجاهدون شهادتيهم مرة أخری وکرروا مواقفهم الدينية القائمة علی الإسلام والتشيع الثوري کتبيًا، کما وفي ما بعد کرروا الشهادتين ورددوها جماعيًا في عدة تجمعات موسعة بمشارکة عشرات الآلاف من المواطنين وأنصارهم والموالين لهم.
مواقف المجاهدين منذ فجر الثورة
کانت صحيفة «کيهان» قد أجرت مقابلة مع السيد مسعود رجوي تمامًا في ليلة 11 شباط عام 1979 (ليلة انتصار الثورة الإيرانية المناهضة للملکية) ونشرتها في ثلاثة أعداد متتالية منها. وفي هذه المقابلة رکز مسعود رجوي الذي لم يکن يمر آنذاک علی إطلاق سراحه من سجون النظام الشاهي الديکتاتوري أکثر من ثلاثة أسابيع فقط رکز علی الطلبات الرئيسة لهذه القوة الطلائعية الرائدة للثورة ضد ديکتاتورية البهلوي أي مجاهدي خلق. وفي ما يلي الخطوط العريضة للطلبات المذکورة:
أ. «ضرورة وحدة العمل بين جميع القوی والتحذير من أي تفرقة». يذکر أن التفرقة الاحتکارية من قبل ملالي زمرة خميني کانت تفرض وتنفذ حتی عند المظاهرات المليونية أثناء الثورة الإيرانية بشکل علني وسافر.
ب. «برنامج التنمية الاقتصادية العادلة بحشد الجماهير وتضمين حقوق الشرائح الکادحة».
ج. «ضمان الحريات والحقوق المتکافئة بين النساء والرجال».
د. «ضمان الحقوق الديمقراطية لجميع المجموعات السياسية بأي عقيدة ومذهب».
وجدير بالذکر ان هذه المواقف نشرت منذ 11 شباط 1979 في عشرات البيانات بشکل مباشر من قبل ابرز ناطق باسم الاسلام الديمقراطي للمجاهدين مسعود رجوي بشکل مفصل من اول حديث له بعد اطلاق سراحه من سجن الشاه في مسجد جامعة طهران اوائل شباط 1979 وکذلک کلمته في5آذار عام 1979 عند ضريح مصدق الکبير وکذلک تم نشرها في وثيقة رسمية تحت عنوان (اقل مانتوقعه من الجمهورية الاسلامية) بتاريخ 18 آذار 1979 وکذلک بشکل أکثر رسمية تم نشرها عدة مرات تحت عنوان «برنامج رئاسة الجمهورية بـ 12 مادة».
إن مجموعة مواقف وآراء المجاهدين عند ما يتم مطالعتها بالمقارنة مع الردود المختلفة لخميني عليها خاصة ردوده القمعية فهناک يمکن إدراکًا موضوعيًا مختلفًا لعمليات القتل الجماعي للمجاهدين السجناء مما يقودنا إلی معرفة السبب الرئيس لمعاداة خميني لمجاهدي الشعب الإيراني.
(يتبع)







