مقالات

71 عاما علی استقلال لبنان

العرب
23/11/2014

بقلم :خيرالله خيرالله


هناک مقاومة لبنانية حقيقية للمشروع التوسعي الإيراني الذي ليس فيه ما يشير إلی أنّ مصيره سيکون أفضل من مصير المشروع السوري في ما يخصّ لبنان.

ما يمکن استخلاصه من واحد وسبعين عاما من الاستقلال اللبناني أن الصيغة اللبنانية أقوی بکثير مما کان يعتقد، وذلک مع الاعتراف بأنّ حجم المخاطر التي تواجه الوطن الصغير في ازدياد، خصوصا في ضوء ما تشهده المنطقة من تحوّلات تاريخية. لا تذکر هذه التحولات سوی بمرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولی وإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط.
لبنان ضحية من ضحايا الزلزال العراقي في العام 2003، وهو زلزال أدی إلی اختلال کبير في التوازن الإقليمي لمصلحة إيران. کانت الترجمة الواقعية لهذا الزلزال علی الأرض اللبنانية انتقال الوطن الصغير من الوصاية السوريةـ الإيرانية إلی الوصاية الإيرانية وذلک بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005.
الآن، بعد مرور کلّ هذا الوقت، بدأنا نفهم أنّ الجريمة التي ذهب ضحيتها باني لبنان ما بعد انتهاء الحرب الداخلية وحروب الآخرين علی أرضه، کانت عملية مشترکة. نفّذ الجريمة ورعاها النظام الأمني السوري ـ الإيراني ـ اللبناني الذي کان يتحکم بتفاصيل التفاصيل في البلد في مرحلة ما قبل استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه.
الآن بدأنا نفهم أيضا لماذا قال السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” في الثامن من آذار ـ مارس 2005، أي بعد ثلاثة أسابيع من حصول الجريمة، عبارة “شکرا سوريا”. هل أراد شکر النظام السوري علی تغطيته الجريمة ومشارکته فيها، کما يظهر من الشهادات أمام المحکمة الدولية؟ هل أراد شکر النظام السوري علی عدم فهمه المعادلة اللبنانية وإجبار نفسه بطريقة أو بأخری علی الانسحاب من البلد عسکريا بعدما اعتبر أنّ مجرّد اغتيال رفيق الحريري سيجعله يبقی في لبنان إلی الأبد؟ هل کان نصرالله يريد بالفعل شکر النظام السوري من أجل الحؤول دون انسحابه عسکريا من لبنان، بل کان يعرف تماما، علی نحو مسبق أنّ الثمن المباشر للجريمة هو الانسحاب العسکري السوري وأن من يملأ هذا الفراغ هو “حزب الله” ولا أحد آخر غير “حزب الله”. والمعني بـ”حزب الله” ما يمکن وصفه بلواء في “الحرس الثوري” الإيراني عناصره لبنانية.
في کلّ الأحوال، بدأ الانتقال إلی الوصاية الإيرانية مع تشکيل نجيب ميقاتي حکومته الأولی، مباشرة بعد اغتيال رفيق الحريري وقبل انسحاب القوات السورية من الأراضي اللبنانية في نيسان ـ أبريل 2005، أي بعد شهرين من الجريمة.
للمرّة الأولی، يدخل “حزب الله” الحکومة اللبنانية عبر وزير محسوب عليه وذلک تمهيدا لتکريس ما صار يسمّی الثلث المعطّل. قبل ذلک، لم يکن الحزب يولي أهمّية للمشارکة في الحکومة، ما دامت الوصاية السورية تحافظ له علی کلّ مصالحه. أراد بکل بساطة تأکيد أنّه وضع اللبنة الأولی للوصاية الإيرانية المباشرة التي نشهد حاليا في کلّ يوم فصلا من فصولها، خصوصا في ظلّ إصرار إيراني علی منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية عبر استخدام أداة مسيحية متمثلة بالنائب ميشال عون.
بعد واحد وسبعين عاما علی الاستقلال، ما زال لبنان يقاوم علی الرغم من أنّه من دون رئيس للجمهورية منذ الخامس والعشرين من أيّار ـ مايو الماضي. هناک مقاومة لبنانية حقيقية للمشروع التوسعي الإيراني الذي ليس فيه ما يشير إلی أنّ مصيره سيکون أفضل من مصير المشروع السوري في ما يخصّ لبنان. هذا لا يعني في أيّ شکل أن لبنان في وضع جيّد. علی العکس من ذلک، إنّه في وضع لا يحسد عليه، خصوصا في ظلّ وجود ميليشيا مذهبية تبحث الآن عن شرعية لسلاحها الموجّه إلی صدور اللبنانيين، عبر الادعاء في أنّها تقاوم “داعش”. من يريد بالفعل مقاومة “داعش” لا يتورّط في الحرب الداخلية السورية من منطلق مذهبي بحت. من يريد بالفعل مقاومة “داعش” لا يزيل الحدود اللبنانية ويعتبر أنها لم تعد موجودة.
نعم، اکتشف أهل المنطقة ومعهم العالم أن ترکيبة لبنان بصيغته الطائفية ليست بالهشاشة التي يعتقدها کثيرون، بمن في ذلک بشّار الأسد نفسه. لبنان يمتلک مقومات المقاومة. لذلک، قاوم السلاح الفلسطيني وقاوم الاحتلال الإسرائيلي وقاوم الوصاية السورية وهو الآن يقاوم المشروع التوسّعي الإيراني الذي يستهدف تدمير مؤسسات الدولة اللبنانية الواحدة تلو الأخری… وصولا إلی تکريس الفراغ الرئاسي.
تبيّن أنّ ليس بين العرب المشرقيين، خصوصا، من يستطيع إعطاء دروس للبنان في شيء. سوريا التي عرفناها انتهت، کذلک العراق الذي کان أحد أعمدة النظام الإقليمي. مهّد سقوط العراق لزيادة زخم الهجمة الإيرانية التي استهدفت، بين ما استهدفت، لبنان ومؤسسات الدولة اللبنانية کلّها.
ستزداد الضغوط علی لبنان المستقلّ. ستعمل إيران علی الإمساک بکلّ مفاصل الدولة اللبنانية مستخدمة سلاح “حزب الله” عندما تدعو الحاجة إلی ذلک، والدهاء السياسي حيث لهذا السلاح فعالية ما. تتقدّم إيران أحيانا وتتراجع في أحيان أخری. تراجعت عندما وجدت أن المغامرة السورية لـ”حزب الله” ليست نزهة وأن الأوان لم يعد أوان غزوة جديدة لبيروت والجبل کما حصل في أيار ـ مايو 2008… أو افتعال حرب جديدة مع إسرائيل کما حصل في صيف العام 2006.
قبلت إيران علی مضض بتشکيل حکومة لبنانية برئاسة تمام سلام وصفها الرئيس سعد الحريري، منذ البداية، بدقّة ليس بعدها دقّة بأنّها حکومة “ربط نزاع″.
بعد واحد وسبعين عاما من الاستقلال، يقف لبنان عند مفترق طرق. ما قد يزيد الوضع صعوبة تدفّق اللاجئين السوريين عليه. سيترتّب علی لبنان في الأشهر المقبلة مواجهة المخاطر الناجمة عن سلاح “حزب الله” وتورطه في سوريا واستجلاب “داعش” من جهة العبء الناجم عن وجود مئات الوف السوريين داخل أراضيه من جهة أخری.
فوق ذلک کلّه، سيکون عليه التعاطي مع المشروع التوسعي الإيراني الذي يستهدف تغيير طبيعة النظام وطبيعة المجتمع بعدما نجح في تغيير طبيعة قسم کبير من المجتمع الشيعي وخطفه.
هل سيستسلم أمام الوصاية الإيرانية؟ الجواب المباشر أنّ اغتيال رفيق الحريري لم يحقّق النتائج المطلوبة، لا سوريا ولا إيرانيا. ورثت إيران سوريا في لبنان. هذا صحيح. ولکن، إذا کان من درس تمکن الاستفادة منه، فهذا الدرس لديه ملخص واحد هو أن ليس بالإمکان الاستخفاف بلبنان، لا بمسيحييه ولا بمسلميه.
من کان يتصوّر أن المسلحين الفلسطينيين سيغادرون يوما لبنان؟ من کان يتصوّر مشهد القوات السورية تجتاز نقطة الحدود عن المصنع وغيرها من النقاط؟ نعم، النظام الإيراني أکثر دهاء من النظام السوري. هذا أمر مفروغ منه. ولکن هل يکفي اغتيال رفيق الحريري، في سياق الاحتلال الأميرکي ـ الإيراني للعراق، کي تصبح بيروت مدينة إيرانية علی المتوسّط وکي تجد إيران بديلا من اتفاق الطائف؟

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.