حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة السابعة)
بقلم: آية الله الشيخ جلال کنجئي

قلنا في الحلقة السابقة إن خميني وعلی أساس الفکرة المشترکة مع جميع المتطرفين الإرهابيين دعا «مستضعفي العالم والبلدان الإسلامية ومسلمي العالم» إلی أن «يثوروا» و«يقيموا حکومة إسلامية شاملة لجميع الشعوب المسلمة» مما يعني تغييرًا أساسيًا في خارطة العالم الجغرافية السياسية لن يحصل إطلاقًا من دون اشتعال حرب عالمية أشمل وأوسع من الحرب العالمية التي أشعلها هتلر.
الطبيعة الإمبراطورية لـ «ولاية الفقيه»
إن خميني کان يعمل علی تصدير الرجعية وإحياء الخلافة العثمانية – ولکن باسمه وکما يروق لمزاجه الشرير – ليس فقط کفکرة وغاية وإنما کبرنامج وهدف محدد أدرجه في مختلف فصول الدستور الخاص لنظامه ليضفي له طابعًا قانونيا. فجاء في مقدمة دستور النظام: «نظرًا لمضمون وجوهر الثورة الإسلامية في إيران والتي کانت حرکة لانتصار جميع المستضعفين علی المستکبرين فإن جمهورية إيران الإسلامية توفر الأرضية وتمهد الطريق لاستمرار هذه الثورة داخل إيران وخارجها خاصة أنها تعمل علی توسيع العلاقات الدولية مع الحرکات الإسلامية والشعبية الأخری بهدف تعبيد الطريق إلی تحقيق الأمة العالمية الواحدة وتعزيز مسيرة النضال من أجل إنقاذ الشعوب الفقيرة المضطهدة في العالم کله».
وورد في جانب آخر من مقدمة الدستور بعنوان «الجيش العقائدي»: «إن جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتوليان فقط حماية الحدود وحراستها وإنما يحملان علی عاتقهما رسالة أو مسؤولية عقائدية أيضًا وهي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل توسيع سلطة شريعة الله في العالم». وجاء في کتاب «نظرة إلی السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية » من إصدارات وزارة خارجية النظام:
«المسلمون مجموعة واحدة فيجب عليهم أن يعيشوا تحت خيمة حکومة واحدة ويجب أن تدار کل أرضهم بواسطة حکومة واحدة وتکون لهم سياسة خارجية واحدة ليتحقق الدفاع عن کيان الإسلام وحماية مصالح المسلمين».
کما ومنذ آنذاک أي منذ أوائل وصول خميني إلی السلطة في إيران إثر الثورة الإيرانية في عام 1979 وحتی اليوم الذي وصل فيه أحمدي نجاد إلی رئاسة جمهورية الملالي بقيادة علي خامنئي نری جميع قادة هذا النظام والمتحدثين باسمه يرددون متناغمين شعار «حکومة إسلامية عالمية» ويؤکدون ويصرون عليه وعند ما نتابع تصريحاتهم في هذا المجال نلاحظ بکل استغراب ومفاجأة أنه حتی أشخاص مثل خاتمي الرئيس الموصوف بالإصلاحي کان لهم حضور نشط في هذا التناغم. فبذلک أي عبر هذا الشعار الخميني الذي هو شعار ورثته وحثالته نهتدي إلی صورة واضحة عن الرکن الرئيس لنظرية «ولاية الفقيه» أي الحصول علی «السلطة المطلقة» تظهر أنه وخلافًا لأشرس الديکتاتوريات والأنظمة الدموية المتغطرسة في العالم فإن نظرية «ولاية الفقيه» السياسية هي «غطرسة» عالمية ثمنها صبغ وقهرکل العالم وخاصة العالم الإسلامي أي مسلمي العالم بالدم.
هذا وقبل دراسة الدعوة إلی «حکومة إسلامية عالمية» وکونها تماثل فکرة «الخلافة» التي يتابعها ويعمل من أجلها المتطرفون الزاعمون بأنهم من السنة، من الضروري أن نلقي الضوء علی أهم تصريحات أدلی بها المتحدثون باسم نظام خميني:
الأول: في خطاب ألقاه في شهر أيار عام 1990 أمام «المؤتمر العالمي لحزب الله» في طهران وبثته الإذاعة الحکومية بتاريخ 22 من الشهر المذکور قال الرجل القوي في النظام الإيراني «علي أکبر هاشمي رفسنجاني»: «إن إيران الإسلامية هي قاعدة جميع مسلمي العالم. لا يساورني أدنی شک أو سؤال بأن الإمام الخميني قد قال إننا لا نريد هذه الثورة لأنفسنا فقط (أي للإيرانيين فحسب) وإنما نهتم بشؤون وقضايا الآخرين أيضًا. إن الإمام الخميني کان يکره بشدة فکرة أن نکون محدودين ومقتصرين بقوميتنا أو عرقنا أو أرضنا» (انتهی کلام رفسنجاني).
وکان رفسنجاني يکرر ويردد مرات عديدة هکذا تصريحات ولم يکن يخشی الإعلان عن هذه الفکرة أمام الملأ وعلی المستوی العالمي. فعلی سبيل المثال نقل «جرالد سايب» في مقال نشرته صحيفة «وال استريت جورنال» الأمريکية في عددها الصادر يوم 18 آذار 1992 عن رفسنجاني قولة: «إن إيران هي قاعدة النهضة الحديثة في العالم الإسلامي وأصبح مسلمو العالم يعلقون آمالهم عليها». وکان کاتب المقال المذکور قد عنون مقاله المتضمن لتصريحات رفسنجاني بعبارة: «في الوقت الذي يزول فيه خطر العراق أصبحت إيران تظهر من جديد کقوة في الشرق الأوسط».
الثاني: في عام 1991 وفي معرض شرحه لاستراتيجية الأمن القومي للنظام الإيراني قال محمد خاتمي الذي کان رئيس الجمهورية في النظام الإيراني لمدة ثماني سنوات وکان دومًا أحد المقربين من خميني: «عند ما ننظر نظرة إستراتيجية فإلی أين ننظر؟ هل ننظر إلی الاحتفاظ بوحدة أراضينا أم إلی التنمية؟ هل ننظر إلی ”البسط” (التوسع) أم إلی ”الاحتفاظ بالسلطة”؟». ثم يرد هو نفسه علی هذه الأسئلة بقوله: «علينا أن ننظر إلی ”البسط”».
وفي تلک التصريحات قال خاتمي في معرض استدلاله: «أری أننا متخلفون بحد کبير قياسًا بأعدائنا من ناحية الإمکانيات والأدوات… لابد لنا أن ننبذ فکرة کوننا قادرين علی التنافس يومًا ما مع خصومنا في التقنية والأسلحة. إذن نحتاج إلی قوة لا يمتلکها العدو وأن تکون تلک القوة أفضل وأقوی من التقنية والأسلحة. إن قوتنا هي القوة الإسلامية الصاحية أو الصحوة الإسلامية وهي المستعدة للتضحية في جميع أرجاء العالم. إن نظام الجمهورية الإسلامية لن يبقی علی قيد الحياة إلا بإسناده من قبل تلک القوة العالمية. ففي الجزائر تکون الحرکة الإسلامية حرکة جادة. کما يمکن المراهنة علی السودان. وهناک بدأت مراکز جديدة للقوة تتبلور في العالم الإسلامي… وعلينا أن نعول ونعلق الأمل علی هذه القضية بشکل جاد».
الثالث: محمد جواد لاريجاني مستشار السياسة الخارجية ومن ناشطي مجلس الأمن القومي في حکومة رفسنجاني يعتبر من أنشط الدعاة والمروجين لسياسة «ولاية الفقيه» الإمبراطورية. وقد أدلی لاريجاني بتصريحات في صيف عام 1989 شرح فيها «الأهداف الحيوية للجمهورية الإسلامية»، قائلاً: «إن هدفنا الأول هو تعريف الحقيقة الإسلامية لنظام ”ولاية الفقيه” وموقعنا في العالم الإسلامي، وهدفنا الثاني هو الدفاع عن الجمهورية الإسلامية وأمنها وهدفنا الثالث هو ”البسط” أو ”التوسع”». ويعتبر في حديث آخر له: «أن الجمهورية الإسلامية ليس من المفترض عليها أن تبقی محدودة ومقتصرة بحدودها الجغرافية… ليست إيران واحدة من الدول الإسلامية فقط وليس إلا. فالعالم يشهد التقسيم إلی دول جغرافية مما ليس أمرًا حقًا وله خلفية مرة… علينا أن ننظم سياساتنا ودبلوماسيتنا بأسلوب ينسجم وموقعنا في العالم الإسلامي… لا يمکن لأي بلد إلا لإيران أن يقود ويتزعم العالم الإسلامي».
الرابع: أعلنت وزارة خارجية النظام الإيراني رسميًا في کتاب «مبادئ السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية» أن الهدف الأول لسياسة النظام الإيراني الخارجية هو «العمل علی إقامة الحکومة الإسلامية العالمية» حيث أوضحت في مقال بقلم المدعو «منوتشهر محمدي»: «أن المدرسة الإسلامية تری أن العالم تنقسم بوجه عام إلی منطقتين إحداهما ”دار الإسلام” التي تنفذ فيها الأحکام الإلهية وتتولی المدرسة الإسلامية السلطة فيها. والأخری هي ”دار الکفر” وهي أرض أو أراض لا يعمل نظام الحکم القائم فيها في إطار أحکام الشريعة الإسلامية. فعلی هذا الإسلاس لا يعترف الإسلام بأية حدود سوی الحدود العقائدية. وأما الحدود الأخری بما فيها الحدود الجغرافية فهي مرفوض ومدان».
ومن الجدير بالذکر أن التصنيف المذکور أي «دار الإسلام» و«دار الکفر» هو من المصطلحات التي تم اختلاقها في عهد سلاسل الخلافة التي لم تکن في حقيقتها أفضل من الأنظمة الملکية التوارثية لأنها کانت تقوم علی أساس القوة القبلي وقوة السلاح خلافًا لعهد الخلفاء الراشدين الذي لم تکن الخلافة فيها توارثية بل کانت شرعيتها تنحدر من البيعة الشعبية العامة أي کانت تقوم علی أساس أصوات الشعب ومبايعة الجماهير صحابة رسول الله (ص). أما الموضوع الخطير هنا فهو أن هذين المصطلحين لم يکونا قد فسّرا قط في تلک العهود کما يتم تفسيرهما اليوم بهکذا دموية وتعارض مع الإسلام. فإن وزارة خارجية النظام الإيراني تصنف حتی الدول الإسلامية أي الدول ذات الأغلبية السکانية المسلمة في جبهة العدو وبأنها جزء من «دار الکفر» مما يجعل النظام الإيراني لا يلتزم إطلاقًا بحرمة «حدود» تلک الدول أي في الحقيقة بأمن سکانها وحياتهم وأعراضهم.
إيران ورفض التطرف الإرهابي
عندما نلاحظ الأوقات التي أطلق فيها قادة النظام الإيراني تصريحات منذ البداية بدءًا من خميني ووصولاً إلی عناصره علی المستويات الأولی لا يبقی شک أن نظام خميني ونظرية «ولاية الفقيه» کانا قد بنيا منذ البداية علی شعار «الحکومة الإسلامية العالمية». ولکن ما ورد في تصريحات واستدلالات قادة النظام وأوردنا في ما تقدم أمثلة ونماذج منها يظهر مدی کون هذا «البسط» أي التوسع و«الإمبراطورية» أمرًا حيويًا بالنسبة للنظام الإيراني وکونه ذا خطورة علی مصالح العالم أجمع بما ذلک الأغلبية العظمی للدول والشعوب المسلمة.
أما الذي لا يوجد أي إيضاح حوله في تصريحات واستدلالات قادة النظام الإيراني في هذا المجال فهو کون قادة نظام خميني المتطرفين يعتبرون أرض إيران الخندق الرئيسي وموطئ القدم أو المنطلق لهم للاستيلاء والاستحواذ علی العالم الإسلامي وإقامة إمبراطورية خلافة أو ولاية فيه. هل کان يکفي لهذا الاعتبار والحلم مجرد کونهم قد نجحوا في الوصول إلی السلطة في إيران؟ فعلی أي حال، لقد جربنا في إيران واقع أنه کيف بدأت وترعرعت وتنامت أقوی مقاومة فکرية ونضالية أمام نعرات عفريت التطرف بقيادة خميني داخل إيران. ولهذا السبب عجز خميني عن الاستيلاء حتی علی جارنا العراق ذي الأغلبية الشيعية رغم کل محاولاته وشرهه علی ابتلاع البلدان الأخری ورغم الحرب لمدة 8 سنوات وبکل أوقعته من الخسائر المادية والبشرية الهائلة، بل ومني في تلک الحرب الشرسة بهزيمة نکراء أدت إلی شرخ جبهته الداخلية وتفشي شکوک وانفصالات وانقسامات جادة في صفوف قواه وعناصره مما سجل أهم حالات من الانشقاق الداخلي في قمته وقاعدته بحيث انخدع البعض بذلک داخل إيران وخارجها من الإيرانيين وقوی عظمی دولية وانجروا وراء ما أسمی نفسه بجبهة الاعتدال والإصلاحيين داخل النظام ولکن خاب ظنهم کون هذه الإصلاحية الزائفة لم يعدو سرابًا بالنسبة للمتوهمين. ولکن التطرف الحاکم ولمواجهة کراهية الشعب الإيراني لسلطته وإصراره علی مطالبه العادلة لم يجد أمامه إلا خيارًا واحدًا وهو العودة إلی العمل علی إقامة الإمبراطورية والترويج والدعوة لإحياء الخلافة ولکن أکثر فضاحة وعجزًا هذه المرة.
تبجحات أحمدي نجاد
وحاليًا ليست مهمة أحمدي نجاد إلا إثارة هذه الشعارات من جديد وبعث الحياة فيها بأن: «هناک معرکة تاريخية تدور بين العالمين الاستکباري والإسلامي وتنحدر في عمقها من مئات السنين». هذه هي القصة الزائفة لشعاري «دار الإسلام» و«دار الکفر» والتي وردت في کتاب وزارة خارجية خميني.
فقال أحمدي نجاد في کلمة له: «خلال السنوات المائة الماضية انهارت الخنادق الأخيرة للعالم الإسلامي». وليست هذه الخنادق المنهارة خلال السنوات المائة الماضية إلا أنقاض الخلافة العثمانية الغاشمة التي کانت تنهب وتفسد وتدمر العالم الإسلامي بأسره. ولکن المتطرفين المتشدقين بالتشيع والجاثمين علی سدة الحکم في طهران لا زالوا يتباکون علی سقوط سلفهم السني أي الخلفاء العثمانيين الفاسدين ويصفون تخلص وتحرر الأمم والشعوب الإسلامية من هيمنة السلاطين العثمانيين بأنه «انهيار خنادق الإسلام».
وعلی أي حال وامتثالاً بأسلافه وأسياده الإرهابيين يصرح أحمدي نجاد قائلاً: «علينا أن نأخذ بعين الاعتبار في تحليلاتنا الساحة العالمية»، مضيفًا: «کل هذه القضايا تعود إلی القضية الرئيسة أو النزاع الرئيسي». ويقصد من «القضية الرئيسية أو النزاع الرئيسي» کما قلنا سابقًا «السلطة الاستبدادية المطلقة» ذاتها فقط التي وبفضل الإيضاح الذي أوردناه هنا أکثر وضوحًا يتبين أنها هي «السلطة العالمية المطلقة» وإلصاق تهمة «دار الکفر» بديار وأراضي المسلمين الذين لا ذنب لهم إلا عدم الانصياع والرضوخ للسلطة الشريرة للمتطرفين الإرهابيين.
(يتبع)







