مقالات

لماذا هذا الموقف الأميرکي مما يجري في سوريا والمنطقة؟

 


الشرق الاوسط
8/7/2015
بقلم:صالح القلاب


لا تريد إدارة الرئيس باراک أوباما مناطق «عازلة» في سوريا ولا تريد مناطق حذر طيران وترفض تجنيد وتدريب السوريين إلَّا لمحاربة «داعش» وهي في حقيقة الأمر قد انکفأت کثيرًا عن مواقفها السابقة التي کانت قد اتخذتها عندما کانت الثورة السورية في بداياتها، وهذا يثير الکثير من الأسئلة والکثير من التساؤلات.. فهل الولايات المتحدة في عهد هذه الإدارة لم تعد تری في هذا الشرق الأوسط الملتهب إلَّا إيران ومشکلة مخططها النووي وانعکاسات هذا المخطط علی دولة واحدة في هذه المنطقة، الحيوية والاستراتيجية لألف سبب وسبب، هي دولة إسرائيل.
بعد تجربة محبطة وفاشلة يبدو أن إدارة أوباما قد نسيت ما کان قاله رئيسها رئيس الولايات المتحدة في مدرج جامعة القاهرة قبل أعوام عدة، فهي باتت تتصرف وکأنها لم تعد معنية بالقضية الفلسطينية ولا بالمفاوضات المتوقفة بين منظمة التحرير والحکومة الإسرائيلية، وکل هذا وهي تعرف أنه لا يمکن القضاء لا علی «داعش» ولا علی الإرهاب في هذه المنطقة ما لم ينته هذا الصراع الذي استطال أکثر من اللزوم ويحصل الفلسطينيون علی حقوقهم المشروعة ويقيمون دولتهم المنشودة علی ما احتل من وطنهم في يونيو (حزيران) عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إن الواضح أنه لم يعد يهم هذه الإدارة، التي بدأت تلملم أشياءها استعدادًا للرحيل، لا کل هذا الذي يجري في العراق ولا کل هذا الذي يجري في اليمن وفي سوريا وفي ليبيا وفي فلسطين وکأن الدنيا کلها قد ضاقت حتی أصبحت مجرد خُرم الإبرة الذي ينظر من خلاله باراک أوباما إلی مسألة النووي الإيراني التي يبدو أنه لم تعد تؤرقه مسألة غيرها والتي من الواضح أنه قد تحلی بمرونة لم يتحلَّ بمثلها بالنسبة لأي قضية أخری إنْ بالتي هي أحسن وإنْ بالتي هي أسوأ.
کان أوباما، الذي لا نعرف أين سيضعه التاريخ بين الرؤساء الأميرکيين الذين تناوبوا علی البيت الأبيض وعلی الرئاسة الأميرکية منذ ذلک العملاق جورج واشنطن وحتی الآن، قد أعلن، في بداية ولايته الثانية التي تمضي الآن إلی نهايتها بخطی سريعة، عن التزامه بتحقيق أربعة أهداف هي: سحب القوات الأميرکية من أفغانستان ومن العراق والانفتاح علی «الجارة العزيزة» کوبا وإقفال معتقلات غوانتانامو سيئة الصيت والسمعة.. وأخيرًا التوصل مع إيران إلی اتفاق بشأن مشروعها النووي يحول دون حصولها علی القنبلة النووية.
لکن وحتی وإن تم التوصل مع إيران إلی مثل هذا الاتفاق المنشود، الذي کسر وزير الخارجية جون کيري ساقه علی دروبه ومنعطفاته الوعرة، فإنه يبقی أن باراک أوباما لم ينجز شيئًا وأن کل ما فعله هو مجرد قفزات في الهواء وفي المکان ذاته، فأفغانستان بعد رحيل القوات الأميرکية بقيت علی ما کانت عليه، فحرکة طالبان التي کانت هدف غزو عام 2001 ازدادت قوة وفتحت مکاتب لها في طهران وفي أماکن أخری من الأراضي الإيرانية وکل هذا بينما النظام الذي خلف نظام حامد قرضاي لا يزال غير مستقر وهو تُرک يواجه مصيرًا مظلمًا کالمصير الذي واجهته الأنظمة التي تناوبت علی هذا البلد «المُتعب» منذ انقلاب الجنرال داود في عام 1973 وصولاً إلی دولة الملا عمر الطالبانية الإرهابية التي أنجبت «القاعدة» وأنحيت «داعش» والتي قد تکون هي الهدية المميتة من الانسحاب الأميرکي إلی الشعب الأفغاني وشعوب تلک المنطقة التي من الواضح أنها حبلی بمفاجآت کثيرة.
إن هذا بالنسبة لـ«فضيلة»!! الانسحاب الأميرکي من أفغانستان، أمَّا بالنسبة للانسحاب من العراق فإنَّ المعروف أن کبار الجنرالات الأميرکيين بعد هذا الانسحاب وبعد حصول کل ما حصل يعضون الآن أصابعهم ندمًا لموافقتهم عليه، فإيران هي من ملأ الفراغ الذي ترتب علی هذا الانسحاب و«داعش» هي أسوأ إنجازاته وأرض الرافدين التي انسحبت منها القوات الأميرکية انسحابًا کيفيًا باتت تواجه مصيرًا مجهولاً وإلی حد أن هناک في الولايات المتحدة من غدا يفکر جديًّا بعودة هذه القوات إلی هذا البلد الغارق في الفوضی حتی ذروة رأسه وعلی نحو ما کانت عليه قبل عام 2011.
ثم وإن المعروف أن «غوانتنامو» لم يغلق حتی الآن، وإن اتفاقية النووي مع إيران حتی وإن هي أُنجزت وتم إبرامها فعلاً فإنها بالتأکيد لن تکون طويلة العمر، فالإيرانيون أهل «تقية»، وهذه الاتفاقية کما هو معروف فيها ثغرات وثقوب کثيرة وإسرائيل حتی وإن هي حصلت علی الضمانات التي تريدها فإنه غير مستغرب أن تفاجأ العالم، تحت وطأة «المزايدات» بين أحزابها وتکتلاتها ومماحکاتها السياسية، بضربة کتلک الضربة القاصمة التي کانت وجهتها إلی مفاعلات التخصيب النووي العراقية.
والسؤال هنا، الذي من المفترض أن يطرحه کبار المسؤولين الأميرکيين علی أنفسهم وعلی رئيسهم، الذي يظن أنه بما فعله قد أتی بما لم يستطعه الأوائل، هو: هل يا تری أن الولايات المتحدة ذات المصالح الاستراتيجية المهمة جدًا في هذه المنطقة الحساسة تفکر فعلاً بالانسحاب من الشرق الأوسط وتترکه تحت رحمة ألْسنة النيران الهائلة التي تضطرم فيه وتترکه للإرهاب الذي بات يهدد العالم کله وتترکه للتمدد الروسي وللهيمنة الإيرانية..؟!
ربما أن أوباما الذي يريد الاکتفاء من الغنيمة بالإياب ويسعی لمغادرة البيت الأبيض من دون أي ورطه کالورطة التي أدخل جورج بوش (الابن) الولايات المتحدة فيها عندما غزا العراق من دون حسابات دقيقة، لکن هذا في حقيقة الأمر لن يجنب أميرکا استحقاقات ستترتب علی حالة الانکفاء التي يفکر فيها هذا الرئيس الأميرکي، فالشرق الأوسط تعيش دوله ظروفًا غير عادية والشرق الأوسط لا يزال وسيبقی منطقة مصالح حيوية للدول الکبری کلها والشرق الأوسط إن تُرک فيه الحبل علی الغارب سيُصدِّرُ حتمًا المزيد من العنف والإرهاب إلی الغرب وإلی العالم کله.
هناک الآن المشکلة الأوکرانية التي أصبحت مشکلة أوروبية، وحيث أصبحت تلک المنطقة منطقة تصادم ونزاع بين روسيا والولايات المتحدة، ثم وهناک الآن عدم الاستقرار المخيم علی أفغانستان وعلی باکستان وعلی إيران، وهناک کل هذه الزلازل المدمرة التي تضرب الکثير من الدول العربية، وأيضا هناک الآن القضية الفلسطينية العالقة في عنق الزجاجة، وهناک الآن کل هذه الأوضاع المتقلبة في معظم الدول الأفريقية.. فهل تستطيع الولايات المتحدة إدارة ظهرها لکل هذا وتکتفي بـ«إنجازات» أوباما التي سيکتشف الأميرکيون وقريبًا وقبل أن يصيح الديک، أنها کلها إنجازات وهمية حتی بما في ذلک ما يعتبره جون کيري معجزة استدراج إيران إلی الاتفاقية النووية.
لقد أشار السفير الأميرکي «السابق» في دمشق روبرت فورد إلی احتمال انقسام سوريا إلی ست مناطق (دول) تسيطر عليها الفصائل المختلفة والمؤتلفة التي غدت تتحکم بأکثر من 75 في المائة من هذا البلد، وکذلک وإلی جانب هذا کله فإن هناک مشکلة أن ترکيا العضو الفاعل في حلف شمال الأطلسي لا يمکن أن تسکت عن النزعة الکردية الاستقلالية المتعاظمة التي إن هي تحققت في أي من الدولتين المجاورتين، سوريا والعراق، فإن هذه العدوی ستنتقل إليها بکل تأکيد، ولذلک فإنه يمکن الجزم بأن أميرکا لا تستطيع إدارة ظهرها لهذا کله، وذلک حتی وإن بقي باراک أوباما متمسکًا بوجهة نظره الآنفة الذکر.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.