لا إيران ولا الأسد ولا روسيا مع «نقل السلطة»

“الحياة” اللندنية
23/1/2014
بقلم:عبدالوهاب بدرخان
عشية «جنيف 2» انکشفت تماماً وجوه الثلاثي، روسيا وإيران والنظام السوري. يريدون المؤتمر لتغيير أجندته، ولاستدراج المجتمع الدولي الی الرواية النافية وجود أزمة وصراع بين شعب سورية ونظامها، ولتوجيه الاهتمام الی معالجة «الواقع الارهابي» الذي ساهموا بقوة في زرعه وتخصيبه وجعلوه کابوساً ووبالاً علی المعارضة في مناطق سيطرتها. وعشية المؤتمر، بدأ يُسلّط أيضاً مزيد من الضوء علی الدور الاستخباراتي الايراني – العراقي – السوري في تصنيع «داعش»، کما ظهرت شهادات وصور جديدة تؤکد ارتکابات قوات النظام في المجازر وفي معسکرات الاعتقال.
الحقيقة التي انفضحت لها عنوان واضح: دمشق وطهران ضد حل سياسي وفقاً لبيان «جنيف 1». فماذا عن روسيا التي ثرثرت کثيراً وطويلاً في شأن هذا الحل، وطوّبت نفسها «عرّابة» له؟ الأرجح أنها ستتولّی بنفسها دفع أولوية «محاربة الارهاب»، التي دأبت منذ أسابيع التمهيد لها. أي أنها، هي أيضاً، غير معنية بـ «هيئة حکم انتقالي» لا يريدها النظام، ولا ايران. وهکذا، فالنتيجة العملية الملموسة للمؤتمر، قبل افتتاحه، أنه اضطر أطراف المثلث الجهنمي للاعتراف بأنها کانت تکذب طوال الوقت. فعدا روسيا، لطالما کرّرت ايران أنها تحبذ الحل السياسي، وذکّرت دائماً بأن لديها مشروعاً للحل، لکنها لم تستطع ترويجه في أي محفل دولي. والأکيد أن هذا المشروع لا يتماشی مع المزمع طرحه في جنيف، وإلا لکان سهّل دعوتها الی مؤتمر لا تطيق تصوّر عقده في غيابها، بل يستفزّها ألا يعترف المجتمع الدولي بأنها هي التي أبقت نظام الاسد علی قيد الوجود.
أما النظام الذي يشارک في المؤتمر بناءً علی «موافقته» علی «جنيف 1» فانبری رئيسه للقول إن دعوة الأمين العام للأمم المتحدة الی المؤتمر تنطوي علی «نکتة» اذ تشير «هيئة حکم انتقالي بصلاحيات کاملة». والواقع أن تحليل تصريحات بشار الأسد الأخيرة الی «فرانس برس» يستوجب الاستعانة بعلم النفس الاجتماعي – السياسي، علی خطی دارسي من سبق من ديکتاتوريين. فهذا حاکم يتحدّث عن «فوزه» الحتمي في انتخابات رئاسية مقبلة، کما لو أنها عنوان المستقبل، وليس لديه ما يقوله لنحو الثلثين ممن يُفترض أنه «شعبه» تسبب بمأساتهم قتلاً وتعذيباً، مجازر وتهجيراً ونزوحاً، تدميراً لبيوتهم وحرقاً لأرزاقهم ونهباً لممتلکاتهم. فهو مسؤول فقط عن بقاء سلطته وبقائه فيها، باعتباره مکسباً لسورية، فإذا خسرته تعمّ الفوضی في کل الشرق الأوسط. أما لماذا يرسل الأسد وفداً الی جنيف، فلأنه يتوقّع «نتائج واضحة تتعلّق بمکافحة الارهاب»، ويستبعد وزراء من المعارضة لأنهم «لا يجرؤون علی المجيء الی سورية». ولم يجرؤ الصحافي علی سؤاله: ممَّ يخشون؟ فالجواب هو «القتل» في طبيعة الحال.
کانت خيبة الأمل الصامتة مدوّية في دمشق بعد اعلان «الائتلاف» المعارض مشارکته في مؤتمر «جنيف 2»، ولم يُسمع صدی تلک الخيبة إلا في إعلام لبناني موالٍ للنظام السوري تبرّع بتفنيد الظروف التي أحاطت بالتصويت علی القرار، وحتی بتقريع «الائتلاف» لأنه خالف نظامه الأساسي الذي يحرّم التفاوض مع النظام. فحتی اللحظات الأخيرة، راهن النظام علی أن «الائتلاف» سيخلّصه من استحقاق يمقته اسمه «جنيف 2»، بل راهنت معه روسيا وإيران علی أن المعارضة ستخفق في اتخاذ قرار المشارکة وفي تشکيل وفدها الی المؤتمر. ولو فعلت لکانت أعفت الثلاثة معاً من أي التزامات، ولکانت الدول الداعمة للمعارضة هي التي تلقت الطعنة في الصميم.
لکن الاجتماع الثلاثي في موسکو استبق فشل تلک المراهنة بالانتقال الی تنقيح استراتيجية المبارزة في جنيف. فالمعلومات بعد لقاء باريس، أفادت بأن مجموعة الدول الـ 11 استطاعت إقناع قيادة «الائتلاف» بالمشارکة في «جنيف 2». وأوضحت التطوّرات لاحقاً أن ثلاثي موسکو توافق أولاً علی ضرورة تأمين مشارکة ايران، وثانياً علی الشروع فوراً في طرح مسألة الارهاب، وبالتالي علی التصدّي معاً وبقوة للبحث في «حکومة انتقالية». أي أن روسيا وإيران لا تزالان متمسّکتين بحل «يبقي النظام مع الاسد».
بالنسبة الی ايران، کان معروفاً أن المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي تحمّس دائماً لمشارکتها في «جنيف 2»، وهو أکد قبيل اجتماع موسکو أنه والأمين العام بان کي مون «يؤيدان» دعوتها وتساندهما روسيا. وأجری بان في الکويت، علی هامش مؤتمر الدول المانحة، لقاء طويلاً مع نائب وزير الخارجية الايراني حسين عبد اللهيان، کما التقی الوزير الاميرکي جون کيري.
وفي مؤتمره الصحافي، أشار بان الی أن «الدعوة» لا تزال تحت البحث، وبعد أربعة أيام اختار أسوأ اخراج ممکن لإعلان أن محادثات هاتفية بينه وبين الوزير الايراني محمد جواد ظريف أسفرت عن توجيه الدعوة الی طهران. کان إخراجاً سيئاً، أولاً لأن «الدعوة» جاءت بعد أربع وعشرين ساعة علی قرار المشارکة الذي اتخذه «الائتلاف» السوري المعارض بصعوبة بالغة، وثانياً لأن من غير المألوف أن يکتفي الأمين العام للأمم المتحدة بالتزامات شفوية في مسألة بهذه الحساسية، فإيران تتمنّع عن التزام بيان «جنيف 1» لأنها ببساطة غير موافقة عليه. بدا الأمر کما لو أن بان کي مون ضحية خدعة سياسية أو شريک فيها، اذ وقع في فخ الاحتيال الايراني، وتأثر بإلحاح موسکو والابراهيمي اللذين تذرّعا بضرورة توفير عناصر النجاح لمؤتمر «جنيف 2».
لا شک في أن سحب بان کي مون دعوته، شکّل صفعة قاسية لطهران التي تدقّق عادة في خطواتها، وإذا خسرت، فهي تکره أن تخسر علی هذا النحو. وبالنسبة الی ديبلوماسيتها الجديدة، في عهد حسن روحاني، تعدّ هذه الواقعة سقطة وتناقضاً مع الخط الواقعي الذي بلورته في المفاوضات النووية. ولا يعني ذلک سوی أن الملف السوري لا يزال يدار بعقلية «الحرس الثوري» والجناح المتشدد، ولم ينــل الاصلاحيــون تفـــويــضاً لإدارته ببراغماتيتهم، فکان أنهم استـــهانوا بالشروط التي فرضتها الولايات المتحدة علی دعوتهم، ثم أنهم قللوا من شأن ردّ فعل «الائتلاف» کطرف يمکنه نسف المؤتمر. أما «الندم» الذي توعّد به ظريف، فلن يثبت سوی أن أي دور ايراني «ايجابي» لم يکن سوی خدعة اخری.
وبالنسبة الی المعارضة، کان قرار المشارکة صعباً لکنه عقلاني. ما ساعد علی اتخاذه، تطوّر معاکس للتوقعات، اذ صدرت بيانات من مجالس عسکرية عدّة في الداخل تفوّض «الائتلاف» وتمنحه غطاء لإرسال وفد الی جنيف، مع شروط ثلاثة: رحيل بشار الأسد، ورحيل أعوانه، وتشکيل هيئة انتقالية وفقاً لبيان «جنيف 1»… کانت المعارضة الأشد للمشارکة متوقعة من الداخل، لکن مسارعة عدد من المبعوثين والسفراء الی الاجتماع بالقادة العسکريين للفصائل الرئيسة توصلت الی تغليب المرونة، ما أحدث توازناً مع الانشقاق الحاصل في صفوف معارضي الخارج. وقد اضطر «الائتلاف» الی تجاوز المنشقّين واتخاذ قراره بناءً علی اعتبارات المصلحة الوطنية. لم يکن في إمکانه أن يصفع الدول والحکومات التي ناوأت نظام الاسد حتی لو کانت لديه مرارة من خذلانها. ولم تکن هناک أي حکمة في اهدار فرصة الحضور في «جنيف 2» کطرف مدافع عن شعبه ضد نظام صار بدوره «طرفاً» لحظة دخوله قاعة المؤتمر.
والآن، فيما يتهيّأ «الائتلاف» للتفاوض، کيف سيکون موقف المعارضات الأخری علی أنواعها، هل تری نجاحه خسارة لها أم تعتبر فشله «فرصة» لها؟ الأکيد أنها مدعوة الی تغيير اسلوبها والی عدم التسبب بإفشاله خدمةً للنظام. الأکيد أيضاً أن «الائتلاف» مُطالَب، بموازاة التفاوض في جنيف، بأن يطلق حملة تواصل وتشاور وتنسيق مع أطراف المعارضة کافة لمعالجة المآخذ والاعتراضات. فالذهاب الی جنيف ليس نهاية المطاف بل بدايته.







