نزهة في جنيف .. مع «ولد الشيخ»
الحياة اللندنية
8/6/2015
«الحل السلمي الوحيد في اليمن هو الحل العسکري»، هذه العبارة لا تحمل تناقضاً بقدر ما تحمل توصيفاً دقيقاً للمشهد اليمني، هذا التوصيف يحمل المرار للشعب اليمني، الذي يمر بأزمة إنسانية خانقة، ولکن لم يترک أنصار صالح ونجله وکذلک الحوثيون أي خيارات أخری للشعب اليمني أو للتحالف، سوی الحرب سبيلاً إلی سلم اليمن والمنطقة.
الحوثيون، منذ أن قرروا السيطرة علی عمران ومناطق شمالية عدة، وصولاً إلی احتلال صنعاء في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي، کان تحرکهم يملک دلالة أن منظورهم إلی بقية اليمنيين بأنهم لا يستحقون المشارکة في الحکم، وأن الحکم برئاسة الرئيس عبدربه منصور هادي متهالک؛ لدرجة أن السيطرة علی البلد أسهل من أن تترک، وأن الطرف الوحيد الذي يجب أن يتحالفوا معه، هو عدو الأمس علي عبدالله صالح.
وفي وسط دعوات من مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلی اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد إلی حوار بين اليمنيين في جنيف، وتأکيده مرات عدة أنه لا يوجد سوی حل سياسي في اليمن، وقد أکد في بداية توليه المهمة أن الحل السياسي يجب أن يکون وفقاً للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني، يجب أن يتذکر أولاً أن الهدنة التي اقترحها والتزمت بها قوات التحالف، کانت تُخرق من الحوثيين وميليشيا صالح، بل اعتبروها فرصة لنقل إمدادات لمقاتليهم وفرصة لنهم المحروقات والمساعدات الإنسانية.
إذنْ، قبل الذهاب إلی جنيف يجب النظر إلی أمرين، الأول: هو أن الحوثيين بانقضاضهم علی صنعاء ومحاصرة الرئيس ورئيس الوزراء والحکومة کاملة، إنما کان انقضاضاً علی الدولة، وهو ما يعني بالنتيجة الانقضاض علی المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني؛ لأن المبادرة الخليجية التي أيدها ودعمها مجلس الأمن هي التي أمَّنت انتقال الحکم من الرئيس علي عبدالله صالح إلی الرئيس عبدربه منصور هادي، ومن ثم انتقل اليمنيون إلی الحوار الوطني، ومنه إلی اختيار دستور جديد لليمن.
وللتذکير فإن الحوثيين اختطفوا مدير مکتب رئيس الجمهورية الدکتور أحمد عوض بن مبارک، بدعوی خشيتهم من أن يُمرر دستوراً يقسم البلد إلی ستة أقاليم، هذا علی رغم أنهم کانوا يحتلون صنعاء حينها، وکان عبدالملک الحوثي بإصبعه الشهير يشرعن للخطف بأنه حماية لليمن من التقسيم، وابن مبارک کان مرشح هادي قبل بحاح، ولکن إيران أعطت فيتو علی توليه المنصب؛ لأنه تلقی تعليمه الجامعي في بغداد والتحق بحزب البعث آنذاک، والعيش بأحقاد الماضي صفة ثابتة في الإيرانيين وعملائهم.
إذنْ، الحوثيون أثبتوا دوماً أنهم ينکثون بکل وعد، وليس فقط المبادرة الخليجية أو مخرجات الحوار الوطني، فقد نکثوا أيضاً بمبادرة السلم والشراکة التي وقَّعوها بقوة السلاح بعد دخول صنعاء، بل إنهم لم يلتزموا يوماً بالملحق الأمني للاتفاق الذي نص علی خروج مقاتليهم من المدن اليمنية وتسليم السلاح الذي استولوا عليه من الدولة.
الأمر الثاني الذي يجب أن يدرکه ولد الشيخ إن کان يسعی إلی حل للأزمة اليمنية، وأن دعوة الفرقاء اليمنيين ليست إلی نزهة في جنيف، أن أحد الأسباب المهمة لعدم جدية صالح والحوثيين في السعي إلی حل سياسي، هو مجلس الأمن نفسه والمبعوث الأممي السابق جمال بن عمر، فکانت إدارة الأزمة دوماً منحازة إلی الحوثيين «الطرف الأقوی تسليحاً» آنذاک، وما زال مجلس الأمن يتعامل بالطريقة نفسها مع تغير الموازين.
بل إن مجلس الأمن جعل هيبة قراراته في الوحل، إذ أصدر القرار 2201 في شباط (فبراير) الماضي، إذ طالب القرار مسلحي الحوثيين بالانسحاب من العاصمة مطالباً بإطلاق سراح المختطفين لدی الجماعة. وأعرب عن استياء المجلس مما سمَّاه سيطرة الحوثيين علی السلطة وطالب بالانسحاب من المؤسسات والإفراج عن الرئيس المستقيل والحکومة. ويدين قرار مجلس الأمن الحوثيين ويطالبهم بالتراجع عن الإجراءات الأحادية بلا شروط، وبالطبع تجاهل الحوثيون وصالح هذا القرار، ولم يملک مجلس الأمن في نهاية الأمر القدرة علی تنفيذه، أو علی الأقل الجدية في إرغام الحوثيين علی ذلک.
اليوم، يدعو ولد الشيخ إلی حوار، والحوثيون لم يلتزموا بحرف واحد من القرار 2216، والذي أکد مجدداً وجوب سحب قواتهم من صنعاء، ووضع شخصيات علی قائمة المنع من السفر، بل إن القرار دعا جميع الأطراف اليمنية إلی الرد بالإيجاب علی طلب رئيس اليمن حضور مؤتمر يعقد في الرياض برعاية مجلس التعاون الخليجي، وعلی رغم أن القرار تبناه المجلس تحت البند السابع، إلا أن القرار ظل حبراً علی ورق.
إذنْ، اختار صالح والحوثيون أن تکون الحرب السبيل الوحيد علی حل سياسي في اليمن؛ لأنهم سيستمرون في المعرکة حتی آخر رصاصة، وبعدها فقط سيذهبون مکرهين إلی الحوار إن کانوا طرفاً للحوار حينها، وما تحرُّک الحرس الجمهوري نحو الحدود السعودية ومحاولة مهاجمة نجران للمرة الأولی من قوات صالح، وإطلاق صاروخ سکود من صعده، إلا دليل علی تراکم الهزائم منذ بدء «عاصفة الحزم»، ومحاولة الانتقام من السعودية قائدة التحالف العربي؛ لأنها تصدت لمشروع إقليمي کبير کان وکيلاه في اليمن «الحوثي وصالح» علی مشارف اقتسام الغنيمة.







