مقالات

هيغل هارب من فبرکة أوباما للأوهام!

الشرق الاوسط
29/11/2014

بقلم: راجح الخوري

لم يکن في حساب السيناتور الجمهوري تشاک هيغل أنه سيکون ضحية الرئيس الديمقراطي باراک أوباما مرتين؛ المرة الأولی عندما عيّنه وزيرا للدفاع علی خلفية رغبته في وضع استراتيجية لانسحاب أميرکا من التدخل الخارجي، والمرة الثانية عندما أقاله علی خلفية تتصل بعدم وجود استراتيجية معاکسة باتت تفرض التدخل الخارجي وخصوصا في العراق وسوريا!
عندما اختير هيغل المحارب السابق في فيتنام، وزيرا للدفاع في حکومة ديمقراطية بدا صوتا مغرّدا خارج السرب الجمهوري، فهو يماشي أوباما في معارضة سياسة الانزلاق إلی الحروب الخارجية ويبدي حساسية ضد إسرائيل وتعاطفا مع القضية الفلسطينية، ولأن أوباما دخل إلی البيت الأبيض رافعا شعار «التغيير» بعد حروب جورج بوش، وداعيا إلی الانسحاب من أفغانستان والعراق، وجد أن من الأفضل أن ينفّذ هذا الانعطاف مع وزير دفاع من حزب بوش الجمهوري، وهکذا تم إقرار تعيين هيغل لکن بعد نقاشات حامية في الکونغرس.
فور إعلان أوباما ترشيح هيغل تلقی طلبا وقّعه 15 من زملاء هيغل الجمهوريين في الکونغرس، يرفضون الترشيح علی خلفية أن لهيغل تحولات لا تعد ولا تحصی في مسائل تتعلق بالأمن القومي، کما أورد الطلب في هذا إشارة إلی مواقفه المعارضة لإسرائيل والمؤيدة للتفاوض مع الإيرانيين، ولأن أوباما کان يريد ممارسة ضغط معنوي علی بنيامين نتنياهو الذي أفشل التسوية السلمية ويجهض مبدأ إقامة الدولتين، أصرّ أکثر علی تعيينه.
تعمّد أوباما الرد علی ذلک بالقول: «إن هيغل هو القائد الذي تستحقه قواتنا، إنه أميرکي وطني وبطل حرب يحمل ميداليتين للشجاعة من فيتنام وإن تعيينه وزيرا للدفاع أمر تاريخي»، هکذا بالحرف لنصل بعد أقل من سنتين علی هذا الکلام إلی انقلاب المواقف رأسا علی عقب، فتتحوّل «استقالة» هيغل أمرا تاريخيا، يشکّل دائما مؤشرا علی الخواء الاستراتيجي الذي يطبع سياسة أوباما الخارجية في دورتين رئاسيتين.
ولکن هل استقال هيغل أو أُقيل بعد تصاعد الخلافات بينه وبين طاقم أوباما وجماعة الأمن القومي الذين تديرهم سوزان رايس المشتبکة ضمنا مع هيغل وکذلک مع جون کيري لأنها «أقرب إلی أذن الرئيس»، هي ومدير موظفي البيت الأبيض دنيس ماکدونو، الذي قال قبل عامين، إن القتال في سوريا بين «القاعدة» و«حزب الله» سيشغل إيران ويضعف نظام الأسد وهذا لا يتعارض مع المصالح الأميرکية!
الواقع أن أوباما يبحث عن ضحية يلقي عليها مسؤولية الخواء الاستراتيجي الضارب في سياسته حيال سوريا والعراق، وربما يکون هيغل قد «استقيل» أي دفع إلی الاستقالة دفعا، لکن مهما کان سبب خروجه، فإن ذلک لن يمنع القول: إن أوباما جاء به کضحية وکان الجمهوري الوحيد في الحکومة، وأخرجه کضحية للتغطية علی أخطائه في سوريا والعراق، وما آلت إليه الأوضاع من انفجار مشکلة الإرهابيين و«داعش»!
في خضم الصخب الذي نتج عن تراجع أوباما عن تنفيذ تهديده بتوجيه ضربة إلی النظام السوري بعد جريمة استعمال السلاح الکيماوي في الغوطتين، قال جون کيري في إطار تعليقه علی هذا الموضوع، إنه «لا يجوز للسياسة الخارجية الأميرکية أن تنتقل من التدخل المفرط إلی الإفراط في الانکفاء»، جاء ذلک مباشرة بعد صدور کتاب هيلاري کلينتون «خيارات صعبة»، الذي وجّه اتهامات قاسية جدا إلی أوباما، بالقول: إن سياسة التعامي التي يتّبعها حيال المذابح التي ينفذها النظام في سوريا، خلقت فراغا ملأه الإرهابيون والمتطرفون، ثم صدر کتاب وزير الدفاع السابق ليون بانيتا «حروب تستحق المجازفة» ليوجّه اتهامات مشابهة إلی أوباما، وصلت إلی حد القول: إن تردده في اتخاذ القرارات الملائمة لوقف المذابح هو الذي تسبب في ظهور «داعش».
تزامن هذا مع توسّع سيطرة «داعش»، الذي بدأ استعراضات الذبح الهمجي بالصحافي الأميرکي جيمس فولي. کان هيغل يغرق في حال من الامتعاض والصمت حيال إصرار الرئيس الأميرکي علی سياسة التعامي والاسترخاء، وهو ما بدا واضحا حتی بعد تشکيل «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، الذي ضم 40 دولة، ولم يتمکن حتی الآن من أن يدحر الإرهابيين الذين يقاتلون من الموصل إلی حلب مرورا بکوباني والرقة والحسکة ودير الزور.
بداية هذا الشهر نشرت صحيفة «نيويورک تايمز» تقريرا يقول: إن هيغل وجّه مذکرة إلی مستشارة الأمن القومي انتقد فيها الاستراتيجية الأميرکية في سوريا داعيا البيت الأبيض إلی توضيح موقفه من نظام الأسد، تبيّن أن مسؤولين في البنتاغون تعمدوا تسريبها ليبدو واضحا أن هيغل لم يعد يحتمل کوزير للدفاع انعکاس طوفان الانتقادات الموجهة إلی غياب الاستراتيجية الأميرکية، في حين أن المسؤولية واقعة علی الرئيس والمطبخ السياسي في البيت الأبيض.
لم يتردد هيغل في توجيه لوم ضمني إلی أوباما عندما قال في مؤتمر صحافي إن التحالف الدولي يقصف «داعش» في العراق وسوريا ويتجنب توجيه الضربات إلی قوات النظام السوري، وهذا يعني أن الأسد يستفيد من الغارات الجوية وأن السياسة الأميرکية معرّضة للفشل بسبب هذا الالتباس الذي يحيط بموقفنا من الأسد!
جاء موقف هيغل وسط طوفان من الانتقادات الشديدة التي وجهها عدد من البرلمانيين والعسکريين والخبراء إلی أوباما واتهموه بتحسين موقف الأسد، لکن قول هيغل «علينا أن نقدم للرئيس أفضل ما نفکر به في هذا الشأن، ويجب أن يتّسم الأمر بالنزاهة والصدق»، بدا کأنه إشارة إلی عدم اتّسام سياسة أوباما بالنزاهة والصدق!
هيغل ليس المسؤول الأول وربما لن يکون الأخير الذي يقفز من شرنقة البيت الأبيض، قبله استقال روبرت فورد سفير واشنطن في دمشق اعتراضا علی سياسة أوباما في سوريا، وکذلک فعل مستشار أوباما في الملف السوري فريدريک هوف، ولم يتوان روبرت غيبس عن توجيه انتقادات أشد قسوة، لکن کل هذا يمکن اختصاره بکلمتين، فقد وصف أنطوني کوردسمان المستشار السابق في البنتاغون سياسة واشنطن في العراق وسوريا بأنها «فوضی استراتيجية»!
قالت «واشنطن بوست» إن أوباما أقال هيغل لأنه «ليس رجل المرحلة»، ولکن أي مرحلة وهل هناک من مراحل في سياسة الضباب… المفکر الأميرکي جون تشاينبک کان مبدعا عندما قال قبل نصف قرن: «عندما أنظر إلی مداخن البيت الأبيض أحسب أنه فبرکة کبيرة للأوهام»، أوباما جعل منه فبرکة معاصرة لهذه الأوهام وتشاک (هاشل) أي هارب منها!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.