أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة الرابعة عشرة)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي
إن نهج وأسلوب الإرهاب في القتل والتعرض للقتل حسب رؤية المتطرفين المقنعين بقناع الإسلام يبرر بذات الذريعة التي تسوغ ضرورة إقامة «الحکم الإسلامي»، أي تلک الدعامتين والرکنين الرئيسيين لنظرية «ولاية الفقيه» الخمينية» التي بحثناها في الحلقة الأولی من سلسلة المباحث والمقالات هذه. وتلک الدعامتنان أو الرکنان علی ما يأتي:
أ‌. أحکام الفقه (هي نفس أحکام الشريعة) وهي ملزمة بالتنفيذ من الناحية الدينية.
ب‌. ضمان تطبيق هذه الأحکام مناط بالسلطة (نظام الحکم).
حاليًا وفي هذه الحلقة يأتي دور بحث الرکنين ودراستهما بتعمق وتتبع أکثر لنکشف سبب کون التطرف المتستر بغطاء الإسلام يعتبر تکفير المسلمين مبدأً من مبادئه وحتی شعارها الرئيس إلی حد أصبح فيه بعض الجماعات المتطرفة الإرهابية تطلق علی نفسها رسميًا وعلنًا «جماعة التکفير» وتوصف هذه الجماعات بشکل عام وباسم مشترک لهم بـ «التکفيريين» إضافة إلی أسماء کل منهم علی حدة.



تکفير وقتل المسلمين جماعيًا
هذا الجزء من الموضوع والذي يتابع موقف المتطرفين من المسلمين الآخرين والذي أشرنا إليه في الجزء الماضي علی المحور الثالث من المقولات المرتبطة بـ «التطرف الإسلامي»، يتم افتتاحه بسؤال: من أين وعلی أي دليل يعتبر المتطرفون «الأحکام الفقهية» أو «الشريعة» أو «الأحکام الشرعية» بأنها «واجب التنفيذ» ومن هذا المنطلق يعتبرون «إقرار نظام الحکم الإسلامي» تحت عنوان «الخلافة» أو «ولاية الفقيه» أمرًا ضروريًا وواجبًا؟ ثم ولتحقيق هذا «الحکم» يجرون المجتمع إلی هکذا حروب وعمليات «الإرهاب» الإجرامية القاسية ليروح ضحيتها الجميع سواء من المسلم أو غير المسلم علی حد سواء؟
إن الرد المجمل وبحرف واحد هو أن هذا التوجه اللاإسلامي وبل المعادي للإسلام يعتبر المسلمين الآخرين (غير المتطرفين) سواء من الشيعة أو السنة «کفارًا» حتی أسوأ من الملاحدة أو المتدينين غير المسلمين بحيث لا يمکن تحملهم بالنسبة لهم إطلاقًا.
فعلی سبيل المثال، کتب السيد قطب في کتاب تفسيره الشهير للقرآن الکريم بعنوان «في ظلال القرآن» عند تفسير قوله سبحانه وتعالی: «… وَمَن لَّمْ يَحْکُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ» يقول: «وبهذا التعميم الذي تحمله من الشرطية وجملة الجواب بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمکان وينطلق حکما عاما علی کل من لم يحکم بما أنزل الله في أي جيل و من أي قبيل… ومن يحکم بغير ما أنزل الله يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب و يدعي لنفسه هو حق الألوهية و خصائصها في جانب آخر وماذا يکون الکفر إن لم يکن هو هذا و ذاک…». وحسب هذا التفسير فإن وضع وتشريع وتنفيذ وتطبيق القوانين المسنونة من قبل أبناء البشر ليس سوی کفر ومرتکبوه ليسوا إلا کفارًا.
وبمنأی عن دراسة ما کتبه السيد قطب بأنه ما کان مقصوده النهائي من هذا التفسير للآية المذکورة؟ فإن ما يخص بموضوعنا هو أنه وفي شريعة التطرف هناک عنوان مستقل في قائمة صنوف الکفار وهو «کفر التشريع» أو «الکفر بتحکيم القوانين». فعلی سبيل المثال قالوا في إيضاح هذا العنوان: «أما تشريع القوانين بمعزل عن قوانين الله تبديل أحکام الله وإلزام المجتمع بتنفيذ القوانين الموضوعة، فهو يعتبر کفرًا في جوهره». فطبقًا لهذا الانطباع والقراءة للآيات القرآنية إن الاعتراف بمواد وبنود «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» وتنفيذها يکون کفرًا من تلقاء نفسه بغض النظر عن کونه إنسانيًا وخيرًا ولکنه تشريع بشري يستلزم تبديل وإلغاء ما يسميه التطرف بـ «أحکام الله» أو «الشريعة».
ومن الجدير بالذکر أن هذا التکفير للناس والمسلمين لا يمت بأية صلة لمذهب التسنن ولا لمذهب التشيع لدی هؤلاء المتطرفين حيث لا يختلف المتطرفون السنة والمتطرفون الشيعة بهذا الصدد وکلهم يعتبرون أنه إذا اعتنق مسلم مثل هذا «الکفر» بإيمانه بالقانون البشري، فإن الصمت حياله وتحمله أصعب من الصمت حيال الکفار الآخرين لأنه يعتبر «مرتدًا» ومرتکبًا لجريمة «الارتداد» فيجب ملاحقته وهو محکوم عليه بالإعدام بإجماع تام للمتطرفين وإلغاء عقد زواجه وحقه في تملک جميع أمواله.
فهکذا تکفر التيارات والکيانات المتطرفة الإرهابية ليس فقط جميع الحکومات في الدول الإسلامية (باستثناء حکام إيران وطالبان في أفغانستان)، وإنما جميع المسلمين الديمقراطيين الملتزمين بالمواثيق الدولية. کما إن تلک الکيانات تعتبر جميع المنجزات الحقوقية والقانونية البشرية کفرًا وحصيلة «الارتداد»، ولا تأتي اختلافاتهم في البيانات والتعابير والدعايات والإعلام إلا لأسباب ومصالح آنية وتعبوية لهم.



الاضطراب والفوضی في شريعة التکفير
إن نظرية «ولاية الفقيه» ليست فقط بدعة في تاريخ الشيعة ووليد الأزمات والأمراض الاجتماعية والتاريخية وکذلک تأرجحاتها تابعة لمتغيرات تلک الأمراض، وإّنما «شريعة التکفير» أيضًا وبشکل عام سواء من الشيعية أم السنية بدعة منبثقة وناجمة عن الأزمات وشهدت وستظل تشهد تأرجحاتها وتذبذباتها الخاصة لها، بفارق أنه وعلی أرض الواقع اليوم أصبح هؤلاء «التکفيريون» بشکل مادي وملموس وفعلاً محميين من قبل «ولاية الفقيه» الإيرانية وصاروا أداة طيعة بيد النظام الإيراني لتأمين مصالحه وتحقيق أطماعه التوسعية.
إن بحث هذا الارتباط او العلاقة سنصل اليها في سلسلة البحوث القادمة لکن بما يتناسب ومناقشة موضوع شريعة التکفير في هذا الجزء من الضروري ان نکمل بان اصل النظرية هذه مضطربة ومصابة بالفوضی الجادة المستعصية ذاتها التي أصيب بها توأمها «ولاية الفقيه» في إيران بنفس القدر. وخلاصة القول إن ما يذکره الطرفان المذکوران من «الأحکام الإلهية» لا صلة له بشکل يذکر بـ «الله».
وفي الحقيقة کل شخص عليم يعرف أن أحکام «الفقه» و«الشريعة» الموجودة التي تذکر بعنوان «أحکام الله» ليست إلا من صنع البشر ومن سنّ وتشريع مشرعين من أبناء البشر. أو بالأحری ليست إلا نتيجة اجتهاد واستنباط العلماء والمختصين واستخلاصهم واستنتاجهم من کتاب الله (القرآن) والسنة النبوية الشريفة. ونص هذه السنة قد روي عنها مباشرة في معظم الحالات حتی وبعد عدة أجيال تم إدراجها في مختلف کتب الحديث. وهذا بمعزل عما تم تزويره واختلاقه وافتري علی النبي (ص).
ولهذا السبب يؤکد جميع العلماء والمختصين أن هذا الاستنباط أو الاجتهاد قد يکون خاطئًا أو صائبًا ولذلک إن إسناد هذه الاستنباطات إلی الله سبحانه وتعالی ليس سوی إسناد مجازي أي في الحقيقة أنها تم الرکون إليها واعتبرت صائبة نظرًا للمنهج والمذهب الفقهي المرکون إليه في هذا المذهب أو ذاک أي أنها تابعة لصواب النهج الاجتهادي الذي يتعرض لخلافات عميقة وواسعة أحيانًا في مختلف المذاهب وکذلک لدی علماء وفقهاء مذهب محدد.



افتراءات مفضوحة
فعلی ذلک يجب علی المتطرفين والمؤمنين بهذه المجموعة من «الأحکام الإلهية» حسب تعبيرهم والتي ليست سوی مکتوبات بشرية أن يجيبوا علی أنه لو کان من المقرر أن لا يأتي الاجتهاد بأمور حديثة لمعالجة المستحدثات والمستجدات فکيف کان جميع الخلفاء الراشدين وأئمة مختلف المذاهب الإسلامية کانوا يقررون أحکامًا وقوانين جديدة وينفذونها ويطبقونها لم ترد في القرآن أو في السنة النبوية الشريفة. وکم من هذا الاستحداثات من قبل الخليفة أو الإمام المختص کانت تواجه اعتراضات من قبل الآخرين من الصحابة أو أئمة المذاهب وکانوا ينقلون الخلافات في وجهات النظر إلی الأجيال اللاحقة لتسجل في الکتب المعنية.
في الحقيقة أن معظم هذا الکم الهائل من المسائل الفقهية و«أحکام الشريعة» التي تم تدوينها وسنّها وصياغتها طيلة العصور الطويلة الماضية ليس إلا حصيلة العقول الإنسانية وأذهان وأفکار أبناء البشر وتم استنباطها واجتهادها من النصوص الإسلامية الرئيسة الصغيرة أو القصيرة وبنهج منطقي وعقلاني ليس بقدر من الإتقان والرصانة يمنع من خلافاتهم العميقة مع الفقهاء. حاليًا، إذا کان العقل البشري أو بتعبير ونهج فقهاء السنة «العقل في القياس» يسمح للخلفاء أو الفقهاء من القدامی والجدد بأن يصدروا فتاوی جديدة فکيف يمکن تقييم وتفسير کل هذا الاعتراض والتکفير وفتاوی القتل ضد مشرعي الأحکام الموضوعة البشرية؟ أليست المصالح والنزعات النفعية أو الانتماءات والتوجهات الرجعية هي التي جرت المتزمتين المتطرفين إلی هذه الأمور والمناهج والأساليب الفاسدة واللئيمة والشريرة؟
ولکن في واقع عالم الفکر الديني هناک العديد من المفکرين المسلمين الشهيرين يعتقدون ويعلنون ويؤکدون أن هذه القوانين والتشريعات والقرارات «الموضوعة البشرية» الدولية ومنها علی سبيل المثال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو المواثيق والاتفاقيات الدولية الأخری هي مجموعة مبادئ وقيم تنطبق مع حقيقة الإسلام وروحه وجوهره بشکل لا ينکر، وهم يستندون إلی العديد من نصوص القرآن والسنة النبوية لإثبات هذا الانطباق وهو استنادات يماثل ويساوي من الناحية الفنية في الاجتهاد والاستنباط ما يقوم به الفقهاء حول مسائل شرعية مثل النجاسة والطهارة وبقية القضايا والموضوعات الفقهية المألوفة وبل أحيانًا أقوی من اجتهاداتهم في الموضوعات المذکورة.
نعم، إن اختلاق عنوان «الأحکام الإلهية» وإلصاقه لحفنة من حصيلة أعمال العقول البشرية للفقهاء مع کل الجهود والمساعي التي بذلت وتبذل لإخفاء الأمر لم ولن ينطليا أبدًا المسلمين الواعين البصيرين. إن هذه الدعاوی کانت ولا تزال منذ بدايات العهد الإسلامي وحتی الآن وإلی الأبد ليست إلا دفاعًا عن مصالح آنية ونفعية محددة في خدعة وافتراءات حذر منها بدورهم کبار الجيل الإسلامي الأول ومنهم الإمام علي بن أبي طالب (ع) مرارًا وتکرارًا وکشفوا طبيعتها الباطلة.
وفي هذا المجال ينبغي المعرفة بأن «تکفير المسلمين» لا يقتصر علی المتطرفين المسمين أو المعروفين بـ «التکفيريين» وفي هذا المجال سنری أن خميني ارتکب جرائمه علی أشکال معقدة للغاية وسندرس هذا الموضوع في الحلقات القادمة إن شاء الله.
(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى