المالکي.. لا يريد الرحيل وإيران لن تتخلی عنه

مرکز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
28/7/2015
تلقی نوري المالکي نائب الرئيس العراقي الاتفاق النووي الإيراني بخطوات عملية، تعزز مکانته لدی الحليف الإيراني عبر الدعوة لتشکيل مشروع إقليمي يؤسس لدول طائفية، لتقوية الجغرافية الشيعية في الفضاء العربي المشرقي، الذي يحتل الشيعة فيه مساحة ضيقة، بما يسمح بکسر الامتداد السني الذي يحيط بإيران في اجزائها الشمالية والشرقية والجنوبية، فالکتلة الشيعية الاثقل في العراق وإيران ما هي في واقع الحال الا اقلية محدودة النطاق، في تکتل سني واسع. وبالتالي فان خطواته انما تستند مباشرة علی أيديولوجية طهران المتطرفة، وتتناغم مع اهدافها في التسيد الاقليمي، ووکلائها المدججين بالسلاح، وصولا لإلحاق المنطقة بحکم الولي الفقيه.
ومثل هذه الخطوات ليست مفاجئة، ففي 26/7/2015 هبطت في احدی المطارات الايرانية، طائرة تقل المالکي، في زيارة سرية لم يعلن عنها، للتأکيد علی مواقف حزبه وکتلته الداعمة لإيران، استناداً إلی التداعيات الاقليمية والدولية للاتفاق النووي، ما يستلزم سياسة نشطة تتماهی مع دور طهران الاقليمي المرتقب. وبالتعاضد مع حرکية الميليشيات التي عمل المالکي علی تقويتها في العام 2010، ابان الانتخابات النيابية آنذاک، لتشهد سياساته تحوّلا نحو إيران والحصول علی مساعدتها، في إعادة انتخابه، وتشکيله تحالف مستمر معها.
ولعل ما يريده المالکي في حلبة التنافس الحزبي والسياسي، هو الحصول علی تعهد إيراني، يمکنه من العودة إلی رأس السلطة في العراق. ويريد ايضا إقامة جبهة عريضة تضم تيارات وقوی متعددة سنية، تعلن الولاء للمرشد الايراني وتتعاطی مع سياساته، وان کان علی حساب ناخبيها وبالضد من مصالحهم.
المالکي رجل الطائفية الذي دفع البلاد إلی هاوية الصدام المذهبي، شن قبل ايام هجوما عنيفا علی السعودية، معتبرا إياها مهدا للإرهاب والتطرف، وداعيا لوضعها تحت الوصاية الدولية، ويفهم من تحريضه هذا سعي لتشکيل غرفة عمليات علی خط المواجهة مع الدول العربية عموما والخليجية علی وجه الخصوص، ادراکا منه لاهمية الاتفاق النووي علی المکانة الاقليمية الإيرانية.
وأيّاً کانت الظروف السياسية في العراق، فان المالکي اسهم بشکل کبير في تصدع النسيج الداخلي، واوجد النسخة الأحدث والأکثر شراسة لميليشيات طائفية لا تختلف في نهجها ووحشيتها عن “داعش” وجرائمه. فالمنطق القائم علی التنافس حول “احقية من يحکم”، تأسس علی الغاء الآخر، وتبرير ما يرتکب من اعمال وحشية ضده، معبرا عن انتقائية تؤمن بـ”نظرية المؤامرة” التي تهدف إلی إسقاط التجربة الشيعية في العراق بقيادة أطراف سنية.
وبالتالي فانه ينظر إلی استهداف الشيعة بانه ثابت يمارسه الآخر، لتکون الحدود بينهما علی درجة من الصلابة، ما يعني البقاء في دائرة العداء والمواجهة، والابقاء علی هذا التجاذب يشي بإعادة إنتاج الصراع، وهو ما يعززه المالکي ويروج له.
خيار التمسک بالابوية الخلاصية لإيران، والذي ابداه المالکي يؤکد علی محدودية مساحة التفاعل مع الآخر، والتسليم بخوض الصراع إلی منتهاه وان کان صعبا ومکلفا، دافعا نحو الالتصاق بالجماعة ايا کانت طائفية او اثنية دون المجتمع الواحد الجامع.
وما زيارة المالکي السرية هذه، الا للتأکيد علی سعيه لجعل الاقليم تحت وصاية مباشرة من طهران، بما يسمح لها بتعطل الحکم في دوله، والاستيلاء عليها بالعنف والترهيب، والسيطرة عليه باسم الحفاظ علی الأمن. وتکرارا لتجربة ميليشيات “حزب الله” اللبناني. وهو الذي منح سطوة خاصة لدولة الولي الفقيه في العراق، منها دعمه لها في مواجهة ثقل العقوبات علی البرنامج النووي، وإعلاء شأن ميليشيات مسلحة لا تخفي ولاءها إيران، واسناد نظام بشار الأسد والسماح لإرساليات الأسلحة والتجهيزات والإمداد البشري والمالي لکي تمر عبر العراق، فضلا عن تشجع دخول المليشيات الطائفية إلی الأراضي السورية للمشارکة في القتال إلی جانب قوات الأسد.
ويکشف تصريح اللواء يحيی رحيم صفوي، المستشار العسکري للمرشد الإيراني الأعلی علي خامنئي، من أن “رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالکي تنحی بتوصية من خامنئي وذلک للحفاظ علی المصالح الشيعية” علی حد قوله، عن مدی التزام الاخير بولاية الفقيه، وما قدمه من خدمات في توسيع النفوذ الإيراني في العراق. وفي ذات السياق، اکد المالکي في تأبين مقتل مؤسس سرايا “الخراساني”، الجنرال الإيراني حميد تقوي، بالقول “إن معرکتنا واحدة وليست متفرقة ومحورها العراق وإيران وسوريا والبحرين ولبنان، لقد وحدونا وإن اختلفنا في بعض الأمور”.
وبخط متوازي فان المالکي في زيارته ابدی تعهدا في دعم الاستراتيجية الايرانية العليا لإيران، ومؤکدا علی استمرار نهجه المناوئ لمملکة البحرين في تصديها للمؤامرة الإيرانية وأعمال الفتنة الطائفية، ملتزما بالتدخل الفج في الشؤون البحرينية من قبل مکونات “التحالف الوطني”، وتقديم العون والاسناد للمعارضة البحرينية، وتجنيد الفضائيات الطائفية العراقية لحملة إسناد متواصلة لدعم الشيعة هناک.
وليس بمقدور المالکي الا الظهور بالمظهر الطائفي، وهو القائل بانه شيعي قبل أن يکون عراقيا، وبالتالي فان عودته إلی سدة الحکم، تتطلب اسنادا إيرانيا يظهره بوصفه القائد السياسي “للحشد الشعبي”. ويبدو ان ثمة التباس مقصود تتبعه إيران حول قيادة هذه الميليشيات، لتغدو المسألة الأکثر اثارة للجدل، يراد منها توزيع الادوار بين قيادات سياسية وعسکرية تدين بالولاء لطهران، منها هادي العامري قائد “منظمة بدر”، وأبو مهدي المهندس، قائد کتائب “حزب الله” الذي تصنّفه الولايات المتحدة والکويت علی لائحة الإرهاب، والذي اتّخذه المالکي مستشاراً له في ولايته الثانية، يتولّی الآن القيادة العسکرية لقوات الحشد. وقيس الخزعلي الامين العام لـميليشيات “عصائب اهل الحق” الذي تم تبنيه من قبل “فيلق القدس الايراني” وتلقی منه دعما ماديا ولوجستيا، وفالح الفياض مستشار الأمن القومي و”نائب رئيس” الحشد، المقرب من ابراهيم الجعفري.
استقراء هذه الزيارة لا يخرج عن اطار التنسيق وابداء الاستعداد لمزيد من التعاون، بين اذرع إيران وميليشياتها في المنطقة، في وقت يتعرض فيه حلفاء طهران لسلسلة من الخسائر في سوريا واليمن، ما يتطلب هجوما مضادا، إذ تتمحور المساومة الابتزازية الإيرانية بين وقف العرب دعمهم للانتفاضة السورية، مقابل وقف ايران ووکلائها دعم اعمال الشغب والغوغاء في البحرين، ومن المرجح ان تشهد الاخيرة تصعيدا علی مستوی حرکية المعارضة الشيعية، التي تلقی دعما عراقيا يشرف عليه المالکي ويساند فعالياته.
“المالکي لا يريد الرحيل”، وفقا لتعليق الإيراني الأصل محسن ميلاني، مدير مرکز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية في واشنطن. وعلی الارجح فانه يريد استثمار امتثاله للرغبة الايرانية بالتنحي، حفاظا علی کتلة شيعية موحدة في العراق، للعودة إلی کرسي رئاسة الوزراء، في ظل الفوضی والقلق الذي تشعر به إيران ازاء اوضاع حلفائها في سوريا واليمن، وتأکيده علی ان وقته لم ينفد ففي جعبته المزيد.
مرکز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
وحدة الدراسات العراقية







