“النووي الإيراني”: من اتفاق محفوف بالمخاطر إلی مهزلة

السياسة الکويتية
25/8/2015
بقلم: خلف أحمد الحبتور
عندما سمعت عبر شبکة “فوکس نيوز” أن الوکالة الدولية للطاقة الذرية وقعت اتفاقاً سرياً يُجيز لإيران أن تفرض رقابة ذاتية علی واحد علی الأقل من مواقعها النووية الکبری, لم أصدق الخبر واعتبرت أنه من نسج مخيلة جامحة. إنه لأمر غير معقول أن توافق الوکالة المسؤولة عن مراقبة السلاح النووي في العالم, والمعروفة بمهنيتها ورقابتها الصارمة, علی أمرٍ بهذه الغرابة – أو هذا ما اعتقدته في البداية.
لا شک في أن العراق الذي جری تفکيک أنشطته النووية, المدنية والعسکرية علی السواء, في أعقاب حرب الخليج, لم يتمکن من الإفلات بهذه السهولة. فحتی بعد سنوات من عمليات التفتيش التطفلية, أحجمت الوکالة الدولية للطاقة الذرية بإدارة محمد البرادعي, عن تسليم مجلس الأمن الدولي تقريراً يثبت, عن استحقاق, خلو العراق من الأسلحة النووية قبل الاجتياح الذي قادته الولايات المتحدة.
أما جمهورية إيران الإسلامية التي تشغل الآلاف من أجهزة الطرد المرکزي لتخصيب اليورانيوم بمعدلات تتخطی المستويات المسموح بها للأغراض المدنية, والتي رفضت تبييض صفحتها في ما يتعلق بأنشطتها النووية السابقة, فتحظی بالثقة لممارسة تفتيش ذاتي!
يا للمخيلة الواسعة التي تتمتع بها الوکالة الدولية للطاقة الذرية. قد نشهد قريباً علی قرار يسمح للسائقين الذين يُشتبَه بقيادتهم تحت تأثير الکحول, ان يجروا بأنفسهم اختبار مستويات الکحول لديهم. علاوةً علی ذلک, وبما أنه بات الأئمة الذين يرفعون شعار “الموت لاميرکا”, يُعتبَرون فجأةً جديرين بالثقة, ربما کان بالإمکان تجنب أعوام من المفاوضات. کان يمکن الاکتفاء بشهادة موقعة من المرشد الأعلی.
ثمة ما يثير الريبة في هذه المسألة. وما يثير الشکوک أيضاً, هو زعم إدارة أوباما ان الولايات المتحدة لم تکن طرفاً في هذا الاتفاق الهزلي الخاص بمجمع بارشين العسکري – المعروف بـ”الترتيب المنفصل 2″ – عندما جری إقراره من مجموعة الدول الخمس زائد واحد.
أکد متحدث باسم البيت الأبيض أن الإدارة “مرتاحة” لبنود الاتفاق الجانبي السري بين إيران والوکالة الدولية للطاقة الذرية. هل علينا أن نفترض أن الوکالة اعتمدت هذه المقاربة الخطرة والواهنة من تلقاء نفسها?
استنادا الی نسخة مسربة من هذا “الترتيب المنفصل” نشرتها وکالة “أسوشيتد برس”, إيران ملزمة بتزويد الوکالة الدولية للطاقة الذرية بصور فوتوغرافية وأشرطة فيديو عن المواقع المختلفة داخل مجمع بارشين, فضلاً عن عينات بيئية. يبقی السؤال: کيف يمکن التحقق من هذه الصور والتسجيلات والعينات المتعلقة بمجمع بارشين وحتی لو کانت صحيحة, من يمکنه أن يجزم انها ليست انتقائية وتکشف جانباً واحداً من الحقيقة?
تبدو تطمينات الرئيس أوباما بأن الأنشطة الإيرانية ستخضع لـ”تدقيق غير مسبوق”, جوفاء أکثر من أي وقت مضی. الوکالة الدولية للطاقة الذرية ممنوعة منذ العام 2005, من دخول موقع بارشين الذي يُشتبَه باجرائه اختبارات مرتبطة بالأسلحة النووية, واليوم جری الاتفاق علی إغلاقه أمام التفتيش لأجل غير مسمی, وهذا غير منطقي علی الإطلاق.
يدفعني هذا الاستسلام من جانب الوکالة الدولية للطاقة الذرية, إلی الاعتقاد بأنها مسيسة علی غرار عدد کبير من الهيئات الأخری التابعة للأمم المتحدة, ففي المسألة الإيرانية, صاغت الوکالة ستراتيجياتها, التي تُعتبَر راسخة ومتينة في العادة, بما يتناسب مع المآرب السياسية. أياً کانت الطريقة التي يصورون بها الأمور بهدف التضليل والتشويش, من الواضح أننا لسنا أمام “نظام التفتيش الأکثر صلابة” الذي تتباهی به إدارة أوباما.
انتقدت الوکالة الدولية للطاقة الذرية تقرير “أسوشيتد برس” واصفةً إياه بـ”المضلل”. بيد أن المدير العام للوکالة يوکيا أمانو لم ينکر مضمون النسخة المسربة. فقد أصر علی أن الترتيبات تنسجم مع الممارسات التي تنتهجها الوکالة منذ وقت طويل, فيما شدد علی أنه “ملزَم قانوناً بعدم نشرها علی الملأ”. لا يبقی لنا سوی التساؤل: لماذا يُمارَس هذا التعتيم بحق الرأي العام, والمشرعين الأميرکيين أيضاً علی حد سواء?
يعرف الأشخاص الذين يواظبون علی قراءة مقالاتي أنني لطالما عارضت منذ البداية هذا الترتيب غير المرضي, لا سيما بسبب محدودية نطاقه. فکي يکون الاتفاق مقبولاً, يجب أن يشترط علی طهران التوقف عن افتعال المشکلات وعن محاولتها قلب الحکومات وأنظمة الحکم في مختلف أنحاء المنطقة.
تعکس آرائي, عموما, آراء عدد کبير من الدول المجاورة لإيران التي تخشی, عن حق, أن يؤدي رفع العقوبات إلی تدفق الأموال الإيرانية إلی أيدي عملاء إيران المسلحين في المنطقة.
لقد تصدی الرئيس أوباما مراراً وتکراراً لمخاوفنا بحجة أن کبح الأطماع النووية الإيرانية لمدة عشر سنوات أفضل من عدم توقيع اتفاق. اعتبرت, آنذاک, أن حججه لا تتمتع بالمصداقية, لکن اليوم بعد ظهور اتفاقات سرية جانبية, تعززت شکوکي بأنه يجري تمکين إيران عمداً في سياق مخطط جيوسياسي.
أود أن أعرف لماذا يُقابَل هذا الکيان الذي يعادي القوی الغربية وحلفاءها منذ نشوئه عام 1979, بالمکافأة علی رعايته للتنظيمات الإرهابية وسعيه إلی بسط نفوذه في المنطقة, أم أن هذه العداوة مع الغرب هي مجرد خدعة لاستغفالنا?
تتطلع العواصم الأوروبية إلی إبرام صفقات تجارية مربحة, وتخطط لإعادة فتح سفاراتها في طهران. يُتوقَّع أن تتوسع التجارة الإيرانية-الروسية إلی حد کبير. وتتجه صناعة النفط الإيرانية نحو زيادة إنتاج النفط الخام بما يؤدي إلی العودة إلی المستويات الإنتاجية قبل العقوبات, ما قد يؤدي إلی مزيد من الانهيار في أسعار النفط, وبالتالي تفقد صناعة التکسير الهيدروليکي الاميرکية تنافسيتها.
الحملة الترويجية التي يشنها أوباما غير نافعة, رغم إطلالاته المتکررة عبر الشبکات الإخبارية الاميرکية من أجل التسويق للاتفاق بکل ما أوتي من قوة, والضغوط الشديدة التي يمارسها علی الکونغرس. حتی إنه لجأ إلی مناشدة الشعب الاميرکي بالضغط علی ممثليه في الکونغرس للتصويت بـ”نعم”, لکنه لا يحرز أي تقدم. فقد أظهر استطلاع آراء صدر اخيرا عن “سي إن إن/أو آر سي”, أن 56 في المئة من الاميرکيين يريدون من الکونغرس رفض الاتفاق.
يتعهد جميع الجمهوريين الطامحين للفوز بالرئاسة, ما عدا جيب بوش الذي لم يحسم موقفه, بإلغاء الاتفاق وفرض العقوبات من جديد; فيما يحاول معظم خصومهم الديمقراطيين أن ينأوا بأنفسهم عن المسألة.
أمام الکونغرس 60 يوماً لحسم القضية, ومن المتوقع أن يصوت في مطلع الشهر المقبل علی “قرار عدم الموافقة”. إذا لم يصب التصويت في مصلحة الرئيس, بإمکان الکونغرس نظرياً أن يمنعه من رفع العقوبات عن إيران. لقد لوح أوباما باستخدام حق “الفيتو” الذي يتمتع به, ما يُهدد بنشوب نزاع بين البيت الأبيض والکونغرس. في حال عارض ثلثا الکونغرس الاتفاق, وهو أمر مستبعد يتطلب انضمام الديمقراطيين إلی فريق المعارضين, يسقط فيتو الرئيس تلقائياً.
عمد الرئيس أوباما إلی ترهيب حلفاء اميرکا في الشرق الأوسط واستمالتهم, کما أنه يحاول استمالة الشعب الاميرکي, ويمارس ضغوطاً شديدة علی الکونغرس لحمله علی الموافقة علی الاتفاق, إلی درجة أن سلوکه انحرف عن الأصول. إرثه علی المحک. آمل بأن يُظهر المشرعون في الولايات المتحدة أنهم علی قدر المسؤولية, کي لا يُحکَم علينا بدفع الثمن في هذا الجزء من العالم.







