عراقيون يتحسرون علی الجفاف.. بعد «غرق» بغداد!

صوت العراق
3/1/2013
بقلم: خلود العامري
بغداد– لم تتمکن آلاف العائلات العراقية في بغداد من النوم ليل الأربعاء الأخير من کانون الأول (ديسمبر) الماضي، ليس بسبب خبر مفرح سمعته من شاشات التلفزيون، ولا لأنها أعدّت سهرة جميلة في تلک الليلة، بل لأن الأمطار التي تساقطت ليلة 26 من الشهر الماضي، لأکثر من عشر ساعات متواصلة أغرقت کثيراً من المنازل والشوارع في العاصمة ودفعت العائلات للسهر في تفريغ منازلها من المياه المتسربة.
لم يشهد العراقيون تساقط أمطار بهذه الکميات منذ سنوات طويلة، حدّدتها دائرة الأرصاد الجوية العراقية بثلاثين عاماً. وعلی رغم التوق إلی المطر بعد سنوات من الجفاف والتصحر، إلاّ أن مجاري العاصمة العراقية لم تکن مستعدة لاستيعاب هذه الکميات، بخاصة أن الدائرة أعلنت مراراً أن المتوافر من شبکات المجاري لا يکفي إلاّ لثلاثين في المئة من الحاجة الفعلية لمدينة بغداد.
العائلات الساهرة في منازلها استخدمت أواني الطبخ لتفريغ المياه المتسربة إلی المنازل لکن المشکلة الأکبر التي واجهتها هو امتلاء الشوارع بالمياه وعدم قدرتها علی الخروج من المنازل، وعلی رغم أن الحکومة العراقية أعلنت يومي الثلثاء والاربعاء عطلة رسمية في البلاد، إلاّ أن التنقل لم يکن يقتصر علی العمل والدراسة فحسب. فالوصول إلی السوق بدا أمراً في غاية الصعوبة، وطافت أسواق الخضر الشعبية مع أشياء طفت فوق المياه في الشوارع.
قضی معظم الأهالي الليل في تجفيف منازلهم من المياه، وحوّلوا حمامات السباحة البلاستيکية الصغيرة إلی زوارق متنقلة لنقل أطفالهم من شارع إلی آخر، کما استخدموها في زيارة بعض المحلات المناطقية القريبة للحصول علی الغذاء في عطلتهم الغارقة تلک. ولجأت عائلات أخری إلی اعتماد طوّافات أخری للتنقل ومغادرة منازلها إلی منازل أقارب آخرين لم تدخل المياه بيوتهم.
أما الشباب فاستثمروا الموقف لالتقاط بعض الصور التذکارية مع الفيضانات التي قد لا تتکرر لأعوام لاحقة، فأقدم بعضهم علی امساک صنارات صيد الأسماک في الشوارع الغارقة، ومن ثم عمدوا إلی نشرها وتبادلها علی مواقع التواصل الاجتماعي فيما ابتکر آخرون أموراً أخری کلصق صور أبطال فيلم «تايتانک» علی السيارات العائمة في الماءوأعلنت دائرة ماء بغداد، عبر القنوات الرسمية، قطع المياه عن المنازل لثلاثة أيام لتدارک الأمر، ولکي لا تسمح بضخ کميات إضافية من المياه، فضلاً عن مخاوفها من تسرب مياه المجاري الملوثة إلی مياه الشرب في العديد من المناطق في بغداد. ووصلت المياه إلی ارتفاع متر في بعض الأحياء، ودخلت الکثير من المنازل وأعاقت حرکة المرور في شکل تام، وفي مدينة الصدر، شمال شرقي بغداد، حاصرت المياه المستشفی الرئيسي هناک وانهار أحد المنازل بشکل کامل وتسبب في قتل أربعة أشخاص، وغرق شخص آخر في حي نفق الشرطة وسط بغداد بعد دخوله في النفق المليء بالمياه وعدم تمکنه من الأفلات من سيارته بعد أن غمرتها المياه بشکل کامل، فيما انهارت منازل أخری في وسط وجنوب العراق.
وعجزت فرق الإنقاذ عن الوصول إلی أي مکان في بغداد، لنقل المصابين أو مساعدة أصحاب البيوت المنهارة فوزارة الصحة لا تملک أية وسيلة لذلک سوی سيارات الاسعاف التي لم تتمکن هي الأخری من التنقل بسبب غزارة الأمطار في المناطق. وفي غياب خطط الطوارئ لمعالجة مثل هذه الحالات المفاجئة اعتمد الأهالي علی بعضهم بعضاً في مواجهة فيضانات الأمطار من خلال تبادل الاتصالات لمعرفة خريطة الفيضانات والمناطق الأکثر تضرراً. ومثلما فعل الأهالي، ابتکر طلاب الجامعات جسوراً صغيرة من الطابوق وبعض المخلفات، للمرور منها إلی خارج الجامعات التي فاضت هي الأخری بالمياه.
هي المشاهد من فيضان بغداد الذي لم تشهد العاصمة له مثيلاً، دفعت الکثير من العراقيين إلی الرضا بالجفاف وقلة الأمطار علی العيش في فزع متواصل، من غرق منازلهم أو انهيارها، بخاصة أنهم يدرکون أن عملية إصلاح شبکات المجاري قد تحتاج إلی سنوات… وسنوات!







