مفاوضات فاشلة وحضورها مهم

الشرق الاوسط
31/1/2016
بقلم: عبدالرحمن الراشد
تبدو المعارضة السورية أکثر صلابة في وفدها، رغم ما أصابها علی الأرض من خسائر بسبب القصف الروسي، وآخرها خسارة بلدة الشيخ مسکين. سبعة عشر معارضًا وصلوا إلی جنيف يرأسهم رياض حجاب، الذي يحظی باحترام معظم القوی والفصائل السورية المعارضة. وحجاب عينه الرئيس بشار الأسد رئيسًا للوزراء في مرحلة الفوضی، يونيو (حزيران) عام 2012، لکنه انشق عليه بعد ثلاثة أشهر، عندما فر بمعاونة الجيش الحر المعارض إلی الأردن. واختار في السنوات الثلاث الماضية العمل السياسي مع قوی المعارضة دون التورط في خلافاتها، وهذا ما جعله اسمًا مقبولاً عند تسميته رئيسًا للوفد الذي انبثق عن مؤتمر الرياض لقوی وفصائل المعارضة.
بحضورها المفاوضات، بکامل الوفد الذي تمت تسميته، تکون المعارضة قد تجاوزت العتبة الأولی فقط من سلم طويل في جنيف تقدر الأمم المتحدة أنه سيستغرق ستة أشهر وفق برنامج تفاوضي معروفة موضوعاته الرئيسية، لکن تفاصيله ليست واضحة. التقديرات الأولية کانت تتنبأ بأن المعارضة لن تفلح في الاتفاق، وها هي اتفقت، وستختلف علی قياداتها، وها هي اختارت حجاب، وتجاوزت الاشتراطات الأولية عليها رغم أنها غير معقولة، فسياسة الوفد هي عدم إعطاء فرصة للنظام السوري وحليفيه، الإيراني والروسي، للانفراد بالمجتمع الدولي الذي يمثله فريق الأمم المتحدة ومبعوثها دي ميستورا. ويعلم أعضاء المعارضة أن ستة أشهر کافية لامتحان النيات والمشاريع السياسية، وبإمکانهم في الأخير رفضه والاستمرار في محاصرة النظام.
الموضوعات الرئيسية، المستعجل منها، مثل مشروع وقف إطلاق النار، هل يمکن تحقيقه؟ سيکون سهلاً علی المعارضة القبول به في حال حصلت علی السماح لها بإدارة مناطقها التي تحت سيطرتها، وهي أيضا لن تکون مسؤولة عن نشاط مناطق التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» و«النصرة». فهل سيستطيع المفاوضون فرض نفس الشروط علی نظام الأسد والإيرانيين والروس، بوقف العمليات العسکرية؟ هنا التحدي يقع علی فريق الأمم المتحدة والدول الراعية.
ما فعلته المقاتلات الروسية أمس بقصف مخيمات اللاجئين شمال اللاذقية، ورأينا النيران تحرق الخيام، وتدفع آلاف السوريين نحو الحدود علی أقدامهم هربًا من جديد يُبين طبيعة التحدي. يجب الاحتجاج علی عمليات الروس والإيرانيين وحزب الله التي تستهدف السوريين، وتکون دائمًا لها الأولوية في جنيف، حتی لا يجد الروس والإيرانيون التفاوض فرصة لاستکمال التطهير الطائفي، والتقدم علی الأرض.
وبين الهدنة، وفتح الممرات، وحصر مناطق النزاع، والاتفاق علی تبادل الأسری، وإيصال المساعدات، سيمر وقت قبل فتح الحديث عن مستقبل الحکم في سوريا، الذي هو سبب الحرب وغاية مؤتمر جنيف. والحقيقة لا يوجد هناک من هو متفائل من مفاوضات جنيف في حسم النزاع، فهو مؤتمر سياسي له غايات مختلفة غير معلنة. الإدارة الأميرکية تريد أن تقضي هذا العام في نشاط دبلوماسي حتی لا تتهم باللامبالاة تجاه أخطر قضية نزاع تؤثر علی السلم في العالم اليوم، والأوروبيون کل همهم کبح حرکة اللاجئين المتجهة نحو حدودهم، أما الروس فهم يعتقدون أنهم قادرون علی فرض حل سياسي يجبر المعارضة علی الاستسلام لحکم الأسد، مع منحهم مقاعد هامشية في حکومة رمزية.
أما لماذا تشارک المعارضة طالما أنها عارفة بالأهداف المتواضعة للوسطاء والمفاوضات، أولاً لأنها لن تخسر بحضورها شيئًا، وثانيًا حتی لا ترمم بغيابها شرعية نظام الأسد دوليًا، وتحضر حتی تنازع النظام في کل القضايا وتتحداه. لقد عقد مؤتمر جنيف الماضي قبل عامين تقريبًا في نفس اليوم الذي يوافق المؤتمر الحالي، ووعد نظام الأسد أنه خلال عام سيقضي علی المعارضة، لکنه رغم استنجاده بالإيرانيين ثم الروس لا يزال عاجزًا إلی اليوم. وهکذا فإن جنيف والأمم المتحدة لا تستطيعان أن تفرضا علی الأغلبية السورية ما ترفضه، وستستمر الحرب التي تأکل من مقدرات الإيرانيين والروس، في وقت لن يتعافی النظام مهما حاول حلفاؤه دعمه، لأنه أصبح مشلولاً بعد أن فقد معظم قواته العسکرية والأمنية.







