مقالات

فتنة دينية و ليست صحوة إسلامية

 
 
 
 
 ايلاف
7/10/2014
 بقلم:نزار جاف
 

لم تکن الثورة الايرانية التي أسقطت نظام عرش الطاوس في 11/2/1979، مجرد حدث او تطور عادي، وانما کانت من الاحداث و التطورات الاستثنائية ليس علی مستوی إيران فقط وانما علی مستوی المنطقة و العالم برمته لما إکتنفتها من أمور و قضايا مستجدة و طارئة علی المنطقة و العالم.
الثورة الايرانية التي شاءت الاقدار لها أن يکون لشخصية دينية کالخميني دور بارزا فيها لم ولا ولن يتسنی لغيره من رجال الدين من بعده أبدا، لثلاثة أسباب تجمعت مع بعضها لتمنحه مکانة و مرکزا مرموقا في هذه الثورة و هولت من أمره أکثر من اللازم وهي علی التوالي:
1ـ الخميني کان مرجعا دينيا معروفا و معارضا لنظام الشاه و منفيا خارج إيران منذ عام1963، ويکفي أن نشير بأنه کان أثناء الثورة الايرانية المرجع الاعلی في إيران للتقليد.
2ـ نجح في إنتزاع المرکز القيادي للثورة لأن معظم القيادات السياسية المهمة کانت في السجون او تم تصفيتها و إعدامها من قبل النظام الملکي.
3ـ الخميني هو الذي جاء بالنظام الجمهوري لإيران بعد قرون طويلة جدا من الملکية الاستبدادية.
ويضاف الی هذه الاسباب الثلاثة، أن الخميني کانت له رسالة کتبتها باللغة الفارسية بخصوص رؤيته و فهمه للاوضاع و الامور السياسية ترجمت للغة العربية تحت عنوان’الحکومة الاسلامية’، وبفعل کل هذا نجح الخميني من إرساء اول نظام ديني شامل علی مستوی العالمين العربي و الاسلامي، وأسس لمنهج فکري ـ سياسي طموح لايهدف للتأثير علی الشيعة فقط’وان کان الهدف الاساسي’، وانما أعد العدة للتأثير علی السنة أيضا و التغلغل بينهم لأهداف و غايات باتت تتوضح مع مرور الزمان.
مايميز نظام ولاية الفقيه في إيران و الذي يمنح بموجب الدستور صلاحيات واسعة النطاق للولي الفقيه، ليس کأي نظام ديني او نظام دکتاتوري عادي، بل ان هنالک نقطة إختلاف استثنائية له وهي و طبقا لما يقوله الخميني فإن الولي الفقيه يستطيع أن يحلل ماقد حرمه الله و رسوله من أجل الحفاظ علی النظام الاسلامي، ويقصد نظام ولاية الفقيه وقد طبق ذلک فعلا، کما انه وبهذا الخصوص أيضا أصدر فتوی بجواز عدم الصوم لقوات الحرس أثناء الواجب العسکري، کما أصدر فتوی يجوز فيها سحب دم المحکوم عليهم بالاعدام من أجل المجهود الحربي.
الخميني بعد أن نجح في تصفية و إقصاء کافة المعارضين لنظام ولاية الفقيه، جعل من ضمن أولوياته ماقد سماه’تصدير الثورة’الی بلدان المنطقة، وهي قضية وضعت کل بلدان المنطقة في حساباتها و لم تستثن أي منها، لأنه يجب الانتباه الی أن المنهج الذي إختطه الخميني إستهدف التأثير و التغلغل بين السنة أيضا، ويکفي أن نشير الی أنه هنالک أدلة دامغة تدل علی هذا الامر، کما حدث في قضية إغتيال الرئيس المصري الاسبق أنور السادات، حيث جرت إتصالات بين النظام الديني في إيران و بين جماعة الجهاد الاسلامي التي إضطلعت بعملية إغتيال السادات، کما ذکر مهدي الهاشمي الذي کان مسؤولا لحرکات التحرر في الحرس الثوري الايراني في رسالة بعث بها الی آية منتظري الذي کان نائبا للخميني وقتئذ، بقوله:’ (العلاقة مع هذه الجماعة’يقصد الجهاد الاسلامي’، بدأت في إحدی اللقائات التي کانت لنا مع حضرة الامام و سماحته قال في جمع من مجالس قيادة الحرس الثوري: بخصوص تصدير الثورة يجب أن تتحوطوا من ذلک کثيرا کي لاتتأثر سمعة الجمهورية الاسلامية، لکن في أية زاوية من العالم إذا مارأيتم في أي بلد طاغوتا من الممکن إسقاطه فإفعلوا ذلک)، و يستطرد هاشمي بعد إيراد فتوی الخميني بالعمل علی إسقاط أي طاغوت في أي مکان من العالم فيما لو کان هنالک مجال او إمکانية لذلک، قائلا:( ولذلک، وقبل قتل السادات، إرتبطنا بهؤلاء الاخوة وکنا علی إطلاع وعلم بقرارهم’إي قرار إغتيال السادات’، وارسلنا لهم مبالغ من المال لکننا تعجبنا من إمتناع هؤلاء الاعزاء عندما قاموا بإرجاع الاموال و طلبوا منا فقط ان يدعو لهم حضرة الامام بالموفقية. والحقيقة، أن هذا النظام و الخميني بشکل خاص، کان ينظر لکل زعماء العالم الاسلامي علی أنهم ثلة من غاصبي السلطة وان حکمهم غير شرعي و يجب إزاحتهم من مناصبهم، وهذا الکلام وان لم يقله بصريح العبارة، فإنه کثيرا ماصرح به ضمنيا في الاجتماعات التي کان يعقدها في حسينية جماران غير انه کان يصرح و يفتي بها جهارا لأجهزته الخاصة في الاجتماعات ذات الطابع السري کما ذکرنا آنفا.’، کما اننا يجب أن نشير الی أن هناک تنظيمات اسلامية سنية کان نظام ولاية الفقيه وراء إنشائها في العراق وسواه وقد کان لبعضها دورا فوضويا و تخريبيا مشهود له، مثلما کان بمثابة جسر للعبور الی داخل العراق بعمقه العربي.
أشار السيد محمد محدثين مسؤول العلاقات الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الايرانية في مقابلة صحافية الی نقطة ملفتة للنظر، وهي أن مفردات التطرف الديني و الارهاب و النعرات الطائفية بالشکل و المضمون الحالي، لم تکن متواجدة في المنطقة قبل إستحواذ رجال الدين علی الثورة الايرانية و جعلها مجرد ظاهرة دينية من دون أية محتويات او مضامين و أبعاد إنسانية و فکرية أخری.
تلک الحقيقة التي ذکرها محدثين، لم تکن مجرد رؤية عابرة او ملاحظة تکتيکية ما وانما کانت تنبع من قناعات فکرية و رؤيا تستند علی مجموعة مقومات و رکائز لها أهميتها و دورها و تأثيرها الخاص، ولمن لايعرف، فإن محمد محدثين قد قام في عام 1994، أي قبل أربعة أعوام من حادثة 11 سبتمبر 2001، بتأليف کتاب في الولايات المتحدة الامريکية و باللغة الانکليزية تحت عنوان’التطرف الديني التهديد العالمي الجديد’، وناقوس الخطر هذا الذي قرعه محدثين في ذلک الوقت، حيث کان الامريکان منهمکون بالتغازل مع النظام الديني في طهران وکانوا يطمحون بل و يعملون من أجل إعادة تأهيله دوليا، حيث أسفر هذا الغزل الابعد مايکون عن البراءة و العذرية وفي عهد محمد خاتمي عن إدراج منظمة مجاهدي خلق ضمن لائحة الارهاب کقربان علی ضريح تأهيل نظام ولاية الفقيه دوليا، لکننا الان وبعد قرابة 20 عاما نجد أن تخمينات و توقعات محمد محدثين تؤکد مصداقيتها الکاملة وان ماطرحه في عام 1994، لم يکن مجرد کلام من دون طائل وانما هو أمر واقع يعاني العالم منه الامرين لکن المفارقة تکمن في أن المجتمع الدولي منشغل بالنتائج و يهمل او يتجاهل المسبب الرئيسي.

الدور الذي لعبه النظام الديني في طهران علی صعيد المنطقة، هو دور لايمکن أبدا التغافل عنه و تجاهل قوة دور و تأثيره علی مجريات الامور ليس في المنطقة فحسب وانما في العالم أيضا، لأن منطقة الشرق الاوسط تعتبر القلب النابض و الشريان الفکري المؤثر علی مسار الاحداث علی مختلف الاصعدة، وقد أجاد النظام الايراني کثيرا في توظيف عامل التطرف الديني و إستخدامه بشکل دقيق و حساس وجعله رأس حربة لفتح بوابات دول المنطقة علی مصاريعها أمامهم، والذي يثير السخرية، أن دولا في المنطقة و التي کانت تستهين في البداية بالتحذيرات التي أطلقتها المقاومة الايرانية من الخطر الکبير الذي يمثله إستخدام النظام الايراني لعامل التطرف الديني ضدهم، نراها الان منهمکة وعلی مختلف الاصعدة بدفاع سلبي من أجل مواجهة الخطر القادم من طهران و الذي دق ناقوس الخطر الاکبر بإجتياحه لصنعاء و جعلها ضمن دائرة نفوذه و هيمنته.

إستخدام الامريکان للعامل الديني ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان والذي کان إستخداما تکتيکيا مرحليا محددا لهدف معين، اختلف تماما عن الاسلوب و الطريقة التي إستخدم بها النظام الايراني للعامل الديني و توظيفه من أجل تحقيق أهدافه و غاياته ولکن بالطبع کان إستخداما استراتيجيا علی المدی البعيد، وحتی ان ثمار الاستخدام الامريکي للعامل الديني في أفغانستان قد تلاقفه النظام الايراني و إستخدمه و تعامل معه باسلوب أکثر نضجا و حذاقة من الامريکيين لأن هذا النظام قد أثبت وبحق أنه مدرسة خاصة في القضايا المتعلقة بالتطرف الديني وانه الاعلم في مجال إستخدام کل الامور والمسائل المتعلقة به.

الصحوة الدينية، هو المصطلح الذي جعله النظام الديني الراديکالي في طهران غطاءا و ستارا لتصديره للتطرف الديني الی دول المنطقة، وقد عمل النظام و بحکم أن الانظار و الاسماع العربية و الاسلامية کانت موجهة إليه، علی إستغلال هذا الامر من کل جوانبه، حيث انه قام بتوظيف أي نشاط ديني مهما کان لونه و حجمه و نوعه علی أنه صحوة إسلامية’مبارکة’و من ثمار’الثورة الاسلامية’، کما کانت وسائل الاعلام الايرانية تتمشدق بذلک وقتئذ، ومن دون شک لايمکن القول بأنه لم يکن هناک من تأثير و رد فعل لمساعي النظام الايراني هذه علی الشارعين العربي و الاسلامي، بل وان هنالک العديد من التيارات و الاحزاب الدينية في المنطقة قد إنطلت عليها هذه المناورة الفکرية ـ السياسية للنظام الديني في إيران ولم تجد نفسها إلا وقد صارت واحدة من الوسائل و السبل التي يستخدمها هذا النظام من أجل بلوغ مايريد من أهداف و غايات، والحقيقة أن مصطلح’الصحوة الاسلامية’، قد بدأت اوساطا إقليمية أخری بتلاقفه و السعي للإستفادة منه و إستغلاله من أجل ضمان مصالحها و تحقيق أهداف محددة لها، بيد انه وفي الخط و المسار العام فقد کان النظام الديني القائم في إيران المستفيد الاکبر من وراء ذلک، إذ جعل من موضوع إختلقه اساسا من أجل تصدير التطرف الديني الی دول المنطقة و العالم، نوعا ما أمرا واقعا صار الکثيرون يتحدثون عنه وليس النظام الايراني لوحده وهو مايمکن إعتباره خطوة هامة لهذا النظام بإتجاه تحقيق الاهداف التي يسعی إليها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى