إيران عندما فقدت إعلامها العربي

الشرق الاوسط
18/6/2015
بقلم:عبد الرحمن الراشد
في زمن قصير ظهرت علينا وسائل إعلامية عديدة جديدة تتحدث باسم إيران، أو تدافع عن سياساتها، تلفزيونات وصحف ومواقع إلکترونية، لم تکن موجودة مثلها قبل سنوات قريبة. السر بسيط، فمعظم الإعلام العربي کان من يقوم بمهمة الدعاية والدفاع عن طروحات إيران ويدافع عن مواقفها، حتی ثار ربيع الأزمات العربي في عام 2011، وبسببها استفاق المغيبون. اکتشفوا أن إيران ليست سوی دولة أخری، لها طموحاتها ومطامعها الإقليمية تحت شعارات الإسلام والعدالة والعداوة مع الغرب، وجندت الإعلام العربي لاستغلاله في کل ما أمکنها استغلاله للهيمنة ومحاربة خصومها العرب من خليجيين ومصريين ولبنانيين.
وبدأت الصدمات تتوالی منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، ثم ما تلاه وإلی زلزال سوريا وأفعالها الشنيعة هناک. علی أثرها أصابت الصدمة معظم العرب، وانقلب الحب والإعجاب بإيران الإسلام والحقوق الفلسطينية إلی کراهية وعداء شديدين. بعدها لجأت إيران إلی تأسيس منصاتها الإعلامية المختلفة الألسن والهويات، تحاول مقارعة وسائل الإعلام العربية، التي علی اختلاف مشاربها تکاد تجمع علی رفض نظام طهران آيديولوجيًا ومواقف وشخصيات.
ويندر أن نسمع اليوم في الإعلام العربي الواسع ما تردده طهران ضد إسرائيل، فقد أدرک أنها دعاية مضللة، وصار يحرص علی حماية الجمهور العربي من الوقوع في حبائل الاستغلال السياسي الإيراني الذي لطالما کان المهيمن لثلاثين عامًا. يندر أن نسمع عن تصريحات حليفيها في سوريا ولبنان، رغم أن المسؤولين هُنَاک لم يتوقفوا عن الکلام ضد المسؤولين الصهاينة، وتحميلهم کل ما يناسبهم.
ومثال ذلک أنه في اليوم الذي تصدّت بوارج أميرکيّة لسفينة إيرانية في الْبَحْر الأحمر، يرجح أنها کانت محملة بالأسلحة وغيرها لحلفائها الحوثيين في اليمن، واضطرت إلی العودة إلی الساحل الإيراني علی الخليج، لم تردد وسائل العرب الإعلامية مبررات إيران وتهديدات مسؤوليها التي ملأت الفضاء الإعلامي هناک. في السابق، حادثة کهذه، کانت طهران تضمن استجابة تلقائية من عشرات وسائل الإعلام العربية، واحتضانها الدفاع عن مصالح إيران، وتحث علی تبني مواقف عربية مناصرتها، وتسيير مظاهرات داعمة لها، واعتبار ما يقوله النظام هناک هو الحق.
استفاق مُعْظم الإعلام العربي، وصار يميز بين الحقيقة والاستغلال، حتی اضطرت إيران إلی فتح مؤسساتها الإعلامية تحاول تغيير الرأي العام العربي بيدها لا بيد إعلام العرب، الذي تعتبره ناکرًا للجميل! وعلينا ألا نستهين بمحاولاتها استعادة الرأي العام العربي واستغلاله لمصالحها، ومشروعها للهيمنة علی المنطقة. وهي قد تستطيع باستغلال الفراغات السياسية بين المواقف، واللعب علی التناقضات العربية في سوريا واليمن والعراق. وصرنا نسمع بعض الإعلاميين العرب يرددون الطروحات الإيرانية التي تخلط بين المعارضة السورية والجماعات الإرهابية، وتلک التي تطرح بقاء النظام بحجة حماية وحدة سوريا، وأخری تشکک في أهداف الدول المنافسة لها. وتحاول إيران فعل الشيء نفسه في اليمن، بتقديم الرئيس المعزول علي عبد الله صالح، وحليفه الحوثي، کخيار شرعي وشعبي.
ولأنه يدري أن إعلامه صار محاصرًا، مثل ميليشياته في العراق وسوريا واليمن، ومرفوضا من قبل الشريحة الأکبر من العرب، فإنه يحاول جاهدا التسلل عبر المنابر المختلفة الجديدة والأخری، وتقديم طروحات ذات صيغ متعددة، معظمها هجومية، ليس لکسب المعرکة الجدلية، بل الأهم تخريب القناعات المهيمنة والمعادية له. أيضًا، يحاول أن يمنح وسائله الإعلامية الشعبية والمصداقية اللتين تفقدهما حتی الآن علی أمل أن يتسيد الساحة الفکرية والدعائية. فالأزمة الإيرانية اليوم إعلامية، تعاني من العداء وبسببه تفقد مواقعها. وفي الماضي لم تَکُن تضطر إلی الدفاع عن مواقفها وحلفائها، بل تطوعت بالمهمة وسائل الإعلام العربية، فکانت تتولی بعث رسائلها، والدفاع عنها بحماس شديد. معرکتها علی عيون وآذان وقلوب العرب صعبة، لکنها ليست بالمستحيلة.







