حديث اليوم

النظام الإيراني في مأزق کأس السم لحقوق الإنسان

 
 
خلافا لما هو معهود بدأت المؤسسات التابعة للنظام الإيراني وسلطات النظام ممن کانوا متورطين في القضاء والإعدامات تعترف مؤخرا، بزيادة عدد الإعدامات في إيران، متحدثين عن ضرورة إعادة النظر في القوانين وخفض عدد الإعدامات. وهؤلاء هم ممن کانوا يدافعون دائما عن الإعدامات وضرورة تنفيذها لحد الآن وکانوا يوحون بانها من مستلزمات الشرعية والدين.
ومن ضمن ذلک أعلن المتحدث باسم لجنة القضاء في برلمان النظام تقديم لائحة إلی البرلمان بتوقيع 70 نائبا يوم 30 تشرين الأول/ أکتوبر الماضي حيث يطالب بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام بحق متهمين بالمخدرات ممن لايتمتعون بسوابق سيئة والتهمة الموجهة إليهم هي فقط حيازة المخدرات حيث يجب إتخاذ عقوبة جديدة بحقهم. کما أکد سکرتير لجنة الحقوق والقضاء في برلمان قائلا: «ملف تخفيف عقوبة الإعدام هو هاجس النظام». (صحيفة شهروند الحکومية- 29 تشرين الأول/ أکتوبر 2016)
نموذج آخر من هذا القبيل يتعلق بالملا المجرم بورمحمدي وزير العدل في کابينة روحاني والذي أبدی إستياءه تجاه کثرة عدد الإعدامات وإذ يؤکد علی أنه لايمکن نفي عقوبة الإعدامإالا انه اعترف بعدم جدوی تنفيذ عقوبة الإعدام علی نطاق واسع خلال السنوات الأخيرة… لذلک يجب مراجعة هذه العقوبة. (وکالة إيلنا الحکومية- 29 أکتوبر 2016)
وأکد بورمحمدي بان هذا ليس فقط رأيه الشخصي وانما أشار الی أن «السلطة القضائية ايضا تحمل هذا الرأي إجماليا … وحاليا بدأنا بدراسة والمشورة بهدف إعادة النظر في عقوبة الإعدام».
کما إعترف محمد جعفر منتظري المدعي العام للنظام بان هناک مشاکل في قانون مکافحة المخدرات معلنا تشکيل لجنة في النيابة العامة بهدف دراسة هذه المشاکل. (الشبکة الثانية لتلفزيون النظام- 28 أکتوبر 2016)
وأشار محمد جواد لاريجاني منظّر الإعدام والتعذيب في النظام وسکرتير مايسمی بلجنة حقوق الإنسان في السلطة القضائية إلی إعادة النظر في الأحکام القضائية قائلا: «لايجب ان يکون إسم إيران مدرجا في قائمة الدول التي لها أکثر عدد الإعدامات».
رغم ان  بعض سلطات النظام خاصة في السلطة القضائية سبق وأن لجأوا مناورات  في حقوق الانسان في عدة مناسبات بما فيها أثناء عقد اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس حقوق الإنسان وما شابه وذلک بهدف الإلتفاف علی موجة الإدانات أو الوقاية منها الا انه يجب الإنتباه علی التصريحات الحالية وتقييمها في الأجواء السياسية والإجتماعية بعد تجرع کأس السم وتوسع نطاق حرکة المقاضاة لدماء الشهداء في مجزرة عام 1988 خاصة ان هذه المرة قام برلمان النظام بإعداد لائحة تطالب بتخفيف عدد الإعدامات ويحاول التصويت عليها.
ان مجرد اطلاق هذه التصريحات علی لسان عناصر الحکومة أکثر شراسة من أمثال بورمحمدي من أعضاء لجنة الموت في مجزرة عام 1988 هو أمر لافت. ولابد ألا  ننسی أن بورمحمدي هو نفس المجرم الذي صرح دفاعا عن مجزرة عام 1988 بانه يفتخر بانه لعب دورا مباشرا في هذه الجريمة الکبری، اذن يجب السؤال ما ذا حصل حيث يتحدث جلادون من أمثال بورمحمدي وجواد لاريجاني اللذين کانا يدافعان بقوة عن مواصلة الإعدامات سابقا، اليوم عن ضرورة إعادة النظر في القوانين التي تنتهي بعقوبة الإعدام؟
الواقع أن الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية هما قد فرضا هذا التغيير من النبرة علی النظام وهما سببا في إضعاف النظام أيما ضعفا. وهذا هو العنصر الرئيسي والمحوري الذي يدل علی اختلاف الظروف بين المرحلة الراهنة والمراحل الماضية بشکل کبير، وهو ناجم عن توسع حرکة المقاضاة لمجزرة عام 1988. وحاليا يعرف الجميع ان الإتفاق النووي لا ينحصر في الملف النووي للنظام بل انه يتواصل وکما قد حذر خامنئي نفسه في کلمته بمناسبة عيد النوروز في مدينة مشهد انه بعد الإتفاق النووي سيأتي دور الإتفاقيات المرقمة 2 و 3 و4 وقس علی ذلک ».ومن بين هذه الإتفاقيات وتجرع کؤوس السم، الاتفاق الأکثر خطورة وغير قابل للتحمل للنظام هو کأس السم لحقوق الإنسان وتحديدا تخليه عن الإعدمات.
وفي هذه الأثناء دخل عامل حاسم إلی هذه المعادلة وهي حرکة المقاضاة لدماء الشهداء في مجزرة عام 1988 والتي قد غيرت جدا الأجواء الإجتماعية في داخل البلاد وکذلک الأجواء السياسية الدولية. وکان من مؤشرات تغيير الأجواء هذا بما فيها التقرير الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة لهذا العام بشأن انتهاک حقوق الإنسان في إيران حيث يتضمن تفاوتات واضحة مع التقارير السابقة و تحدث الأمين العام صراحة عن إزدياد الإعدامات و أعرب عن ادانته له.
کما أکد أحمد شهيد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بانتهاک حقوق الإنسان في إيران  خلال تقريره الأخير، تأکيدا خاصا لإزدياد الإعدامات، لاسيما إعدام المراهقين.
وأخيرا يجب ان يتم التذکير علی أن القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوربي رغم انه صدر تحت عنوان تطبيع العلاقات مع النظام الإيراني الا ان هناک 4 شروط لتأسيس مکتب البرلمان الأوربي وفي مقدمتها ايقاف الإعدامات.
ولکن هل نظام الملالي اللاإنساني الذي يعتبر الإعدامات بانها قارورة عمره يتمکن من اتخاذ خطوة نحو ايقاف الإعدامات أو تحديدها؟
ومن الواضح انه بالقدر الذي يتعلق الأمر بالنظام، لايريد اطلاقا ان يتخلی عن الإعدامات الا ان تخفيف عدد الإعدامات مهما کان والإحتفاظ بحياة الإنسان مهما کان هو مکسب ثمين من جهة وان طلب النظام في هذا المجال ليس حاسما من جهة أخری کما نراه في الإتفاق النووي حيث اضطر النظام إلی ان يتخلی عما کان يعتبره ضمانا استراتيجيا لبقائه ولکنه قد رضح لکأس السم النووي وذلک تحت ضغوط العقوبات الدولية عليه، کما ان هذه المرة تعمل الإرادة نفسها التي جرعت النظام کأس السم النووي تريد حاليا تجريعه کأس السم لحقوق الإنسان.
زر الذهاب إلى الأعلى