نظام الأسد: بدايــة النهايــة! بقلم روبرت فورد

معهد-الشرق الأوسط
27/4/2015
بقلم: *روبرت فورد
لم يهنأ نظام بشار الأسد في سوريا بشتاءٍ جيد، حيث خسرت قواته عاصمة محافظة إدلب، ورغم محاولاته المتکررة لا يتمکن الأسد حتی من الاستيلاء علی الضواحي الشمالية والشرقية المتاخمة لدمشق، وتتفاقم خسائره في حلب ودرعا، کما أنه اضطر للتخلّص من اثنين من أربع رؤساء لأفرع مخابرات النظام، أضف إلی ذلک تدهور الوضع الاقتصادي.
هذه الأحداث ليست مفاجئة، ورغم التقييمات المستمرة لوسائل الإعلام الغربية بأن وضع الأسد آمن، فالواقع هو أن الحرب السورية تحولت إلی حرب استنزاف، ومن المعروف عن أنظمة الأقليات أنها لا تبلي بلاء حسناً في الحروب التي تتسم بفترات طويلة من الاستنزاف.
لا يزال نظام الأسد يتمتع ببعض المزايا العسکرية والدعم من إيران وروسيا، ممّا يساعد علی إطالة أمد الصراع، ولکن بعض التطورات الأخيرة قد تکون في الواقع مؤشرات علی بداية النهاية:
العجز عن الدفاع والهجوم المضاد
رغم أن المعارضة المسلحة أعلنت خطّتها لمهاجمة عاصمة محافظة إدلب قبل أسابيع من البدء بها، لم يستطع النظام تعزيز قواته في المدينة التي خسرها يوم 28 مارس/آذار أي بعد أسبوع من بدء المعرکة. وقد حاول النظام منذ ذلک الحين تجميع القوات لهجوم مضاد، ولکن دون نجاحات تذکر. في الطرف الآخر من البلاد وبالقرب من الحدود الأردنية فقد النظام معقله الإقليمي في بصری الشام يوم 25 مارس/آذار، ثم معبر نصيب الحدودي الهام في 2 أبريل/نيسان الماضي وهو آخر معبر حدودي لديه مع الأردن. وتوقفت أيضاً هجمات النظام المضادة في تلک المناطق، وباختصار يبدو الآن أن النظام وقع في موقف دفاعي علی نطاق واسع، ويبدو أن قبضته علی غرب حلب فقدت قوتها بسبب ضعف خطوط الإمداد إليها.
تصاعد الانشقاقات داخل دائرة النظام
يرتکز النظام في هيمنته علی أربع وکالات مخابراتية، وصرح النظام في منتصف مارس/آذار علناً بأن رؤساء اثنين منها قد تم فصلهم. کما أن طريقة التخلص من مدير الأمن السياسي رستم غزالة ورئيس المخابرات العسکرية السورية رفيق شحادة لم يسبق لها مثيل، وهناک تقارير غير مؤکدة تفيد بأن غزالة وشحادة اختلفا بشأن اعتماد النظام علی إيران، وأنه في أعقاب جدل بينهما تم نقل عزالة إلی المستشفی بعد تعرضه للاعتداء الجسدي.
جاء التخلص منهما عقب رحيل حافظ مخلوف، ابن خال الأسد الذي کان رئيس جهاز الأمن العام للعاصمة دمشق ذو الأهمية الکبری والذي غادر البلاد، وأفادت التقارير أنه رحل إلی روسيا أو بيلاروسيا في الخريف الماضي. کان مخلوف وغزالة وشحادة جميعهم من أعضاء الدائرة الداخلية، ويشير رحيلهم في غضون ستة أشهر إلی الخلاف الداخلي الکبير في النظام الذي لم نشهده من قبل خلال ثلاث سنوات ونصف من الحرب.
کما أمر الأسد مؤخراً باعتقال منذر الأسد في محافظة اللاذقية، رغم أنه لم يکن من أعضاء الدائرة الداخلية للنظام، لکنه کان عضواً محلياً بارزاً من عائلة الأسد وکان اسمه علی قائمة عقوبات عديد من البلدان بسبب دعمه المادي للنظام، وأدّعی أحد التقارير غير المؤکدة أن منذر کان علی اتصال مع عمه بشار رفعت الذي يعيش معارضاً في باريس، وربما تکون هذه کذبة ولکن القيادة السورية العليا هي شأن عائلي وتتّبع توجيهات عائلتي الأسد ومخلوف وبوادر الخلافات الخطيرة بينهما أمر غير معتاد وهام.
بوادر انشقاق داخل القاعدة الداعمة للنظام
بعد عشرات الآلاف من الضحايا، بدأت بعض البوادر تشير إلی تعب المجتمع العلوي الصغير نسبياً من المعرکة وإرداته الخروج منها. ولم تفلح محرکات تجنيد النظام في اللاذقية ودمشق بدعم شعبي، وبدلاً من ذلک هناک روايات تتحدث عن عائلات تحاول إخراج أبنائها من سوريا. (في المقابل استجاب الشيعة العراقيون بقوة لنداء آية الله السيستاني للتعبئة لمحاربة “الدولة الإسلامية في العراق”) وعلاوة علی ذلک، فإن حرکة “صرخة الوطن” التي نشأت في أوساط المجتمع العلوي استطاعت الاستمرار رغم أن النظام بذل کل جهوده لاجتثاثها بعد تأسيسها في أعقاب تعرضه لخسارات ثقيلة مع فقدان قاعدة الطبقة جوية في صيف 2013. وفي الوقت نفسه حاول النظام تعبئة المجتمعات المحلية الدرزية السورية، ولکن حتی الآن يبدو أنها أکثر ميلاً للحفاظ علی الحياد رغم قرب عناصر داعش من مناطقهم.
استعداد أکبر لمحادثات السلام
رفض النظام بشکل قاطع مناقشة القضايا السياسية في مؤتمر جنيف 2 في يناير/کانون الثاني وفبراير/شباط 2014. ولکنه أرسل وفداً إلی موسکو لمناقشة المسار السياسي في يناير/کانون الثاني ومارس/آذار 2015، يشعر النظام براحة أکبر في التفاوض مع عناصر المعارضة المروّضة في موسکو أکثر من التفاوض مع الائتلاف الوطني لقوی الثورة والمعارضة السورية في جنيف، ولکن استعداد النظام لقبول أي محادثات سياسية هو أمر جديد. وعلاوة علی ذلک کانت لهجته أکثر إيجابية في ختام الجولة الثانية من المحادثات في موسکو، حيث قال رئيس الوفد إن الحکومة وممثلي المعارضة قد وصلوا إلی “أرضية مشترکة بشأن عدد من القضايا الهامة.” ولکن أنکر بعض ممثلي هذه المعارضة في وقت لاحق موافقتهم تجاه هذه “الأرضية المشترکة” مع رفض الحکومة السورية القيام بأي إجراءات لبناء الثقة، وهذا لا يعني أن الأسد مستعد للرحيل بل يشير إلی أنه أقل قدرة علی معاندة الروس أو حتی علی تدمير الأمل بين بعض من القاعدة المؤيدة له في إمکانية إنهاء کابوس الحرب الأهلية.
في ظل الظروف الخاصة بالنظام السوري، کل ما ورد أعلاه هي دلائل علی عجز النظام وقادته يعرفون ذلک، وربما ما نشهده هو مؤشرات علی بداية نهايتهم.
* روبرت فورد: سفير الولايات المتحدة السابق في سوريا
* * معهد الشرق الأوسط: تأسس عام 1946 ليکون أقدم مؤسسة مقرها واشنطن مخصصة لدراسات الشرق الأوسط فقط. أسسه الباحث جورج کامب کيسر ووزير الخارجية الأمريکي الأسبق کريستيان هيرتر، ويهدف إلی: “زيادة المعرفة عن الشرق الأوسط بين مواطني الولايات المتحدة وتعزيز فهم أفضل بين شعوب هاتين المنطقتين “.







