مقالات

إيران ومشروع «المنصة السورية»

 

الحياة
29/12/2016
 
بقلم: حسان حيدر


يخطئ من يعتقد أن إيران تسعی إلی تسوية سياسية في سورية تقوم علی تقاسم السلطة بين بشار الأسد والمعارضة، وأنها لا تملک سوی خيار التماهي مع المسعی الروسي لإعلان وقف إطلاق نار شامل والبدء في مفاوضات الحل في کازاخستان. فإيران التي قد تقبل بانحناء تکتيکي في انتظار مرور العاصفة الروسية، لديها أهداف أخری، بينها استعادة سورية کلها إلی حضن نظام الأسد وإخضاع سائر مکونات الشعب السوري لسلطته، تمهيداً للمرحلة المقبلة من «تصدير الثورة» التي ستهدد دولاً أخری في المنطقة.

تتقاطع الأهداف الإيرانية والروسية في الوقت الحالي عند تعزيز نظام الأسد وتقوية نفوذه وإعادة الاعتراف الدولي به، أو علی الأقل إجبار العالم علی التعامل معه بحکم الأمر الواقع. وتتنابذ هذه الأهداف حول سبل ووسائل تکريس «انتصار» النظام، ولاحقاً حول مستقبل سورية وطبيعة نظامها ودوره الإقليمي.

وتری روسيا من موقعها کدولة کبری تربط بين ملفاتها الإقليمية استراتيجية واحدة، أنه لا بد من تکريس نتائج معرکة حلب في اتفاق سياسي يثبّت أقدام النظام عبر إحداث انشقاق دائم في صفوف المعارضة، بما يحول دون أي إجماع مستقبلي علی المطالبة برحيله. ولذلک دعت إلی مؤتمر في آستانة لإعلان وقف شامل لإطلاق النار والبدء في مفاوضات بين أطراف في المعارضة وممثلي النظام برعايتها.

وفي الوقت ذاته، تحرص موسکو علی إبقاء خياراتها مفتوحة في حال فشل المؤتمر، فتؤکد أن وقف إطلاق النار يستثني التنظيمات الإرهابية، وهذا تعبير فضفاض يمکن توسيعه بسرعة ليشمل الفصائل التي ترفض الانضواء في الخطة الروسية ولا تری لنظام الأسد أي دور في مستقبل سورية.
اأما إيران، وبحکم کونها دولة في حال توسع دائم، فتتعامل مع الملف السوري وفق مبدأ «القضم المتدرج»، وهو اسلوب طبقته بنجاح في دول اخری، ويقوم علی مفهوم نقل «خطوط الدفاع» عن «ثورتها» إلی منطقة أبعد في کل مرة. وهي لا تنظر إلی سورية ضمن حدودها، بل تفترض أن الحدود لم تعد قائمة بين العراق وسورية ولبنان، وتعتبر أن في هذه الدول الثلاث مجتمعة «غالبية شيعية» يحق لها أن تحکمها تحت رعايتها.

وتؤکد طهران أن المسعی السياسي الروسي يفترض أن لا يحول دون استمرار المعرکة ضد «المتطرفين»، وهم في نظرها المعارضة السورية بکل تنويعاتها، وتحتفظ لنفسها، في إطار مشارکتها في اجتماع آستانة، بهامش من المناورة حول التفاصيل والمراحل. وسبق أن أجرت اختباراً لمدی قدرتها علی تعطيل القرار الروسي عندما أوقفت تطبيق اتفاق أبرمته موسکو مع أنقرة لإجلاء المقاتلين والمدنيين من شرق حلب وربطته بإجلاء مدنيين من بلدتين شيعيتين في منطقة إدلب.

أما ترکيا، فدروها استلحاقي، بعدما أدرک أردوغان انه لم يعد للأميرکيين أي دور مقرر في الأزمة السورية، ولهذا قدم «عربوناً» إيجابياً في معرکة حلب، وتبنی وجهة نظر موسکو وطهران في نزع الأولوية عن هدف إزاحة النظام.
ومشارکة إيران مرحلياً في الخطة الروسية، لا ينفي احتمال الانقلاب عليها إذا هددت خطتها البعيدة الأمد بتحويل سورية «منصة» للوصول إلی مناطق أخری، أو عندما يصبح في إمکانها الاستغناء عن الدعم الروسي.

ولأن طهران تدير ميليشيات شتی علی الأرض السورية وترتبط بنظام الأسد بعلاقات تمويل وتسليح، فهي تتحکم إلی حد کبير بالقرار العسکري، بينما يقتصر الوجود الروسي علی قاعدتين بحرية وجوية وعدد محدود من أفراد القوات الخاصة. وهي ليست قلقة من أن يؤدي التقارب المحتمل بين موسکو والإدارة الأميرکية الجديدة إلی تقليص نفوذها في سورية، فباستطاعتها أن تلجأ إذا دعت الحاجة إلی استهداف أمن القوات الروسية في سورية وأمن القوات الأميرکية في العراق، مثلما فعلت سابقاً بالتعاون مع الأسد نفسه.

 

 

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.