ماذا يفعل العرب لدعم التغيير في سوريا؟- رضوان السيد

الشرق الاوسط
11/1/2013
قال بشار الأسد إن الربيع العربي فقاعة قريبة الزوال. وليس من همي هنا مجادلة الأسد في تشبيهه، فسيرته مثل سيرة الحيات لا تنتهي، مثلما يقول المثل العربي. لکنْ علی هذه «الفقاعة» جاء وزير الخارجية الإيراني إلی القاهرة للتفاوض! فرأي إيران الإسلامية وموقفها أن خطاب الأسد فرصة لا تفوت! وهو رأي أو سياسة لا يشارکها أحد فيها حتی روسيا والصين. بيد أن مصر مدت هذا الحبل لإيران منذ أشهر من خلال اقتراحها للرباعية المکونة من مصر وإيران وترکيا والسعودية، لتنتج مبادرة لحل الأزمة السورية. وجاء السعوديون مرة ثم اعتذروا فصارت اللجنة ثلاثية. ومنذ ذلک الحين جاء صالحي إلی مصر أربع مرات، وتحدث في الکثير والقليل إلا في الأزمة السورية.
والأدهی من ذلک أمر خطير عرفناه مؤخرا. فقد نشرت جريدة «القبس» الکويتية في 3/1/2013، وتبعتْها «التايمز» البريطانية في 8/1/2013 أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، زار القاهرة في شهر ديسمبر (کانون الأول) بدعوة من «الإخوان»، وليس من الدولة المصرية. وتختلف الصحيفتان في أهداف الزيارة، فتقول إحداهما إنه جاء ليطْلع أمْنيي «الإخوان» علی تجربة الحرس الثوري ودوره في حماية الثورة بإيران، لأن «الإخوان» يفکرون بإنشاء جهاز مشابه. وتقول الصحيفة الأخری: بل إن الزيارة کانت لشرح سياسات إيران تجاه بلدان «الثورات الإسلامية» باعتبار إيران ولاية الفقيه، ينبغي أن تکون نموذجا لها!
وأيا تکن أهداف زيارة سليماني – إن صحت – فهي داهية الدواهي. فالرجل مسؤول منذ قرابة عقدين عن التنظيمات الإيرانية العسکرية وشبه العسکرية في العالم العربي، وفيلقه يقاتل الآن في سوريا والعراق واليمن ضد الثورات وحقوق الشعوب. وکان قد اشتبک في جدال في الإعلام مع الرئيس أحمدي نجاد قبل قرابة العام، وتهدد بالمحاسبة أمام مجلس الشوری، فکان من ضمن ما دافع به عن نفسه قوله إنه تابع للمرشد الأعلی، وإنه من خلال تعاونه مع التنظيمات الإسلامية في العالم العربي صنع «عشر إيرانات» هي التي ستدافع عنه عند اللزوم! وعلی هذا القياس فإن الجنرال سليماني قد يلجأ لعند «الإخوان» بمصر إذا اضطر، وليس لعند حزب الله بلبنان أو لعند المالکي بالعراق، کما ظننا سابقا، ونعوذ بالله من سوء الظن!
إن هذا الاستطراد الطويل بعض الشيء في الحديث عن بعض سيرة سليماني، سببه الحرکة المحمومة، والجهود المحمومة، التي تقوم بها إيران في سائر أنحاء المشرق والخليج في السنتين الماضيتين. فقد استقر المحور الإيراني وساد في أنحاء المشرق بعد عام 2007 – 2008 علی أثر التفاوض مع الإدارة العسکرية الأميرکية التي بدأت التفکير بالانسحاب من العراق، في مقابل عدم التعرض الإيراني للقوات المنسحبة، وعدم التعرض لإسرائيل. وهکذا حکم الإيرانيون بسلاسة وبمفردهم بعد الشراکة مع أميرکا منذ عام 2003. حکم المالکي في العراق، وتمتع بشار في سوريا التي عاد إليها السفير الأميرکي ودغدغته کل من ترکيا وإيران. وهجم حسن نصر الله فاستولی علی السلطة في لبنان وما يزال، مستخدما القوة من جهة، والتفسيرات التأويلية للخصوصية اللبنانية التي لم تجد غير إيران والأسد لصونها!
ما تغيرت السياسات الإيرانية تجاه المشرق العربي والخليج منذ مطالع القرن الواحد والعشرين علی الأقل. وهي تقوم علی الاستقواء والاختراق، تارة من أجل المساومة مع أميرکا، وطورا من أجل الضغط علی السعودية ودول الخليج الأخری. وفي کلتا الحالتين، استخدمت إلی جانب التنظيمات الشيعية والخلايا المسلحة وغير المسلحة، حرکات المعارضة الإسلامية ضد الأنظمة القائمة. ومن ضمن ذلک تنظيم الجهاد الإسلامي وحرکة حماس في فلسطين. وقد أدارت کل تلک التحرکات ثلاث جهات: فيلق القدس، واستخبارات النظام السوري، وأجهزة حزب الله. وفي المدة الأخيرة، وبعد الربيع العربي سيطرت علی قسم من «الجهاديين» المرتبطين بـ«القاعدة» أو غير المرتبطين. وهي تعتبر أنها ذات فضل علی «الإخوان» بمصر لأنها هدأت أجواء غزة بعد أن أثارت هي الجهاديين هناک، والآتين من السودان عبر البحر الأحمر وسيناء، لکي تظهر مصر بمظهر المنتصر والضامن «لاستقلال» غزة، ولأمن إسرائيل في الوقت نفسه.
وما کان المالکي يميل لدعم نظام الأسد، لکن سليماني أرغمه علی ذلک: بالسماح بإرسال متطوعين، وبالدعم المالي والبترولي، وبالسماح بنقل السلاح والعتاد للأسد في أجواء العراق وأرضه. والإيرانيون هم الذين طلبوا من نصر الله دعم الأسد عسکريا في بعض مناطق الحدود اللبنانية – السورية، وفي دمشق وعلی الحدود من جهتها، وهذا فضلا عن القطعات الإيرانية والخبرات الإيرانية مع قوات الأسد.
وعندما اشتدت الضغوط علی المالکي من جهة الأکراد، ثم من جهة السنة، نصحته إيران بالتشدد بحيث تراجعت التهديدات بسحب الثقة منه في مجلس النواب، وهي تری أنه إن صمد في وجه السنة فسوف يسکنون دونما تحقيق لمطالبهم، مهما ضؤلت. وإن لم يفعل فسيصيبه ما أصاب بشار الأسد. أما موقف مقتدی الصدر فستتمکن إيران من معالجته، کما عالجت مواقفه سابقا. وليس بعيدا أن تزيد التفجيرات ضد الشيعة في العراق، ليعودوا للالتفاف حول المالکي کما حصل قبل الانتخابات الأخيرة.
إن هناک تکتيکين جديدين/ قديمين لدی إيران تجاه العرب في المرحلة الجديدة. الأول الإصرار علی الصمود في المناطق المخترقة مهما کلف ذلک من دماء وخراب. والثاني: الدفع باتجاه ظهور العنف والتوجهات المتطرفة ضمن الثورات والمتمردين في المناطق ذات الکثافة السنية، لتصوير الأکثرية السنية باعتبارها متطرفة في نظر أقليات المنطقة، وفي نظر المجتمع الدولي. وقد نجحت بشکل محدود في التکتيک الثاني کما يظهر من تردد الولايات المتحدة، وأوروبا، تجاه الثورة السورية. أما التکتيک الأول فقد انکشف تماما، لکن إيران لا تأبه وتعتبر أنه إن لم يخضع الثائرون علی المالکي والأسد فلا بد من إبادتهم أو تستجيب الدول الداعمة للتفاوض معها وطبعا علی انتصار المالکي وبقاء الأسد مهما تکن التکلفة والعواقب.
إن الأمل ألا يستجيب المصريون للخنزوانات الإيرانية. فالرئيس مرسي دعا أخيرا إلی محاکمة بشار الأسد بدلا من تنحيته وحسْب. ويکون علينا نحن العرب جميعا أن نعرف أن طول الأمد علی الأزمة السورية هو أمل النظام وأمل إيران، لأن العنف سيبلغ إلی أقصی المدی، وسينتشر بين الثوار أيضا. وبخاصة أنه بعد العجز عن التوحد، والافتقار إلی السلاح بدأ التصنيف إلی إسلاميين وغير إسلاميين، وإلی معتدلين وإرهابيين. وقد تفاوض العرب والأتراک مع کل أحد من دون نتيجة. فلا بد من دعم الثورة والثوار، وتسريع عمليات إسقاط الأسد من طريق الحکومة المؤقتة، ومن طريق التسليح الجيد، وإذا غضبت الولايات المتحدة، فسترضی فيما بعد. وإلا فليقل لنا الأميرکيون وغيرهم ما هو السبيل لإنهاء سفک الدم في سوريا؟!
وإذا کانت إيران تضغط لصون محورها من خلال استعمال السلاح والجيوش غير آبهة بحدود الدول وسيادتها واستقرارها، وحقوق الجوار، فلماذا لا يجري الضغط بالسياسة علی حلفاء إيران وأتباعها رغم إرادة الناس في العراق ولبنان؟ والضغط کما هو معروف يکون بالاتجاهين: الضغط علی المالکي للتراجع عن مظالمه عن طريق التسريع في إسقاط الأسد، والضغط علی الأسد من طريق الضغط علی أصدقائه في لبنان والعراق: فلماذا يبقی مقتدی الصدر من دون مستجيب من العالم العربي والخليج لکي يستطيع الصمود في موقفه غير الطائفي، وغير المتطرف؟ ولماذا تبقی الحکومة القائمة في لبنان وهي تشکل سندا للأسد، وخطرا علی استقرار لبنان وأمنه؟!
يعاني المحور الإيراني من استنزاف شديد. لکنه يأمل من طريق القتال والصمود أن يفوز کما فاز من قبل. فلماذا لا نجد الوسائل ليس للاعتداء علی إيران، بل من طريق دعم الذين يقاومون السيطرة والتشرذم الإيرانيين! والأمل کل الأمل الآن أن لا ينجح صالحي في إقناع المصريين أنه لا بأس بالإبقاء علی «فقاعة» الأسد:
ومن لا يذدْ عن حوضه بسلاحه
يهدمْ ومن لا يظلم الناس يظلم







