الطريق الی دمشق يمر ببغداد

السفير الاردنية
14/4/2012
بقلم: عريب الرنتاوي
يبدو أن معرکة إسقاط المالکي، قد بلغت واحدة من أهم ذراها…تحالف عراقي عريض يضم “المکون الکردي” وقسم رئيس من “الکتلة العراقية” وبعض منافسي المالکي من “المکون الشيعي”، يتحرک بدعم قوي من تحالف إقليمي يضم قطر والسعودية (ترکيا ليست بعيدة عن هذا المحور)…تارة بحجة “رفع القبضة الإيرانية عن العراق”، وثانية بحجة إنصاف “المکون السنيّ” ذي الحقوق المنقوصة، وثالثة لقطع الطريق علی عودة “الديکتاتورية” للعراق، مُجَسّدةً هذه المرة في شخص المالکي الذي يجمع بين يدي رجل واحد، سلطات وصلاحية “نصف دستة” من کبار المسؤولين.
کل ما سبق ذکره عن المالکي وحکومته صحيح…بل وصحيح إلی حد کبير…فالرجل استغل ولاياته المتعاقبة علی رئاسة الحکومة، وجمع بين يديه سلطةً ونفوذاً، لم يحظ بهما رجل واحد في “عراق ما بعد صدام حسين”…ثم أن الرجل اشتهر بإجادته فن “الرقص علی أکثر من حبل واحد”، ولم يسجل حتی الآن، تعثراً أو سقوطاً يمکن أن يودي به وبـ”سطوته”…قريب من واشنطن وحليف لإيران…خصم نظام الأسد اليوم حد التلويح بطلب تشکيل لجنة تحقيق دولية علی شاکلة لجنة التحقيق بقضية الحريري، وحليف للأسد غداً، إلی حد التساؤل “ولماذا يسقط الأسد؟”…بدأ بمشروع الأقاليم منافحاً عن الفکرة ومروجاً لها، وانتهی خصماً شديداً لدعاتها وأنصارها الذين باتوا يترکزون في المحافظات السنية…تحالف مع الأکراد، وهو اليوم اکبر مهدد لمشروع بناء دولة کردية منفصلة، لا يکف السيد مسعود البرزاني عن التلويح بها، کلما وقع “استعصاء” داخل المنطقة الخضراء.
وافق علی اتفاق أربيل لتقاسم السلطة بين مختلف التيارات والکتل العراقية الفائزة في الانتخابات، واستمر في إدارة الظهر لکل بنوده الأساسية…انتقل إلی موقع السلطة الأول من علی رأس أصغر الأحزاب السياسية الشيعية، لينتهي إلی موقع الشخصية الشيعية الأقوی والأبرز، والرقم الصعب في معادلة “المذهب” و”الدولة” و”العملية السياسية العراقية”.
کل هذا کان واضحاً…بل وأصبح واضحاً وضوح الشمس منذ وقت طويل نسبياً…لکن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: لماذا فُتحت المعرکة علی المالکي الآن، وفي هذا التوقيت بالذات؟…وکيف أمکن بناء کل هذه “الجبهة الوطنية/الإقليمية” العريضة في مواجهة الرجل؟…هل بدأ العد التنازلي لأيام المالکي الأخيرة في موقع رئاسة الحکومة العراقية؟
إلإجابة علی هذه الأسئلة والتساؤلات، لا تجدها في بغداد، بل في دمشق…فالرجل وحکومته و”الائتلاف العراقي/الإقليمي” الذي يتکئ عليه، لم يخف وقوفه إلی جانب نظام السوري بشار الأسد…وهو لم يشعر بالحرج عندما رفض تنحي الرئيس السوري من علی شرفة في البيت الأبيض الأمريکي، وعلی يمينه الرئيس الأمريکي باراک أوباما شخصياً…وهو برغم التنازلات التي قدمتها لتمهيد الطريق أمام قمة بغداد، لم يتورط في کسر “خطوطه الحمراء”، أو الانتقال من خندق دعم النظام في دمشق، إلی خندق القتال ضده…وثمة أقاويل ومعلومات عن دعم عراقي للنظام السوري، ولا معنی للعقوبات المفروضة علی دمشق إن لم تلتزم بها بغداد، وهذا لن يتحصًل بوجود المالکي علی رأس الحکومة العراقية….لهذا السبب، وربما لهذا السبب بالذات، استحق الرجل کل هذه الغضبة القطرية – السعودية..فالطريق إلی دمشق باتت تمر ببغداد من منظور “التحليل السياسي” لهذا المحور.
والحقيقة أنه لا يمکن النظر للتحفظ الخليجي (السعودي – القطري) علی قمة بغداد، ورئاسة العراق للقمة العربية…لا يمکن النظر للحفاوة التي استقبل بها نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي في الرياض والدوحة…وحديث البلدين علی “تهميش السنة” في العراق، إلا في سياق الأزمة السورية وتفاعلاتها، والتي تکاد تأخذ المنطقة إلی “فالق زلزالي” سنّي – شيعي غير مسبوق…لقد أخذت المعرکة للإطاحة بالنظام السوري تدور رحاها في بغداد وأربيل، ويبدو أن خصوم الأسد والمالکي، باتوا يتعاملون مع رأسيهما کرزمة واحدة.
هي معرکة ذات طبيعة “استراتيجية” علی تواضع أدواتها ووسائلها وشعاراتها…هي معرکة مع إيران وهلالها ومحورها…ويمکن القول أنها “أم المعارک” علی هذه الجبهة…الأمر الذي يجعل الرهان علی حل قريب وسريع لها، رهاناً في غير محله…وقد تفضي الطريق إليها، لا إلی تقسيم سوريا وإشاعة حرب أهلية بين مکوناتها فحسب، بل وقد تعيد شبح الانقسام والحرب الأهلية، ليخيم علی المشهد العراقي من جديد…وأحسب أن تلويح البرزاني بالانفصال في دولة کردية مستقلة، ليس سوی “أول غيث” هذه المواجهة الإقليمية الشاملة.
خصوم المالکي کثر، وهو يمثلون جبهة محلية – إقليمية واسعة النطاق والنفوذ…بيد أن أصدقاءه ليس أقل “وزناً” أو تأثيراً…إيران التي أظهرت استماتة لافتة في الدفاع عن نظام الأسد، ستبدي “شراسة” غير مسبوقة في الدفاع عن نفوذها ومصالحها وحلفائها في العراق…وهي مستعدة لهذه الغاية لبذل کل ما يمکن أن تصل إليه يداها، من أجل إنقاذ مصالحها وحليفها…وليس بعيداً أبداً أن نشهد حرکة اصطفافات وتحالفات متحرکة في قادمات الأيام…ليس بعيداً أن تمتد شظايا الحرب علی المالکي إلی عموم العراق، بل وإلی دول في الإقليم، أخذت تغلي علی مرجل الأزمة السورية، بما فيها لبنان ودول خليجية…ألم نقل أن الزلزال السوري الذي بدأ من درعا، سيطال الإقليم برمته؟…ها نحن نشهد “أول الرقص” علی إيقاع الأزمة السورية”







