نجاح المفاوضات الأميرکية – الإيرانية يتوقف علی الکونغرس!

الشرق الاوسط
12/6/2014
بقلم: هدی الحسيني
عندما وقعت أحداث أوکرانيا وشبه جزيرة القرم، توقع کثيرون أن تغرق روسيا بتلک الأزمة فيتغير الوضع في سوريا. هذا بالفعل ما خطط له الأميرکيون إنما لأبعد من سوريا أي حتی إيران.
تحريک أوکرانيا کان للضغط علی الروس لتغيير موقفهم من سوريا، وإذا ما انشغل الروس بأوکرانيا تضعف إيران. کانت الفکرة أنه عندما تری طهران أن موسکو بدأت تتراجع في سوريا، تصبح متوترة وعندها تبدأ التفاوض بجدية.
ما حصل کان العکس وباعتراف مصدر أميرکي وثيق الاطلاع، ضمت روسيا جزيرة القرم، فأعلن صندوق النقد الدولي أنه يتعهد بمبلغ 17 مليار دولار، لکن تسهيلات صندوق البنک الدولي تأتي بشروط، واکتشف الغرب أنه لتصحيح الاقتصاد الأوکراني هناک حاجة لضخ 25 مليار دولار فورا، الأمر غير المتوفر خلال الأزمة الاقتصادية العالمية، وهکذا أثبت الروس أنهم قادرون علی تجاوز الخضات، وأن لديهم استراتيجية يتبعونها وشعر الغرب بأنه في وضع لا يحتمل ردا عسکريا ولا ردا اقتصاديا، لأن المقاطعة التي استطاعوا تطبيقها کانت ضد أشخاص، خصوصا أن الشرکات الغربية الکبری (أميرکية، بريطانية، فرنسية، ألمانية إلخ..) تستثمر في روسيا مثل شرکتي النفط «إکسون»، و«بي. بي»، والشرکة الألمانية «سيمنز»، ثم إن شرکة «کوکا کولا» تبيع بمبلغ سبعة مليارات دولار سنويا في روسيا.
رأت روسيا أن الغرب يستعمل أوکرانيا کجبهة له في مواجهتها، لم تلجأ إلی المواجهة المفتوحة، لجأت إلی استغلال نقاط الضعف وأبرزها الاقتصاد الأوکراني، وبالتالي إذا اختار الغرب استعمال أوکرانيا ضدها، فلير کم سيکلف ذلک.
کل هذا جعل الإيرانيين يشعرون بأنهم أقوی، والنظام السوري أکثر ثقة لأن الروس أثبتوا أن لهم وجودا، وأنهم حاسمون ولم يتراجعوا.
يقول: باختصار أميرکا تريد الانسحاب عسکريا وعدم الدخول في حروب جديدة، والأفضلية للسياسة الأميرکية «الحالية » الوصول إلی اتفاق مع إيران، ولن ترد علی البعض الذي يتساءل، لماذا لا تطلب الموضوع السوري من إيران؟
إدارة الرئيس باراک أوباما ترفض «مزج الأمور»، بعد الاتفاقية (!) تستطيع أن تناقش أمن الخليج، الإرهاب وعملية السلام «لأن لإيران دورا في کل هذه القضايا».
تری الإدارة الأميرکية في الاتفاق النووي أنه سيقوي جبهة الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، لأن برنامج روحاني الانتخابي «وعد» بتحسين الاقتصاد ورفع العقوبات، وکان هناک تلميح لإطلاق سراح السجناء السياسيين، لکن حسب مفهوم الإدارة الأميرکية فإن المتشددين في إيران والحرس الثوري لا يريدون هذا وقد «يزعزعون» المفاوضات.
السؤال الملح لدی الإدارة الأميرکية هو: هل الاتفاق سيتم التوصل إليه قبل 22 يوليو (تموز) المقبل – الوقت الزمني الذي حدد لانتهاء الستة أشهر المفروضة للمفاوضات – أو بعد انتخابات الکونغرس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
إذا لم يحصل الاتفاق سيکون أمام أوباما خياران: إما فرض مقاطعة إضافية أو الحرب، لکن لا يمکن لأوباما أن يتدخل عسکريا.
يقول محدثي: السلاح الأميرکي هو المقاطعة.
في زيارته الأخيرة واجتماعه مع وزراء دفاع دول مجلس التعاون الخليجي، سمع تشاک هيغل وزير الدفاع الأميرکي وجهة نظر تقول إن اتفاقا نوويا حسب الشروط الإيرانية سيساعد إيران علی کسر الحصار الاقتصادي والمالي وتصبح أکثر ترکيزا علی إثارة المشکلات، وستزداد قوة (ما جری يوم الاثنين في ترکيا خرق لنظام المقاطعة).
کان الرد الأميرکي أن للولايات المتحدة 35 ألف جندي في الخليج، نشرت شبکة نظام صواريخ دفاعية، لها 50 سفينة حربية، أعدت خططا حديثة لمواجهة أي تحرک إيراني، باعت الدول الخليجية أحدث الأسلحة، ثم لديها طائرات «إف – 22» المقاتلة الأکثر تقدما، وأجرت مناورات عسکرية مع دول الخليج والأردن، وأخيرا هي ملتزمة بأمن الخليج.
الاتفاق مع إيران لن يکون إلا حسب الشروط الأميرکية: ستصر علی «تفتيش اقتحامي» بحيث يحق للمفتشين الذهاب إلی أي مکان، وفي أي وقت وسيکون هناک رقابة دائمة، حتی إذا خدع الإيرانيون تعود المقاطعة!
يقول المصدر الأميرکي، إن الرئيس أوباما يفکر بترکته، وهناک شعور أنه إذا اتفق الأميرکيون والإيرانيون ورفع الحصار، يمکن لإيران أن تنفتح أکثر علی الدول الخليجية، ثم إذا وقعت أميرکا علی الاتفاقية مع إيران فإنها ستبذل جهدها لتثبت للخليج أنها ملتزمة بأمنه!
کيف؟ يجيب: ستطلب من إيران تعديل وتغيير مواقفها إزاء التدخل في البحرين واليمن ولبنان، الآن لا تريد طرح هذه القضايا (…) إذا وقعت الاتفاقية سيکون علی إيران تغيير مواقفها من التدخل ودعم الإرهاب.
حسب محدثي، فإن التوصل إلی اتفاق يعني انتصار المعتدلين في إيران وهذا ما تريده واشنطن، لأنه مع الاتفاق ستتغير السياسة الإيرانية تجاه الخليج، بحيث «تصبح أکثر إيجابية» وقد تؤثر علی الرئيس السوري بشار الأسد وسياسته. يضيف: طرح الإيرانيون استعدادهم لإخراج کل الموالين لهم من المسلحين من سوريا مقابل انسحاب بقية المسلحين الآخرين، والذي حدث أنه عندما دعا بان کي مون الأمين العام للأمم المتحدة إيران للمشارکة في اجتماعات جنيف (بين النظام السوري والمعارضة)، حصل ضغط من «إيباک» والجمهوريين علی أوباما، «لذلک تقول الإدارة لا نريد فعل أي شيء، (سوريا، فلسطين) حتی تنتهي المفاوضات حول النووي مع إيران».
يصر علی أن الإدارة کانت تريد مشارکة إيران في تلک المفاوضات، لکن بسبب الضغط تراجعت، إلا أنها حتی الآن تری أنه لحل الموضوع السوري هناک حاجة إلی المملکة العربية السعودية، وإيران، وترکيا والأردن وروسيا بالإضافة إلی أميرکا.
وقبل الوصول إلی سوريا، فإن الولايات المتحدة خائفة في حال تم التوصل إلی اتفاق مع إيران، أن تقوم إسرائيل وأصدقاؤها والجمهوريون وبعض النواب الديمقراطيين بعرقلته، فلا يرفع الکونغرس قرار المقاطعة. «عندها ستحرج أميرکا أمام العالم الذي ستکشف له إيران کيف تتعامل الدولة العظمی مع توقيعها، لهذا أوقفت عملية السلام الفلسطيني – الإسرائيلي لأنها لا تريد أن تضغط علی إسرائيل».
من جهة أخری عقدت «مشاورات» مباشرة بين إيران وأميرکا. الأولی نسيت «الموت لأميرکا» والثانية أرادت کسر الجمود. وقال مسؤول أميرکي لوکالة «رويترز» إنه من أجل معرفة إمکانية التوصل إلی حل دبلوماسي مع إيران حول برنامجها النووي نعتقد أننا نحتاج إلی التواصل معها بدبلوماسية جد حيوية وهجومية.
هذا يکشف ألا تقدم في المفاوضات مع إيران، وأنه لا يمکن التوصل إلی اتفاق لا يکون اتفاقا حقيقيا لأن الکونغرس الأميرکي يمنع ذلک، وقد يمنع تمديد المفاوضات ستة أشهر أخری، کما ترغب إيران، إذا لم يکن هناک ما يثبت أن الأشهر الإضافية ستکون مثمرة. لذلک فإن محادثات جنيف الأميرکية – الإيرانية هي موجهة للکونغرس الأميرکي وليس لأي طرف آخر. أميرکا تريد أن تقول إن هناک تقدما وبالتالي تمنع الکونغرس من التحرک لفرض مقاطعة إضافية، وإيران تريد إنهاء محادثات جنيف بطريقة تظهر تفاؤلها أيضا من أجل منع الکونغرس من الاستمرار في التشدد بالمقاطعة، لکن هل تستطيع إيران أن تقول علنا إن المحادثات جيدة وهناک تقدم؟
ما جری في جنيف کان مجرد تقديم استعراض يقبل به الکونغرس. لکن السؤال هو هل الإيرانيون سيعطون حبلا طويلا لأوباما يستطيع السير عليه بين مقاعد الکونغرس؟ قد تعتبر الإدارة أن جلوسها للمرة الأولی وبشکل مباشر مع إيران ومن دون أوروبا، هو إنجاز بحد ذاته، وبالتالي علی الکونغرس ألا يکسره أو يعطله. لکن ماذا علی إيران أن تقول هي الأخری للکونغرس الأميرکي، فاللعبة فيها اثنان أميرکا وإيران!
يأتي المصدر الأميرکي علی ذکر مصر يقول إن وزيري الخارجية والدفاع جون کيري وتشاک هيغل ورئيس الأرکان مارتن ديمبسي يريدون إرسال بعض الأسلحة إلی مصر کطائرات هليکوبتر، لکن السيناتور الديمقراطي باتريک ليهي رئيس اللجنة في الکونغرس التي تسمح للحکومة بأن تقدم المال لشراء الأسلحة، يرفض لأنه غير مقتنع بنزاهة ما جری في مصر.
يضيف أن الإدارة تريد تقديم هذه المساعدات لسببين: السماح للطائرات الأميرکية بالطيران فوق مصر وللبوارج والسفن بعبور قناة السويس، ثم الالتزام المصري باتفاقية «کامب ديفيد».
السخرية في التوجهات الأميرکية، أنه بينما أرسلت واشنطن إلی «المشاورات» – کما سمتها مع طهران ويليام بيرنز نائب وزير الخارجية ووندي شيرمان وکيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية وجايک سوليفان المستشار السياسي الأول لنائب الرئيس ومهندس التقارب مع إيران، أرسلت توماس شانون المستشار في وزارة الخارجية للمشارکة في تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي.
فهل إدارة أوباما تستعجل لکسب إيران مقابل رغبتها في خسارة مصر؟ ثم هل ستکسب إيران؟







