تظاهـرات العـراق… شـرارة نـزاع أکبـر من خـلاف المالکي ـ العيساوي- هيفاء زعيتر

جريدة السفير اللبنانية
9/1/2013
بقلم: هيفاء زعيتر
لم يکد الرئيس العراقي جلال طالباني يصل إلی ألمانيا للعلاج من الجلطة الدماغية التي أصابته، حتی انفجر الخلاف السياسي – الأمني علی مختلف الجبهات العراقية: السنيّة – الشيعيّة، العراقيّة – الکرديّة، المعارِضة – الموالِية…
وهکذا، منذ حوالی الأسبوعين، يعمّ العراق جدل سياسي حادّ، بين البرلمان والحکومة تحديداً، ترافقه تظاهرات حاشدة موزعة بين معارِضة للحکومة وأخری موالية لها، وثالثة تبحث عن مساحة لرفع الصوت بسلسلة من المطالب المتراکمة منذ عقود تحت شعار: «الربيع العربي» الأکثر شهرة: «الشعب يريد إسقاط النظام».
في الواقع، ليست الأزمة مستجدة علی العراق، فالأخير يعيش منذ سنوات سلسلة أزمات سياسية تهدّد دوماً بتفجير الوضع الأمني، في مشهد يعيد إلی الأذهان مأساة الحرب الأهلية الماضية.
لکن الأزمة هذه المرة مختلفة. هذا ما يؤکده أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إحسان الشمري لـ«السفير»، وهذا ما يفضحه السياق الداخلي والإقليمي المشتعل (سوريًا تحديداً)، إذ ما يحصل في العراق اليوم سياسياً وأمنياً وشعبياً يأتي في مرحلة يراهن فيها کثيرون علی موقع العراق في ظلّ «مخاض» تشکيل القوی في المنطقة. إذاً، المشهد من العراق حسّاس بشکل استثنائي ويقتضي قراءة متأنية تختلف إلی حدّ بعيد عن سابقاتها.
في الحقيقة، الحدث الذي فجّر الأزمة الحالية ليس جديداً، لا لجهة الشکل ولا المضمون، لکن العبرة اليوم تکمن بحسب الشمري في انتقال الخلاف من أروقة السياسة إلی الشارع العراقي، ما يُنذر بإمکانية تکرار سيناريو الصراع الأهلي بين عامي 2006 و2007، إذا لم يسارع السياسيون إلی احتواء الأزمة.
وبالعودة إلی تفاصيل ما جری، يظهر انه في 22 کانون الأول الماضي، عمدت الحکومة إلی اعتقال عشرة أفراد من قوة حماية وزير المالية والقيادي في «القائمة العراقية» رافع العيساوي، ومن بينهم آمر فوج الحماية محمود العيساوي، بتهمة الإرهاب. المشهد أعاد العراقيين إلی عام مضی عندما سعت السلطات العراقية إلی اعتقال نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي وحراسه بالتهمة ذاتها. من هنا، رأی المعارضون لحکومة المالکي والسنّة تحديداً، أن حادثة العيساوي بمثابة «تکرار متعمّد» لحادثة توريط الهاشمي (الموجود في ترکيا والمحکوم بالإعدام غيابياً) و«استهداف منظّم لرموز السنّة البارزين».
مرّة أخری، استحضر الأفرقاء العراقيون الانقسام الطائفي منطلقا للصراع وحجة لاتهام الخصوم باستهداف المکونات المغايرة لمعتقداتهم. وتحول الخلاف، حسب الشمري، من «صراع سياسي» إلی «صراع مکونات»، حيث يعزف الجميع علی الوتر الطائفي الذي يهدّد بالعودة إلی استخدام السلاح. وخرجت بعض الأصوات من الأنبار والمدن السنّية الأخری ممهلة الحکومة 24 ساعة لإطلاق سراح أفراد حماية العيساوي، وإلا الذهاب إلی العصيان المدني أو الانفصال.
وکان العيساوي قد شنّ قبل أيام من اعتقال أفراد حمايته هجوماً عنيفاً علی المالکي، وطالب البرلمان بسحب الثقة منه. أما بعد الاعتقال، فاتهم العيساوي رئيس الوزراء بأنه يتصرف «تصرف عصابات لا تصرف حکومة»، معلّقاً بالقول: «إن کان هذا العمل طريقة لتدجين الانتخابات، فأنا لن أتراجع حتی إن اعتقلوا جميع أفراد حمايتي».
في المقابل، برّرت الحکومة حادثة العيساوي باعتبار أنها جاءت تنفيذاً لأمر قضائي صدر عقب اعترافات موثقة أمام لجنة من تسعة قضاة أغلبهم من العرب السنة، وقد «نفذتها وزارة الداخلية التي تُعتبر وزارة تنفيذية، ولا دخل لها بالصراعات السياسية».
التظاهرات والتظاهرات المضادة
مهما کان سبب الخلاف، لم تنجح الحکومة في امتصاص تبعات الإجراء الأخير، إذ وجد المالکي نفسه بعد حادثة العيساوي بمواجهة مجموعة من المشکلات الداخلية والخارجية. وإضافة إلی مشکلته المتأصلة مع الأکراد، التي عزّزها غياب طالباني «صمّام الأمان»، تفاقمت أزمته مع السنّة، وتحديداً مع «القائمة العراقية» بقيادة «خصمه اللدود» إياد علاوي، ومع التيار الصدري بقيادة مقتدی الصدر ومع مجلس القضاء الأعلی، وکذلک مع بعض دول الجوار، وبشکل أساسي مع ترکيا وقطر اللتين اتهمهما بإذکاء السخط الشعبي في وجهه. مع العلم أن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي الشيخ هُمام حمودي هدّد أمس الأول قائلاً: إن لجنته ستتخذ موقفاً من الدول التي يثبت أنها تغذي الفوضی في البلاد من خلال دعمها التظاهرات، وبشکل أساسي ترکيا وقطر.
وعلی امتداد الأسبوعين الماضيين، شهدت المدن العراقية تظاهرات وتظاهرات مضادة، کان الشارع العراقي يختبر فيها مراکز الثقل الجماهيري والقدرة علی التغيير من الشارع. فمن جهة، عمّت مدن الأنبار والرمادي والفلوجة وتکريت وسامراء وصلاح الدين تظاهرات طالبت بوقف استهداف السنة وإطلاق سراح جميع المعتقلين بتهم الإرهاب، من بينهم سجينات اشتکين مؤخراً من اعتداء عناصر الأمن في السجن عليهن، وإلغاء قانون مکافحة الإرهاب. کما قامت التظاهرات بقطع الطريق الذي يربط العراق بسوريا والأردن علی امتداد أيام متتالية. ورفع البعض أعلاما وشعارات داعمة للنظام العراقي السابق، في وقت خرج نائب الرئيس السابق عزة الدوري في تسجيل مصوّر اتهم فيه الحکومة العراقية بتنفيذ ما وصفه بـ«المشروع الصفوي الفارسي لتقسيم العراق إلی دويلات منذ 7 سنوات وإلحاقه بإيران»، معرباً عن دعمه للجماهير «الثائرة» والمعتصمة في الأنبار ونينوی. وبالأمس، تفاعلت قضية قطع الطرق حيث أعلنت السلطات العراقية قطع الطريق مع عمان في محافظة الأنبار عند معبر طريبيل، في وقت اعترض فيه سکان المحافظة علی خطوة اعتبروها تهدّد اقتصادهم لأنها «تسدّ رئة العراق الوحيدة»، نتيجة اندلاع الأزمة السورية وعدم حيوية المعبر مع السعودية. وعمد مجلس الأنبار إلی رفع دعوی قضائية ضدّ الحکومة لإعادة فتح المعبر، بينما خرج مصدر أمني مطلع ليعزو إقفال الطريق إلی البحث عن عزة الدوري، بحسب ما نقلت صحيفة «العرب اليوم» الأردنية.
في المقابل، خرجت تظاهرات مؤيدة لرئيس الحکومة في مناطق کربلاء والکوت والديوانية والبصرة والسماوة. وتظاهر الآلاف، أمس الأول، في مدن شمال وغرب البلاد لـ«استنکار إلغاء المادة 4 من قانون الإرهاب وعودة البعث إلی الساحة العراقية».
واتهمت التظاهرات دولاً خارجية بالوقوف وراء التوتر في البلاد، فحملت لافتةُ أحدِ المتظاهرين في کربلاء عبارة: «لن نسمح لترکيا وقطر بزرع الفتنة والدمار في العراق». وهو السبب ذاته الذي يتبناه المالکي في شرحه الأزمة، حيث اتهم «التنافس الإقليمي» والاستقطاب الموجود في المنطقة وما يحيط بنا من توتر طائفي بـ«إلقاء ظلاله الثقيلة علی العراق» وتحريک الشارع العراقي.
کما اتهم، في احتفال تأسيس الشرطة الـ91 أمس، أحزابا سياسية بالوقوف وراء التظاهرات، معبراً عن تفهمه لمطالب المتظاهرين شرط ألا «يزرعوا الفتنة». وتأتي هذه التظاهرات بعد يومين علی حملة أطلقها ح والی 110 نواب عراقيين هدفها جمع تواقيع لسحب الثقة من رئيس البرلمان أسامة النجيفي، بسبب «إظهاره الانحياز لمصلحة کتلة دون أخری».
وکان النجيفي قد دعا إلی جلسة طارئة يوم الأحد الماضي لکن تمّ تحويلها إلی جلسة تشاورية، بسبب عدم اکتمال النصاب القانوني بعد مقاطعة ائتلاف «دولة القانون» التابع للمالکي.
وأمس کذلک، قاطع وزراء قائمتي «العراقية» و«التحالف الکردستاني» اجتماع مجلس الوزراء الذي شهد تشکيل لجنة لتلقي طلبات المتظاهرين «المشروعة»، في وقت وافق فيه مجلس النواب علی طلب استجواب المالکي الذي تقدم به 50 نائباً. يُذکر أن الجلسة رُفِعت أمس الأول بسبب مشادة بين نواب «ائتلاف دولة القانون» والتيار الصدري. وکان الصدر قد عبّر قبل أيام، أثناء زيارته کنيسة «سيدة النجاة»، عن دعمه المتظاهرين قائلاً: «نحن مع حقوق الشعوب في التظاهر السلمي المدني علی ألا يکون مسيساً، أو يحمل صوراً وأعلاماً وشعارات مناوئة للعراق وشعبه».
الانتخابات المبکرة… هل تکون حلاً؟
بدأت دائرة الحديث عن انتخابات مبکرة تتسع مع احتدام الأزمة العراقية، وقدمها بعض المحللين علی أنها الحلّ الوحيد لإنهاء الأزمة، مع العلم أن الانتخابات العامة مقرّرة في العام المقبل بينما تُنتَخَبُ مجالسُ المحافظات بعد ثلاثة أشهر.
وفي ظلّ غياب حلول طويلة الأمد، ومع تحکّم العنصر الإقليمي بأکثر من ثلثي المعضلة، حسب الشمري، يصبح الحديث عن حلّ داخلي مستدام فاقداً المعنی، وإن کان ما زال البعض يعوّل علی العودة إلی طاولة الحوار. وکما التظاهرات، يحاول الطرفان استغلال سلاح الانتخابات المبکرة لضرب الخصم. فقد هددت «القائمة العراقية» بأنها ستلجأ لحل الحکومة والدعوة للانتخابات في حال استمرت الأزمة، مقابل طرح المالکي حل البرلمان والدعوة للانتخابات.
مع العلم أن حل مجلس النواب يتطلب أغلبية مطلقة من الأصوات في الوقت الذي لا يزال مجلس الوزراء والبرلمان يعقدان جلساتهم بشکل طبيعي.
في المقابل، يری عدد من المتابعين أن هذا الخيار قد لا يشکّل حلاً لطبيعة بعض المطالب، لا سيما ان الأغلبية طائفية بطبيعتها، الأمر الذي يهدّد بتعميق الشرخ.
إلی ذلک، يبقی الملف الأمني التحدي الأکبر لجميع الأطراف، إذ لا يمرّ يوم من دون وقوع أحداث عنف، تتباين في حدتها ودرجة تنظيمها، ولا يُقصّر تنظيم «القاعدة» في تطعيمها بين الفترة والأخری بانفجارات قاتلة حيث تبنی التنظيم في بيان نُشر أمس «جميع الهجمات الدامية التي شهدها شهر کانون الأول في العراق والتي سقط ضحيتها 23 عراقياً وأکثر من ثمانين مصابا».
ولم ينسَ تنظيم «القاعدة» توجيه التحية إلی المتظاهرين العراقيين الذين يقفون في وجه الحکومة العراقية «الصفوية»، التي تتبع إيران.







