هل تجرّع خامنئي سمّ النووي؟

صحيفة العربي الجديد
26/7/2015
بقلم: وائل نجم
أعادنا التوقيع علی الاتفاق النووي الإيراني بالذاکرة إلی قرار مجلس الأمن في 1988 الذي قضی بوقف إطلاق النار بين إيران والعراق، بعد حرب ضروس استمرت ثماني سنوات. يومها وقّع الخميني علی قرار وقف النار، وقال: “أهون عليّ أن أتجرّع السمّ من التوقيع علی هذا القرار”، لاعتبارات عديدة سياسية وداخلية وإيديولوجية. اليوم، يوقّع المرشد الأعلی (علي خامنئي)، الذي يشغل موقع الخميني، علی الاتفاق النووي، بعد مفاوضات بدأت قبل 12 عاماً تفاوتت فيها الضغوط والمطالب والشروط المتبادلة والظروف المختلفة، فهل يقول المرشد، في سرّه، إنه يتجرّع سمّ النووي من أجل إنهاء العقوبات الاقتصادية التي أرهقت کاهل الحکومة الإيرانية والشعب الإيراني، وکادت في لحظة أن تجعل “الثورة” تفقد زمام السيطرة علی البلد؟
يدرک المتابع للوضع الإيراني حجم التأثير الذي أحدثته العقوبات الاقتصادية علی إيران، علی الرغم من أن الحصار الذي فرض عليها جعلها تفکّر في البدائل الدائمة، وجعلها تتجاوز، أحياناً کثيرة، المآزق والمشکلات عبر الحلول المبتکرة محلياً، بل أکثر من ذلک حفّز الحصار العقول الإيرانية علی الإبداع والابتکار في المجالات العلمية والتطوير، فضلاً عن أنه ترک الفرصة للنظام لاستثمار هذا الحصار لصالحه، من خلال تصويره علی أنه يستهدف إرادة الشعب الإيراني الذي لم يجد بداً من الاصطفاف خلف قيادته، بغض النظر عن نظرته إليها، طالما أن الاستهداف هو للشعب ومقدراته، وليس للنظام والحکومة.
حرمت العقوبات الاقتصادية والحصار إيران من الحصول علی کثير من قطع الغيار لکثير من الآلات المتوفرة عندها، کما أنه حرمها من الحصول علی أسلحة نوعية من دول مختلفة، ومن إمکانية تطوير البنية التحتية الإيرانية، حتی تواکب حرکة التطور التي طاولت دولاً مماثلة في الإقليم، والأهم أنه حرمها من موارد مالية کبيرة من عائدات النفط والغاز وسواها، علماً أنها تملک احتياطاً کبيراً منهما، ومع ذلک، جعل الحصار إيران تتحول إلی دولة تستورد البنزين، والأخطر أن الحصار والعقوبات التي حرمت الخزينة من موارد کثيرة ترکت فئات کثيرة من الشعب في حالة فقر وحاجة في ظل السياسات التي اتبعتها الحکومات التي أعقبت “الثورة” في توزيع ثروات البلاد واستثمارها في مشاريع خارجية في لبنان وسورية وغيرها، وقد خرجت تظاهرات، في أوقات سابقة، تردد علناً رفض صرف الأموال الإيرانية علی حزب الله في لبنان أو علی حرکتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وقد بلغت هذه العقوبات مبلغاً بدأت فيه تؤذي مفاصل الدولة الإيرانية، وقد بدا ذلک من خلال التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها روحاني باعتباره إصلاحياً سيضع حداً وحلاً لمشکلة العقوبات التي ضاق بها الشعب الإيراني ذرعاً.
کان المرشد يدرک هذه الحقائق، ويدرک أن تأثير “الثورة” في المدن بات شبه منته، وأن تأثيرها في الأرياف في طريقه أيضاً إلی التلاشي والأفول، في ضوء انحسار تأييد المدن مسار “الثورة” وانحيازها (المدن) لصالح منطق الدولة. وبالتالي، کان لا بدّ من استيعاب هذه المرحلة بخطوات وقرارات ليست معهودة، وهي بالطبع کـ “تجرّع السم” من أجل حماية “الثورة” من الشعب، من خلال هذه الخطوات التي لا بدّ أن تترک أثرها علی الداخل، في ظل الانفتاح المتوقع بين إيران والدول الأخری. ولکن ذلک أيضاً سيف بحدّين، فقد يکون هذا الانفتاح مدخلاً لتغيير کبير في المشهد الإيراني، عندما يلمس الشعب حجم الفروق بينه وبين غيره من الشعوب علی مستوی مساحة الحرية ومستوی الدخل، وما سوی ذلک.
فوّض المرشد الرئيس روحاني بالتوقيع علی الاتفاق، علی الرغم من معارضة کبيرة داخل الحرس الثوري الإيراني، وقَبِل أن تفتح المنشآت الإيرانية أمام لجان التفتيش الأممية من دون اعتراض، وقبل أن يبقی الحظر علی السلاح التقليدي خمس سنوات، وعلی الصواريخ ثماني سنوات، وقبل تخفيض نسبة التخصيب، وباقي الشروط التي في معظمها قاسية بحق إيران، ما يمسّ في مکان ما سيادة الدولة وهيبتها، لکن خامنئي أدرک، في مقابل ذلک کله، أن حجم الخسارة في حال استمرار النهج الآخر هو أکبر کلفة، وأن هذه الخطوة، علی قساوتها، قد تشکل فرصة للانطلاق من جديد علی قاعدة التراجع خطوة إلی الوراء، من أجل التقدّم خطوتين إلی الأمام، وهو ما حصل في قرار تجرّع السمّ في العام 1988، وهي الکأس التي تعود إلی إيران في العام 2015.







