تصحيح انحراف فادح.. هل يؤدي إلی تغيير في الموقف؟ – محمد إقبال

الشرق الاوسط
15/10/2012
بقلم: محمد إقبال
منذ ثلاثة عقود، وبشکل خاص منذ الخمسة عشر عاما الماضية، کانت القوی العظمی، وعلی رأسها الولايات المتحدة، تحاول أن تجعل من نظام دموي وسفاح في إيران نظاما معتدلا. ومنذ البداية، وفي ثمانينات القرن الماضي، کانت المقاومة الإيرانية، وعلی لسان قائدها السيد مسعود رجوي، الطرف الوحيد الذي يعلن أن «الأفعی لا تلد حمامة»، وأن نظاما قائما علی رکيزتين هما: القمع في الداخل، والإرهاب في الخارج، وأعدم أکثر من 120 ألف شخص في السجون؛ فقط لأنهم معارضون سياسيون له، وارتکب في صيف عام 1988 مجزرة جماعية بإعدام ثلاثين ألف سجين سياسي بسبب عدم تبرؤهم من «مجاهدين خلق» حين کانوا يمضون فترات حکمهم في السجون.. نظاما کهذا لن يتحول إلی نظام معتدل.
وفي إطار هذا التعامل والأسلوب، اتخذ الغرب سياسات مختلفة تجاه النظام الإيراني؛ بدءا من التفاوض الانتقادي، مرورا بالاحتواء الثنائي، ووصولا إلی تغيير سلوک النظام (وليس تغيير النظام). وفي أواسط ثمانينات القرن الميلادي الماضي وعندما کانت نار الحرب الإيرانية – العراقية تلهب البلدين، اتخذت المقاومة الإيرانية حيال هذه الحرب المدمرة سياسة مبنية علی السلام؛ حيث حظيت بتأييد کثير من البرلمانيين من شطري الأطلسي، وارتبک الخميني ونظامه اللذان کانا يرفعان شعار «الحرب حتی آخر طابوق في طهران»، بحيث جعل النظام الإيراني يدعو بشکل سافر إلی إلصاق تهمة الإرهاب بمنظمة «مجاهدين خلق» الإيرانية شرطا في أي صفقة أو تفاوض مع الغرب والولايات المتحدة.
وهنا جاءت أطراف المساومة في أميرکا ليأخذوا دورهم؛ حيث حدث في جلسة استماع بالکونغرس، ومن دون أي مقدمات، أن تمت قراءة بيان حول «مجاهدين خلق»، وتم توجيه سلسلة من الاتهامات الواهية والکاذبة ضدها، وتم وصفها بـ«المنظمة الإرهابية» لتکون أول مرة في التاريخ الأميرکي تعتبر فيها «حرکة تحرير» حرکة إرهابية.. وبعد عامين، جاءت عملية «إيران غيت» لتفضح هذا التعامل، ثم اعترفت الخارجية الأميرکية في الکونغرس بأنه «لدينا أخطاء في معلوماتنا تجاه هذه المنظمة.. ونحن لم نقاطع (مجاهدين خلق)، ولهم دور في الساحة السياسية الإيرانية».
واتسمت هذه السياسة بالمد والجزر حتی قامت الخارجية الأميرکية في 8 أکتوبر (تشرين الأول) عام 1997 بوضع اسم «مجاهدين خلق» علی «قائمة المنظمات الإرهابية الخارجية»، ولم يمض سوی يوم واحد حتی أعلن مسؤول کبير في حکومة کلينتون بشکل صريح لـ«لوس أنجليس تايمز» أن «إدراج اسم (مجاهدين خلق) في هذه القائمة کان إشارة حسن نية إلی نظام طهران ومحمد خاتمي رئيس جمهوريته المعتدل الذي تم انتخابه حديثا». ومنذ ذلک التاريخ، اعتبر کثير من الشخصيات السياسية والبرلمانية والشخصيات المدافعة عن حقوق الإنسان أن هذه التهمة غير عادلة، مطالبين بإلغائها، ولکن الخارجية الأميرکية کانت ماضية في إبقاء «مجاهدين خلق» ضمن هذه القائمة بشکل غير عادل صامّة أذنيها أمام النداءات الحقة المطالبة بإلغاء هذه التهمة.
ونهاية ما جری معروفة للجميع. وفي تحد قانوني عظيم وکبير وثقيل جدا، فازت منظمة «مجاهدين خلق» الإيرانية أمام القضاء، وأمرت المحکمة وزيرة الخارجية بأن تقوم بإخراج «مجاهدين خلق» من القائمة، وإلا ستصدر المحکمة رأسا وتلقائيا حکما بإخراجها من القائمة، وکانت المهلة حتی 1 أکتوبر 2012، واستمرت الخارجية الأميرکية في المماطلة والتسويف حتی 28 سبتمبر (أيلول) الماضي لکي تعلن نهائيا وفي رسالة إلی المحکمة بأنها خضعت لقرار المحکمة وأخرجت «مجاهدين خلق» من قائمة المنظمات الإرهابية.
أما تسمية «مجاهدين خلق» بـ«الإرهابية»، فلم تکن قرارا يستهدف فقط الشعب الإيراني؛ بل وأبعد من هذا، فقد أحدثت انحرافا کبيرا في سياسة المجتمع الدولي، فعندما قاموا بوصف أبرز وأهم حرکة مناهضة للإرهاب والتطرف في العالم بـ«الإرهاب»، فإنه بالنتيجة تم نسيان تهديد الأب الروحي للإرهاب والتطرف؛ أي الديکتاتورية الإرهابية الدينية الحاکمة في إيران، وتم التغاضي والتستر علی حقيقة أن هيمنة هذا النظام في العراق ولبنان وأفغانستان هو المانع الرئيسي للسلام والديمقراطية في هذه البلدان ومحيطها، کما سقطت أهمية حقيقة ثانية؛ وهي أن الملالي ينتجون أسلحة الإبادة الجماعية بشکل سريع.. وبالنتيجة، مارد التطرف والإرهاب قد نهض وأقام رأسه وانتفض يتأبط شرا، وأخذ السلام والأمن العالميين رهينة لديه.
لکن مع جميع ما ذکرنا، فإن إلغاء هذه التسمية أوجد فرصة للمجتمع الدولي لکي يقوم بتغيير سياسته حيال إيران التي وصلت إلی طريق مسدود وخاسر.. فهل ينهض المجتمع الدولي ويغتنم هذه الفرصة الذهبية؟
* خبير استراتيجي إيراني







