قضية أشرف.. “ترمومتر” السياسة العراقية داخلياً وخارجياً- إياد عبدالجابر

قضية أشرف.. “ترمومتر” السياسة العراقية داخلياً وخارجياً
الجديدة
17/11/2011
بقلم: اياد عبدالجابر
يکاد المراقب لمجريات وتطورات قضية مخيم أشرف التي تشهد وتيرة متسارعة مع إعلان الحکومة العراقية عن إغلاق المخيم وإخلائه من سکانه بشکل قسري نهاية العام الجاري، يلحظ بشکل واضح بأن هذا الملف يختزل شکل أداء رئيس الحکومة نوري المالکي السياسي علی الصعيدين الخارجي والداخلي.
ففضلاً عن کون هذه القضية باتت تمثل مقياسا أو “ترمومتراً” علی حجم التغول والتدخل الإيراني في الشأن العراقي، لدرجة أنه لم يعد خافياً علی رجل الشارع العراقي مدی النفوذ الإيراني وتغلغله في مفاصل الدولة العراقية، ومقدراتها، ومقرراتها السياسية، فإن قضية أشرف تعد نموذجاً لملفات عراقية داخلية شائکة وعصية علی الحل، يزيدها تعقيداً تفرد القرار السياسي لدی سلطة حکومية عملت علی إقصاء شرکائها في العملية السياسية بطرق شتی، علی رأسها التبرم من الاتفاقيات الموقعة لصياغة شراکة وطنية.
والمتابع لتصريحات المسؤولين الحکوميين العراقيين المتواترة، منذ عدة شهور مضت- علی اختلاف مستوياتهم ومراکزهم – متوعدة ومهددة بإغلاق المخيم بحسب الموعد المحدد من قبل الحکومة سابقاً، ودون الإصغاء للأصوات الوطنية والدولية للعدول عن ذلک.. ينتابه لوهلة بان قضية مخيم أشرف هي الملف والمشکلة العراقية الوحيدة خلافاً لباقي الملفات العالقة التي عجزت عن “حلحلتها” قاطبة، تشهد حراکاً واسعاً، وتهافتاً کبيراً من جانب الحکومة العراقية لحلها، أو بتعبير أدق “إنهائها”.
وکلمة السر بالطبع وراء هذا التهافت هي “العامل الإيراني” الذي يدفع بقوة أکثر من أي وقت مضی لإنهاء قضية أشرف بحسب طريقة نظام الملالي في الحل، وليس وفق حل دولي يراعي القوانين والمواثيق الدولية التي تحکمها وضعية سکان المخيم کونهم لاجئين سياسيين يخضعون لما ورد من بنود في اتفاقية جنيف الرابعة علی وجه الخصوص.
وتزداد نبرة تصريحات المسؤولين الحکوميين العراقيين حدةً وحزماً في الإصرار علی إغلاق المخيم، مع کل زيارة يقوم بها مسؤول إيراني للعراق، أو بعيد تصريح يطلقه مسؤول سياسي أو آخر ينتمي للمؤسسة العسکرية، کتصريحات وزير الخارجية الإيراني علي أکبر صالحي الأخيرة، وکذلک رئيس الحرس الثوري الإيراني مؤخراً، والتي تعطي “الأمر” ضمنياً للإسراع في إغلاق المخيم.
وبشکل ملفت للانتباه، وربما للاستغراب، تصدر تصريحات علی ذات النحو، هذه المرة من وزير حقوق الإنسان العراقي (شياع السوداني)، وربما الغرابة تکمن في “تبدل” المفاهيم لدی الساسة الحکوميين في العراق في طبيعة ما يجري في قنوات حقوق الإنسان، أو عدم تمييزهم لما هو إنساني أم غير إنساني في الوظيفة والمسمی والأداء العام، حيث قال السوداني نصّاً في جملة ما قال: “نتعامل مع هذا الملف من جانب انساني من خلال توفير خيارين الاول يتعلق بالعودة الطوعية الی بلدهم (أي سکان المخيم)، بضمانة الامم المتحدة والجانب الايراني الذي أبدی استعداده في هذا الخصوص والخيار الثاني هو البحث عن بلد ثالث, إن الحکومة عازمة علی إنهاء ملف معسکر أشرف الذي يضم عناصر منظمة خلق نهاية العام الجاري. وهناک عمل رسمي مشترک مع بعثة الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي لحل هذا الملف العالق”.
ويجدر ذکره هنا علی خلفية هذه التصريحات بأن الحکومة العراقية أدارت ظهرها قبل بضعة شهور أمام مشروع تقدم به الإتحاد الأوروبي للحل يقضي بتوزيع سکان المخيم علی بلد ثالث، بعد رفع الحصار عنه وإمداد أهله المحاصرين “حتی اللحظة”، بالغذاء والدواء والمحروقات، کما لا تزال تضع العراقيل أمام مبعوثي المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لزيارة المخيم ومقابلة ساکنيه، ما يؤکد علی عدم صدقية ما يرد في تصريحات المسؤولين الحکوميين، إضافة لعدم جدية الحکومة العراقية في الأساس بإيجاد حل عادل يحفظ کرامة وحقوق سکان المخيم.
إن حجم ما مارسته الحکومة العراقية، وتمارسه، من انتهاکات إنسانية صارخة بحق سکان المخيم بدءاً من الاعتداء عليهم عام 2009، ثم تکرار الاعتداء في 8 ابريل من العام الجاري، ما أوقع المئات من الشهداء والجرحی، وقطع الماء والکهرباء، وعرقلة وصول إمدادات الأغذية والأدوية، والاقتحامات الأمنية المتکررة، وأعمال القتل العشوائي، وممارسة الاعتداءات المعنوية من خلال شتم وإهانة سکان أشرف عبر 300 مکبر صوت تم نصبها لهذه الغاية في محيط المخيم، مروراً بفرض حصار سياسي واقتصادي وإعلامي ضدهم، ومنعهم من الحصول علی حقوقهم المدنية والقانونية، وعدم السماح للمحامين والمنظمات غير الحکومية الخاصة بحقوق الإنسان من دخول المخيم، وانتهاءً بالأعمال والتصريحات غير المسؤولة الهادفة للتحريض ضد سکان المخيم.. لهي دلالات واضحة علی عدم توفر النوايا الحسنة في إيجاد الحل العادل لهذه القضية، والذي يحفظ للأشرفيين حياتهم وکرامتهم.
إن ما يقلق النظام الإيراني اليوم ويدفعه لتسريع إنهاء ملف قضية مخيم أشرف قبل نهاية العام الجاري يعود لسببين رئيسيين، ففيما حصدت جهود المقاومة الإيرانية من تعاطف کبير علی المستوی الداخلي في العراق حيث أن قضية المخيم هي محل إجماع لدی القوی السياسية الوطنية العراقية، کما حققت الکثير من المکاسب علی المستوی الحقوقي والشعبي العربي، وکذا المساندة والدعم الدولي لدی المنظومة الدولية، وفي دول أوروبية، وأخری أجنبية متعددة من خلال فعالياتها الشعبية والنيابية.. والسبب الآخر يعود للعامل السياسي المتمثل في اکتمال الانسحاب الأمريکي من العراق نهاية العام الجاري، ليتسنی لنظام الملالي تسلم الملف الأمني بعد تذليل عدد من العقبات علی رأسها قضية مخيم أشرف.
وعليه، فإن المطلوب أن تمضي هذه الجهود في کسب التأييد الدولي بالدرجة الأولی لقضية أشرف، علی الرغم من ضبابية المشهد السياسي في المنطقة، إلا أن الصبغة الإنسانية الأصيلة لهذا الملف تعطيه قوةً ودفعاً في عالم متغير.. ولکنه لا يزال يصغي للأصوات المنادية باحترام حقوق الشعوب المقهورة والمسحوقة تحت حکم دکتاتوريات تتساقط هنا وهناک أمام الإرادة الصلبة لهذه الشعوب







