أخبار إيرانمقالات

حالة إنکار إيرانية – حسان حيدر

الحياة 
2012/8/3


 


بقلم: حسان حيدر
تبدو قيادة ايران وکأنها في حالة انکار سياسية واقتصادية واجتماعية. فتصريحات المسؤولين الايرانيين تنم إما عن مکابرة فارغة تحاول تغطية السموات بالقبوات، واما عن عجز کامل عن استيعاب الصدمات المتتالية ومعالجة تداعياتها، فلا يجدون سوی الانکار يبررون به فشل استراتيجية أمضوا عقوداً في رسمها وتنفيذها ليتبين انها غير قادرة علی الصمود طويلاً عندما يحسم العالم أمره في مواجهتها.
وبدلاً من الإقرار بأن التعنت في الملف النووي أوصل ايران الی عزلة خانقة، وان بناء المحاور والتوسع خرَّبا علاقات حسن الجوار مع العرب ومعظم العالم، وان ألاعيب السياسة التي يحلو للبعض تسميتها «براغماتية» لم تعد تنطلي علی أحد، نجد طهران تعلن زيادة مستوی تخصيب اليورانيوم وتتمسک بدعمها لحلفاء منهارين وتدعي ان کل شيء علی ما يرام.
ومع اعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات نفطية ومالية جديدة تضاف الی العقوبات الدولية التي تکاد تقصم ظهر طهران وتجفف مواردها الخارجية وتجعل من الصعب ايجاد مستورد لنفطها، سارع خامنئي الی التبرؤ من وصفة اعتماد اقتصاد بلاده علی الصادرات النفطية، واصفاً اياها بـ «الفخ» الموروث عن فترة ما قبل 1979.
ومخافة ان يتحمل وحده المسؤولية عن الوضع المتدهور، انضم احمدي نجاد الی المرشد في النأي بنفسه عن سياسة الاعتماد علی عائدات النفط الخام، داعيا الی وقف صادرات النفط بالکامل والترکيز علی بناء المزيد من المصافي لتلبية الاستهلاک الداخلي!
لکن اذا کان تصدير النفط «فخاً» واذا کانت الاولوية لحاجات الايرانيين من مشتقاته، فلماذا لم ينتبه «الولي الفقيه» الذي وصفته بعض الصحف الايرانية بأنه «معصوم عن الخطأ» لهذا الشطط إلا بعد اشتداد العقوبات؟ ولماذا کان تصدير النفط «نعمة» عندما کان يوفر بلايين الدولارات لتشييد المفاعلات النووية وتصنيع الصواريخ والزوارق الحربية وبناء شبکات الحلفاء والعملاء ومدّهم بالمال والسلاح؟ ولماذا لم تستجب القيادة لمطالبة شعبها طوال سنوات بتوفير الوقود الضروري لسير عجلة الاقتصاد؟
ويمتد هذا الانکار الی السياسة الخارجية، حيث يتکرر الفشل الايراني من ترکيا الی سورية وصولاً الی البحرين واليمن، فيؤکد وزير الخارجية الايراني ان الوضع في سورية «ينحو الی الهدوء» فيما المؤشرات جميعها تدل الی ان نظام بشار الاسد يقترب من الانهيار، وان المعارضة السورية تحقق تقدماً علی الارض، وقد تنجح قريباً في اقامة «منطقة آمنة» في محافظة حلب.
وبالرغم من الفشل المدوي لخطة کوفي انان، لا تزال طهران تکرر دعوتها الی «حوار» بين النظام والمعارضة في سورية، بينما ترفض إجراء مثل هذا الحوار في الداخل الايراني، وتنکر وجود معارضة شعبية واسعة لنظامها، مثلما تنکر حقيقة انه لم يعد ممکناً اجراء اي حوار بين المعارضة وحکم عائلة الاسد الذي انفقت عليه الکثير ومدته بوسائل البقاء، لکنها تشهد اليوم تفککه عاجزة عن انقاذ ما تعتبره واسطة العقد لنفوذها في المنطقة.
اما صنعاء، التي جربت طهران اغواءها بشتی الطرق، فتعلن الکشف عن شبکة تجسس ايرانية وترفض استقبال موفد نجاد اليها احتجاجا علی التدخل في شؤونها، بينما نجحت البحرين في تخطي «القطوع الايراني» وتعمل بجهد علی اعادة نسج الروابط السلمية في مجتمعها.
لکن هذا التراجع في نفوذ ايران الاقليمي وهذا التخبط في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ينبغي ألاّ يجعلا احداً يطمئن الی ان «المخالب» الايرانية لم تعد قادرة علی الإيذاء، فالرغبة في التمدد ستبقی صنواً لنظام آيات الله ما بقي قائماً.


 

زر الذهاب إلى الأعلى