أخبار العالممقالات

أسباب فشل محاولات الوساطة بين إيران وجيرانها العرب

 

 

 

الوطن السعوديه
16/3/2017
 
بقلم: د. محمد السلمي


ينبغي سؤال الدبلوماسية الإيرانية إن کانت تستطيع اتخاذ قرارات وتقديم ضمانات جادة دون العودة إلی الحرس الثوري ورموزه المتطرفة

من يتابع التصريحات الإيرانية المکثفة الأخيرة دون أن يتجاوز تلک القشرة الرقيقة التي يروج لها، والمبنية علی أن طهران تسعی للتصالح مع دول الجوار العربي وتمد يدها إلی تلک الدول، يعتقد أن دول المنطقة تتجاهل النداءات الإيرانية، وتسعی للتصعيد مع طهران. لکن يجب طرح تساؤلين مهمين ومناقشتهما بعناية قبل الوصول إلی أي استنتاج أو إلقاء اللوم علی جانب دون غيره.

التساؤل الأول حول جدية هذا الطرح، ومدی استعداد الجانب الإيراني لتطبيقه علی أرض الواقع، ودلالات عزم النظام الإيراني فعليا علی تغيير سلوکه. أما التساؤل الثاني، وهو الأهم في رأيي، فهو: مع من في إيران ينبغي لدول المنطقة أن تتحاور: الحکومة الرسمية أم الحکومة الخفية، وأعني هنا الحرس الثوري وقياداته بزعامة علي خامنئي؟
لنتذکر بداية أن جميع التصريحات التي أُطلقت حول المصالحة المزعومة جاءت من حکومة روحاني فقط، وهي أشبه بسکرتاريا لا تملک اتخاذ القرار، بخاصة حيال السياسة الخارجية للبلاد.
وإذا کانت هذه هي الحقيقة المرة التي قد لا يدرکها کثيرون، فما دوافع هذه التصريحات؟

إن الهدف من وراء ذلک هو رسم صورة لدی دول العالم، بخاصة الدول الغربية، بأن طهران تسعی للحوار والتصالح لا التصادم مع جيرانها العرب، ولکن هؤلاء الجيران يرفضون ذلک ويسعون لاستمرار حالة التوتر والصراع القائم في المنطقة من خلال رفض تحقق ذلک، وهي بذلک تسعی لإلقاء الکرة في ملعب الخصوم العرب. لکن هذا الأمر يحتاج إلی تفنيده وکشفه أمام أولئک الذين انخدعوا بهذه المراوغة الدبلوماسية الإيرانية، ومن ثم إعادة الکرة مجددا إلی ملعب طهران لقطع الطريق أمام هذه المسرحية.

بداية ينبغي سؤال الدبلوماسية الإيرانية إن کانت تستطيع اتخاذ قرارات وتقديم ضمانات جادة دون العودة إلی الحرس الثوري ورموزه المتطرفة. التجارب السابقة، وعلی رأسها مفاوضات الملف النووي بين إيران ومجموعة 5+1، تؤکد أن الحکومة لم تستطع الالتزام دون أخذ موافقة الدولة العميقة في الداخل الإيراني. نتذکر جيدا أن ظريف وفريق المفاوضات النووية کان يعود إلی طهران خلال جولات المفاوضات ثم يعود في اليوم التالي، إما بالموافقة وإما بالرفض للقضايا المطروحة للنقاش. الأهم أن حکومة روحاني ليست من بدأ المفاوضات، بل حکومة أحمدي نجاد، وهذا يفند کل المزاعم التي قالت إن ما يُسمی بالحکومة «المعتدلة» هي من مهد الطريق للاتفاق النووي. الصحيح أن رغبة خامنئي في الخروج من الأزمة الاقتصادية والعزلة السياسية، واستشعار خطورة المرحلة، هو ما شجع علی إنجاح الاتفاق، ولکن خامنئي کان يحتاج إلی وجه جديد وطرح مختلف في الواجهة الدبلوماسية للبلاد لتمرير ذلک المشروع.

قد يقول قائل: لماذا لا تکون المصالحة مع دول المنطقة العربية رغبة خامنئي أيضا؟ الجواب المختصر هو أن ملف التوسع الإيراني في المنطقة مشروع ليس وليد اللحظة، بل أحد أهم إستراتيجيات -لا تکتيک- ومرتکزات نظام ولاية الفقيه، في إطار تصدير الثورة، ووفقا لمواد الدستور الإيراني، ومن ثم فالأمر مختلف تماما عن موضوع عرضي کالبرنامج النووي. علاوة علی ذلک، فإن من يدير ملف التدخلات الإيرانية في المنطقة بنسبة 100% هو الحرس الثوري، علی عکس المشروع النووي. الأهم من هذا کله أن التدخلات الإيرانية والسلوک العدواني لنظام طهران أمر شديد التشعب والتقدم، والتراجع عنه يحتاج إلی تغير حقيقي في إستراتيجيات النظام، وهذا مرتبط، وفقا للرؤية الإيرانية، بالأمن القومي الإيراني، وهو -أي الأمن القومي- الملف الآخر الذي يُعد خامنئي صاحب القول الفصل فيه.

بعبارة أکثر وضوحا، التفاوض العربي الذي يُثبت جدية النظام الإيراني يکون مع صانع القرار، لا مع السکرتاريا، وهذه إشکالية کبری في الداخل الإيراني، فقبول طهران بذلک يعني اعترافها ضمنيا بأن الواجهة الدبلوماسية لا تملک القرار، ومن ثم سينعکس ذلک أيضا علی تعاطي العالم مع النظام الإيراني سياسيا واقتصاديا، وهو انکشاف إيراني من شبه المستحيل أن يقبل به صانع القرار في طهران، وإذا ما قبل به فإن انعکاسات ذلک علی الشأن الداخلي الإيراني ستکون کبيرة جدا، وقد تفوق التوقعات. الأمر الآخر أن رفض مثل هذا التفاوض يؤکد الأمر ذاته أيضا، ومن هنا تُعتبر المفاوضات مع طرف لا يملک القرار مجرد مضيعة لوقت الجانب العربي ونجاح للنظام الإيراني في کسب مزيد من الوقت ليقيم کثيرا من التوجهات الخارجية، بخاصة توجهات الإدارة الأميرکية الجديدة في موقفها من إيران.

کل ذلک يکشف حقيقة أن النظام الإيراني غير جاد في توجهات الانفتاح علی جيرانه العرب والتصالح معهم، ما لم يخطُ خطوات حقيقية علی الأرض، بخاصة في ما يتعلق بميليشياته في العراق وسورية، وتدخلاته في اليمن والبحرين والسعودية ولبنان. لذا ستقبل دول المنطقة بالحوار والتفاوض عندما تتحقق مقومات بناء الثقة بين الطرفين، المبنية في المقام الأول علی الأفعال لا الأقوال، بخاصة أن جميع المؤشرات حتی اللحظة لا تقود إلی تحققها، وعلی الدول التي تسعی للوساطة بين ضفتي الخليج أن تتجه بداية إلی طهران قبل العواصم العربية، وتمتحن جدية النظام في هذه الاتجاه بعيدا عن التصريحات، حينئذ فقط تستطيع أن تحدد علی من يقع اللوم في عدم الرغبة في المصالحة.

بالمختصر المفيد، الکل يرغب في إنهاء الصراع القائم وبناء علاقات طبيعية بين إيران وجيرانها العرب، ولکن لنکون أکثر صراحة ووضوحا لنقول: من يُرد السعي في الوساطة، فعليه إحضار الالتزامات من الجانب الإيراني، أو الاقتناع بأن نداءات حکومة طهران بالانفتاح علی دول المنطقة ما هي إلا محاولات لذر الرماد في الأعيُن، ليس ذلک فحسب، بل عليه أن يکشف ذلک للعالم من أجل التوقف عن إطلاق الأحکام المسبقة دون فهم حقيقة الأمر، ولماذا موقف الدول الخليجية والعربية واضح وصريح من شعارات روحاني وظريف الإعلامية، والإعلامية فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى