مستشار الأمن القومي الأميرکي السابق: أکبر خيبة أمل في زماننا سلام الشرق الأوسط

الشرق الأوسط
29/11/2014
الجنرال جونز لـ («الشرق الأوسط»): إلحاق الهزيمة بـ«داعش» مؤکد لکن لا بد من قوات برية لتحرير الموصل
إسطنبول: هدی الحسيني
جری اللقاء في إسطنبول أثناء وجود الجنرال جون ألن في أنقرة، ومع وصول نائب الرئيس الأميرکي جو بايدن. ورغم السحابة السوداء المخيمة علی العلاقات الأميرکية – الترکية أصر الجنرال السابق جيمس جونز علی فکرة أنه لا بد لمثل هذه العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين من أن تتجاوز الصعوبات التي تتراکم في طريقها، فهو رئيس «المجلس الأميرکي – الترکي» ويصغي إلی ما يقوله السياسيون ورجال الأعمال الأتراک.
عمل الجنرال جونز قائدا للقيادة الأميرکية – الأوروبية في الحلف الأطلسي، ثم مستشارا للأمن القومي الأميرکي مع الرئيس باراک أوباما. حدد الدور الأميرکي في العراق وفي الحرب في أفغانستان. شارک بوصفه ضابط عمليات في شمال العراق وترکيا، وکذلک في البوسنة والهرسک ومقدونيا. في عام 2008 کان المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأميرکية إلی الشرق الأوسط، وفي عام 2010 غادر موقعه مستشارا للأمن القومي من دون أن يغادر اهتماماته العسکرية والسياسية. في حديثه إلی «الشرق الأوسط» قال عن القضية الفلسطينية: «إذا استطعنا إصلاح أمر واحد في هذا الکون فيجب أن يکون إيجاد حل لهذه القضية، وإقامة الدولتين أفضل الحلول». منذ حياته العسکرية کانت إيران تقلقه ولا تزال. عن قوتها العسکرية يقول إنها کافية «للاستمرار بالتسبب بصعوبات ومشاکل في المنطقة (…) لکن يمکن إلحاق الهزيمة بها إذا ما وقعت الحرب».
يودعني الجنرال باللغة الفرنسية. وهنا نص الحديث:
* نصح هنري کيسنجر إسرائيل بأن لا تفاوض حول السلام مع الفلسطينيين الآن قبل نهاية تنظيم داعش. ما رأيک بهذه النصيحة؟
– لا أرغب في أن أناقض هنري کيسنجر، لکن شعوري بأن أکبر خيبة أمل في زمننا هي في عدم إيجاد حل لعملية السلام في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين. قلت عدة مرات ولا يزال هذا اعتقادي، إنه إذا استطعنا إصلاح أمر واحد في هذا الکون، فيجب أن يکون هذا الأمر؛ لأن تأثير الحل سيکون مفيدا جدا، فهذه ليست فقط مشکلة محلية وإنما مشکلة عالمية ويجب أن نحقق تقدما فيها. هذه وجهة نظري.
* الآن بعد التطورات الأخيرة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، المسجد الأقصی والکنيس، هل هناک خطر من حرب طائفية بين الطرفين؟
– إنها أخطر جزء في العالم ومن الصعب تخمين ما قد يحدث في المستقبل. احتمال اندلاع العنف هناک قائم في کل لحظة، وهذا يؤکد الضرورة الحتمية لإيجاد حل طويل الأمد، وبنظري إقامة دولتين هو الحل الوحيد.
* ما کان هدف زيارة الجنرال جون آلن إلی ترکيا، في الوقت الذي قال فيه الرئيس الترکي رجب طيب إردوغان إنه يريد من الأميرکيين أن يقيموا منطقة عازلة في سوريا کي يوافق علی التعاون؟
– تعرفين أنا في القطاع الخاص الآن. أعرف الجنرال آلن منذ سنوات طويلة خدم في «المارينز» معي، هو رجل ذو صدقية وحکيم… لکنني لا أعرف ما جری بحثه. إنما أکيد شمل التعاون العسکري الأميرکي – الترکي وربما تبادل وجهات النظر حول طرق مختلفة لتحقيق أهدافنا المشترکة.
* ما أهدافکما المشترکة؟
– الالتزام بإطاحة حکومة الرئيس السوري بشار الأسد في مرحلة ما، فهذه ليست حکومة شرعية. آراؤنا هنا متشابهة، ونريد التأکد من أن تثبت الحکومة العراقية الجديدة نفسها، ثم بقاء العراق دولة موحدة، وبالطبع القضاء علی خطر «داعش». أعتقد أن لدينا الکثير من الأهداف المشترکة، وما يجري الآن هو حول أفضل السبل للوصول إلی هناک.
* لکن في رسالته إلی المرشد الأعلی قال الرئيس الأميرکي إن هدف العمليات العسکرية في سوريا ليس إطاحة الأسد، وليس ضد النظام، وفي قمة بريسبن في أستراليا عندما سئل عما إذا کانت هناک من خطة لإزاحة الأسد أجاب: کلا.
– ثانية، أنا في القطاع الخاص.
* لکنک سمعت بهذا؟
– لا أعرف ماذا قال کل واحد ولمن قال، أنا أتکلم علی المستوی الاستراتيجي، وسعيد أن الجنرال آلن في ترکيا الآن، وکذلک نائب الرئيس جو بايدن. لقد التقيت في أنقرة عدة شخصيات ترکية وتحدثنا عن منظمة «المجلس الأميرکي – الترکي» وکيف يمکننا تقوية العلاقة الاقتصادية بين ترکيا والولايات المتحدة الأميرکية. أنا لا أحاول تجنب السؤال، إنما لست علی قرب من تلک الاتصالات.
* لکن، ماذا بالنسبة إلی رأيک؟
– برأيي أن لدينا أهدافا مشترکة.
* بالنسبة إلی مصير الأسد؟
– ما أراه يجري الآن هو إيجاد أفضل الطرق بين الأصدقاء لتحقيق هذه الأهداف. يجب أن أبقی متفائلا وأن تجد العلاقات الترکية – الأميرکية نوعا من الاتفاق حول إيجاد نقطة للانطلاق.
* رئيس المکتب السياسي في «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال يد الله جواني قال إن الأزمة في العراق وسوريا سوف تنتقل إلی ترکيا، إذا لم تعدل أنقرة تصرفاتها. هل تعتبر هذا تهديدا؟ وهل يمکن لإيران أن تزعزع استقرار ترکيا؟
– لا أعتقد أن إيران تقوم بأعمال ضد مصلحتها. هناک الکثير من المفاوضات دائرة، وآمل أن يتم التحقق من کل شيء. هذه المنطقة منطقة خطيرة جدا. ولعدة سنوات کانت إيران مهندس الدعم للأسد، کما تبنت الإرهاب ومسؤولة عن قتل الآلاف من الناس، وأعتقد أنها حتی تعدل من تصرفاتها، وتثبت أن هذا تغييرا جذريا، يجب أن تظل تعتبر علی أساس ما کانت عليه. وأنا أتعاطف مع الشکوک والمشاعر الترکية حتی يثبت العکس.
* وهل تتعاطف مع شکوک ومشاعر الدول العربية والخليجية بالذات بالنسبة إلی إيران؟
– أنا طوال حياتي العسکرية کانت تقلقني إيران، وطالما لا يوجد ما يبدد شکوکنا، يجب أن نظل کذلک حتی يثبت العکس.
* أنت سعيد لأن نائب الرئيس بايدن هنا، هل تعتقد أنه سينجح في إقناع الرئيس إردوغان بأن يسير جنبا إلی جنب مع الأميرکيين في هذه المهمة؟
– هناک دولتان ذواتا سيادة، لديهما خلافات يجب أن تصطلح، وأنا علی قناعة بقيمة هذه العلاقة التاريخية والاستراتيجية، ولا شک أنه بوصفهما صديقتين ستجدان طريقا مشترکا، وهذا ما يجري الآن.
* هل أنت متفائل بالتقارب الجديد بين أنقرة وبغداد وأربيل؟
– أعتقد أن هذه إشارة جيدة جدا، وأعتقد أن يستمر التقارب، وأميرکا سعيدة وتبذل کل جهدها کي يستمر هذا التقارب الناجح.
* لکن إيران قالت إن لديها خطين أحمرين، العراق وسوريا، ما سيکون في اعتقادک رد فعلها تجاه هذا التقارب وتجاه سوريا؟
– سيکون من المهم أن نراقب، هذا بالتأکيد اختبار لإيران إذا ما کانت جادة في الانضمام إلی المجموعة الدولية بطريقة جدية.
* أي التوقف عن التدخل في العراق وسوريا!
– لديها فرصة لتغيير طرقها، إنما عليها أن تثبت ذلک. هي لا تحب أن تسمع ذلک، والإيرانيون شعب فخور، وإنما التاريخ يحکي، ولا يمکن أن نتظاهر أنه لم يکن هناک خطر إيراني محدق بالمنطقة.
* في العالم العربي، تقريبا لا يصدقون کيف أن قوة عظمی مثل أميرکا لا تستطيع أن تهزم «داعش»، وأمس في جلسة النقاش قلت إن الطريق طويل. لماذا؟ أوضح لي الأمر بصفتک جنرالا عسکريا!
– من المؤکد أنه يمکن إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، إنما السؤال هو عن الطريقة لفعل ذلک. بنظري أنه في مرحلة ما لا بد من وجود قوات برية لتحرير الموصل. کيف ستکون هذه القوة؟ من سيوفرها؟ هذا جزء من النقاش الدائر. الولايات المتحدة أرسلت نحو 3 آلاف مستشار ليکونوا مع الجيش العراقي، هذه بداية.
* بداية؟
– نعم، إنما أکاديميا يمکن إلحاق الهزيمة بـ«داعش» وبسرعة.
* بسرعة؟
– بسرعة، مرة ثانية أکاديميا، إذا وفرنا القوة الضاربة المطلوبة.
* إذا کنت أنت الجنرال المخول مسؤولية إلحاق الهزيمة بـ«داعش».. فما الذي ستکون عليه خطتک «ألف» و«باء».. الأولی لهزيمة «داعش»، والثانية لما بعد؟
– أکاديميا..
* أکاديميا هل تعني عسکريا؟
– أعني من سيقوم بالمهمة. أکاديميا نحتاج إلی عملية مشترکة من السلاح الجوي، والبري، مدعومة بلوجيستية جيدة، وبنسبة قوات تجعل من قوات «داعش» أن تواجه وتقاتل وتموت أو تختفي. هذه الخطة الأولی، أما الخطة لما بعد «داعش»، فأعتقد استراتيجيا بأن عدة عواصم يجب أن تکون بدأت الحديث حول هذا: اقتصاد، بناء، مصالحة، وکيف تحکم؟ کل هذه الأشياء يجب أن تسير جنبا إلی جنب، لا يمکن تحقيق نصر عسکري ثم لا شيء بعده.
* نعرف أن الولايات المتحدة الأميرکية ضد إقامة دولة کردية مستقلة، لکن في الوقت نفسه تريد من الأکراد أن يستعدوا لمقاتلة «داعش»؟
– کأميرکا، نريد أن يبقی العراق دولة موحدة ونريد حکومة في بغداد تمارس المصالحة الداخلية، وهذا ما لم يفعله رئيس الوزراء السابق نوري المالکي، ونأمل أن تفعل الحکومة الحالية عکس ذلک، وفيما يتعلق بأحد أسئلتک السابقة عن العلاقة بين بغداد وأربيل وأنقرة، نحن نشجع هذا التقارب، وهذا يساعد علی تحديد مستقبل العراق.
* البعض في الدول العربية يعيد ضعف السياسة الخارجية الأميرکية إلی رغبتها في إرضاء إيران علی حساب بقية دول المنطقة، خصوصا من قبل الرئيس أوباما؟
– أعتقد أن أميرکا لن تفاوض أو تتوصل إلی اتفاق مع إيران غير مسؤول أو غير مدقق به جيدا.
* تعتقد أو تتمنی؟
– أعتقد أننا نحن الأميرکيي
ن سنکون مسؤولين، ولا أعتقد أننا نبحث عن تسوية سياسية بأي ثمن. هذا غير متسق مع تصرفات کل الإدارات الأميرکية الديمقراطية والجمهورية. لدينا نظام التدقيق والتحقق، وهذا النظام يسير بشکل جيد.
* الدول الـ5+1 التي تفاوض إيران، صارت أخيرا تتکلم أکثر عن احتواء البرنامج النووي الإيراني وليس عن تفکيکه، فهل تعتقد أن هذه الدول ستسمح لإيران بأن تکون مثل اليابان، دولة علی العتبة النووية؟
– تسألينني سؤالا تأمليا، حسب وجهة نظري فإنه مهما فعلنا مع إيران وکل ما نتوصل إليه يجب أن يکون عرضة للتدقيق العميق، وتدقيق لا يمکن دحضه. لا أشکک للحظة واحدة في أن إيران جلست حول الطاولة لأن المقاطعة آذتها کثيرا. لا يوجد سبب آخر لمجيئها. يجب أن لا نتجاهل هذا الأمر، وأن المقاطعة الاقتصادية فعلت فعلها، وکي نعرف أنها مخلصة بما تقوم أو تلتزم به، علينا أن يکون لدينا نظام تدقيق صارم.
* بصفتک جنرالا، هل تعتقد أن إيران عسکريا قوية جدا؟
– إنها قوية بشکل کاف، بمعنی أنها إذا رغبت في الاستمرار بالتسبب في الصعوبات والمشکلات في المنطقة، فهي تستطيع ذلک.
* لکن يمکن إلحاق الهزيمة بها إذا وقعت حرب؟
– نعم.. لکن آمل أن لا تقع الحرب.
* أمس في الجلسة قلت إن الإيزيديين في العراق صاروا بأمان، لکن الأسبوع الماضي قال فؤاد حسين رئيس مکتب مسعود بارزاني رئيس الإقليم الکردي في العراق، إن 10 آلاف إيزيدي في خطر الآن لأن «داعش» عاد يطوق جبل سنجار ولا يملکون السلاح الکافي.
– لا أعرف هذا. ما أعرفه أنه تم توقيف تقدم «داعش» علی عدة جبهات، والآن نحن في مرحلة نقرر فيها طرد «داعش».
* طردهم إلی أين؟
– لا أعرف إلی أين سيذهبون. أريد دحرهم بحيث لا يستطيعون الذهاب إلی أي مکان. وأحد الأشياء التي يجب أن نفعلها هو أن نعرف من أين يأتون بالمال ويتمولون، أين خطوط إمداداتهم؟ يجب أن نقطع رأس الحية.
* بعض العراقيين غير مرتاح لفکرة قوات «الحرس الوطني»، يشعرون بأن هذه القوات ستکون عنصرا مذهبيا وقد تدفع السنة الذين لا يؤيدون «داعش» إلی حضن هذا التنظيم، بسبب وجود ميليشيات شيعية!
– هذا تحدٍّ للحکومة الجديدة، وهي يجب أن تثبت نفسها أمام الشعب العراقي بأنها تريد المحافظة علی العراق دولة ذات سيادة، ويجب أن تدرک أن المصالحة کانت أکبر فشل لحکومة المالکي، وقد تکون حجر الزاوية لنجاح هذه الحکومة. وأعتقد إذا نجحت هذه الحکومة بالمصالحة وبذلت جهدا لحل المشکلات التي ذکرتها، فإن الولايات المتحدة قد تساعد الحکومة لتنجح. لکن إذا أثبت أنها حکومة مذهبية، فعندها سيکون مستقبل العراق مهددا.







