رداً علی هنري کيسنجر التدخل في سورية مبرر وعادل

واشنطن بوست
11/6/2012
بقلم : آن ماري سلوتر (مديرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريکية سابقاً)
في مقال تحت عنوان «مخاطر التدخل في سورية»، دعا هنري کيسنجر لعدم التدخل في هذا البلد لأن مثل هذا العمل يشکّل خطراً علی أساس النظام العالمي القائم.
ومن الواضح انه استند في تحليله ذاک الی فرضية وهمية تافهة وقفت وراءها الحکومتان الروسية والصينية مفادها أن التدخل الخارجي من شأنه أن يؤدي الی تغيير النظام.
والواقع أن غرض أي تدخل في سورية هو وقف القتل قبل أي شيء آخر، ومن ثم دفع بشار الأسد وحکومته للاستجابة لمطالب الشعب السوري في الإصلاح، وليس الرد علی هذه المطالب بالرصاص.
بالطبع من غير الواضح ما الشکل الذي ستتخده العملية السياسية إذا توقف القتل، ولا أحد يعرف أيضاً عدد الملايين الذين سينزلون الی الشوارع أو الفصائل السياسية التي سيعربون عن تأييدهم لها. صحيح أن أغلبية السوريين ستطالب بتنحي الأسد بالتأکيد، لکن صناديق الاقتراع أو التسوية السياسية المتفاوض عليها ستحافظ علی بنية الدولة الی حد کبير. وهنا لابد من الإشارة الی أن الفوضی وأعمال العنف المريعة التي حدثت سابقاً في العراق کانت نتيجة لقرار الولايات المتحدة تدمير بنية الدولة مع صدام حسين.
وإذا کان کيسنجر وغيره لا يشيرون في هذا المجال الی العراق فقط بل والی ليبيا التي يضعها کيسنجر في خانة اليمن نفسها، الصومال وشمال مالي کمناطق فارغة تعاني من حالة «تسيب قانوني»، إلا أن لجون کول، المتخصص في العلوم السياسية وشؤون الشرق الأوسط، رأياً آخر فهو يقول إنه کان يتوقع عندما زار ليبيا أخيراً أن يشاهد فيها شيئاً من الفوضی، لکنه لم يلحظ أية مظاهر مسلحة حينما زار بنغازي، مصراتة وطرابلس بل کان کل شيء يسير هناک علی نحو طبيعي، حيث کان رجال الشرطة ينظمون حرکة المرور وکان الأطفال يشارکون في المهرجانات حتی وقت متأخر من الليل، وتبقی محال بيع المجوهرات والذهب مفتوحة حتی الثامنة مساء، ويعمل العمال العرب والأفارقة جنباً الی جنب بهدوء وانسجام.
ويُذکر أن مجلة الـ«إيکونوميست» کانت قد توصلت لهذا الاستنتاج نفسه في وقت سابق من هذه السنة مما دعاها للإعراب عن تفاؤلها حول الآفاق الاقتصادية في ليبيا.
علی أي حال، إن کيسنجر محق في أن عملية حلف شمال الأطلسي في ليبيا بدت بالنهاية کجهد يستهدف إسقاط معمر القذافي غير أن السبب في هذا ليس لأن طائرات الحلف دمرت منشآت القيادة والتحکم في طرابلس التي کان القذافي وکبار ضباطه يصدرون منها أوامر قتل المدنيين بل لأن تلک الطائرات لم تعمل أبداً لحماية المدنيين الذين کانوا يساندون النظام ضد قوات المعارضة.
استخدام القوة بشکل محدود
بيد أن الرد علی هذا الاعتبار لا يعني أن علينا معارضة التدخل في سورية بل ينبغي علی المجتمع الدولي مساندة قرار في مجلس الأمن ببنود واضحة تتيح استخدام القوة بشکل محدود.
ويجب أن يوفر مثل هذا القرار، الذي يتعين أن يأتي بناء علی طلب من الجامعة العربية، الحماية لمناطق آمنة داخل سورية بالسبل الممکنة کافة باستثناء استخدام جنود علی الأرض. ويمکن أن تتضمن هذه السبل توفير أجهزة اتصال ومراقبة، أسلحة مضادة للدبابات ومدافع الهاون بالإضافة لتأمين غطاء جوي حاسم لمواجهة دبابات وجنود الحکومة التي قد تسعی لدخول أو اجتياح هذه المناطق. کما يتطلب القيام بمثل هذه العملية شل الدفاعات الجوية السورية.
إن تنفيذ مثل هذا النوع من العمل سوف يرغم الحکومتين الروسية والصينية علی الإفصاح عن دوافع مواقفهما الحقيقية.
وهنا يمکن التأکيد علی نحو قاطع أن الأسد سيبقی، وبصرف النظر بالکامل عما حدث في المثال الليبي، واحداً من حلفاء موسکو الرئيسيين في الشرق الأوسط لأنها لاتزال متمسکة بحماية مبدأ أن بمقدور أي حکومة قمع المظاهرات الشعبية بأي وسيلة تختارها بما في ذلک ارتکاب جرائم ضد الإنسانية بل وأعمال إبادة من نوع تلک التي أمر بها بوتن في الشيشان في بداية هذا القرن.
السيادة والحکومة
علی الرغم من هذا، يزعم کيسنجر أن الحکومتين الروسية والصينية تساندان أسس النظام العالمي الذي يتعين علی الولايات المتحدة ألا تستخف به. وهو نظام تُعطي فيه السيادة الحکومة حق حکم شعبها وأراضيها دون تدخل الدول الأخری مع التزام بألا تتدخل هي أيضاً بشؤون الآخرين.
ونحن نقول إن هذا المبدأ نص عليه فعلاً ميثاق الأمم المتحدة، لکن الدول الأعضاء فيها تبنت بعد أربع سنوات من هذا الميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومع نهاية القرن العشرين وقف السکرتير العام للأمم المتحدة کوفي أنان، الذي هو الآن مبعوثها الخاص لسورية، ليعلن أن الدول توجد من أجل خدمة شعوبها وليس العکس.
ثم تبنّت کل دول العالم في الذکری الستين لصدور ميثاق الأمم المتحدة عام 2005 «مبدأ مسؤولية الحماية» الذي عرّف السيادة بأنها مسؤولية تعني حماية الشعب من الآتي: أعمال الإبادة، الجرائم المرتکبة بحق الإنسانية، التطهير العرقي وجرائم الحرب التي تحدث بشکل منهجي.
من جانبه يؤمن الرئيس أوباما بأن السيادة تعني المسؤولية، وان الوقوف بجانب هذا المفهوم سيؤدي لعالم أکثر استقراراً وازدهاراً وانسجاماً مع القيم العالمية التي تعرفها أمريکا وتتمثل بالحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة.
ولاشک أن مثل هذا العالم سوف يکون من صالح الولايات المتحدة ومن صالح السوريين، المصريين، التونسيين، الليبيين وبلايين آخرين من الناس. لکن بلوغ مثل هذا العالم يتطلب العمل بسرعة وتصميماً لمحاسبة الحکومات التي تتجاوز هذه الاعتبارات وتنخرط في ارتکاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أو تمارس أعمال التطهير العرقي ضد أبناء شعوبها.
هنا علی العالم استخدام القوة بموافقة ولو منظمة إقليمية واحدة فقط إذا دعت الضرورة أو حتی موافقة غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.
عندئذ فقط سوف يدرک الحکام الدکتاتوريون ان عليهم التفکير مرتين قبل الإقدام علی ارتکاب أي جريمة بحق شعوبهم.







