حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة الخامسة عشرة)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي
ان تکفير المسلمين هي ليست بدعة المجاميع المتطرفة غير الحاکمة وانما له سوابق في جرائم خميني وعملت بشکل معقد جداً ولکن يجب ان نضيف ان تکفير المسلمين يعود الی ما قبل خمسة عشر قرن في زمن الخوارج في عهد الامام علي (ع) وهو اول شخص اعتنق الاسلام واعتبره الخوارج کافراً حتی استشهد علی يد عبد الرحمن بن ملجم.
شعار المتطرفين الخوارج
کان خوارج النهروان يدعون بان قبول التحکيم في حرب صفين بين علی ومعاوية يغاير حکم القرآن حسب ما جاء في سورة المائدة (ومن لم يحکم بما أنزل الله فأولئک هم الکافرون) بان ذلک حکم الله الخاص وان الاشخاص الذين يحکمون بخلاف ما انزل الله هم کفرة ويضيفون قائلين فنحن لهذا السبب کنا کفرة ولکن تبنا الی الله. والآن يجب علی علي (عليه السلام) الذي قبل بالتحکيم المذکور وکان کافراً ان يتوب والا سنقاتله من باب «النهي عن المنکر» ثم اقام هؤلاء الخوارج معسکراً لهم في النهروان وقاموا بقتل الأبرياء وممن قتلوه امرأة کانت حاملاً علی وشک ان تضع طفلها وبهذا تم جر الامور الی حرب داخلية وفي معرکة النهروان القي الامام علی (ع) خطبة مؤثرة بالخوارج الامر الذي ادی الی أن يعود الآلاف منهم إلی رشدهم والتراجع عن الحرب وتلقي الأمان. لکن بقي عدة آلاف اختاروا الحرب وکلهم قتلوا في بداية نفس المعرکة ما عدا عدد قليل باصابع اليد هريوا ومن بينهم ابن ملجم المعروف الذي قتل الإمام علي (ع) في وقت لاحق.
والامام علي له مقوله مشهورة بخصوص شعار الخوارج وهي (کلمة حق يراد بها باطل ). ويوضح علی (ع) في کلامه هذه قائلاً: «کَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُکْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَ لَکِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْکَافِرُ».
وبمنأی عن الحقيقة العقائدية لخوارج النهروان او المجاميع التکفيرية الحالية فبلا شک ان استنادهم لهذه الآية مثل أية آية قرآنية ليس إلا تفسيرًا أو استنباطًا فهو کان يجب ان يؤخذ علی محمل الاجتهاد الخاطئ او المصيب، خاصة أن شخص الامام علی (ع) کان له رأي واستنباط مختلف عنهم في الأقل. نعم ان الخوارج مع کونهم جديين وغيورين في «حکم الله» لکن لم يکن لهم الحق ان ينفوا او يسلبوا حق الاجتهاد والاستنباط من القرآن للاخرين فکيف يحصل هذا مع علی (ع) ذي رأي ونظرة واستنتاج وهو أول رجل آمن بالاسلام.. وهنا يجب ان نسأل لماذا وباي دليل يعطي الخوارج والتکفيريون في الوقت الحاضر الحق لانفسهم فقط في استنباط وتفسير القرآن ولا يرون ذلک ينطبق علی الآخرين خاصة الإمام علي (ع) ومعه کثيرون من صحابة رسول الله (ص) کانوا من أنصار الإمام علي (ع) وأتباعه وأصحابه، ولا يرونهم مسموحًا لهم بأن يکون لهم قراءتهم واجتهادهم واستنباطهم ولو کانوا خاطئين؟ کما يجب السؤال لماذا اعتبروا الحرب ضد «کفر الرضوخ للتحکيم» أي ضد الإمام علي (ع) واجبًا أولاً بأول خدمة لمصالح معاوية؟ فيما أن شعار «التحکيم» ذاته قد انطلق أولاً من معسکر معاوية والذي أدی وبشکل غير شرعي إلی الإعلان عن خلافته. فهکذا يمکن إدراک مدی حقيقة ومصداقية ما قاله الإمام علي (ع) حول الخوارج: (کلمة حق يراد بها باطل) أي إنها ليس من سوء الفهم والخطأ وإنما يعني ويکشف تعمد الخوارج علی مثل هذا الظلم والجور والجريمة بغض النظر عن عناصر معدودة من الأناس السذج أصبحوا أو يصبحون أدوات بيد من لهم نوايا وإرادة خبيثة.
ولکن علی الرغم من البدعة الظالمة التي اوجدها الخوارج قبل عدة قرون واتباعهم التکفيريون اليوم وقتلهم خيرة المسلمين بحجة التکفير الا انه وفي الجانب المقابل لم يقم الإمام علي (ع) بتکفير هؤلاء ولا سلبه حقوقهم ورواتبهم المتساوية والمتکافئة مع أنصاره ولم يسمح لاصحابه بان يتعرض احد منهم للخوارج علی الرغم من اهانة الخوارج العلنية للامام علي الی ان وصل الامر عندما اعلن الخوارج الحرب علی الامام علي وعسکروا في النهروان کم قام علي (ع) بوعظهم ونصحهم بالکف عن الحرب حتی خلّص بتلک النصيحة والشفقة آلافًا منهم من الاحتراق في نار الحرب التي کانوا هم اشلعوها..
الخميني وتجربة التکفير وهو حاکم
نظراً لحصول فاجعة تاريخية لاتعوض بفقدان قدوة اسلامية مثل الامام علي (ع) للتاريخ الاسلامي والامة الإسلامية فنلاحظ ظاهرة خميني وعقيدته القائمة علی «التکفير» تکون أکثر إثارة للعجب والاستغراب لأن هذه القدوة لـ «التطرف الإرهابي المقنع بقناع الإسلام» تدعي بأنها «مرجع الشيعة» أي شيعة نفس الإمام علي (ع) وقد وصلت إلی السلطة علی هذا الادعاء ومتسترًا بذلک القناع. فعلی أي حال هذا واقع موثق من التاريخ الإيراني الحالي وتاريخ التشيع والإسلام في هذا العصر حيث ولد وظهر «ابن ملجم» علی هيئة ملا ورجل دين شهير يدعي ويتشدق بالتشيع واصلاً إلی السلطة وهو علی نسخة مختلفة ومتکررة في تاريخ العصر الحديث ليتسلطة علی رقاب المسلمين حتی تمکن من تکفير وقتل خير أبناء الشعب الإيراني المسلمين ضمن حملات مجازر بشعة لم يسبق لها مثيل. علمًا بأن خميني وعلی خلاف من خوارج النهروان واصل تطبيق مخططه القائم علی ارتکاب مجازر بحق المسلمين لمدة طويلة من دون الإعلان عنه. لأن إيران القرن العشرين بسجل نضالي لمدة مائة عام من أجل تحقيق الحريات ونظرًا لمستوی النمو والوعي التاريخي الحاصل في المجتمع الإيراني لم تکن مناسبة بشکل يذکر لتکرار مثل تلک الجرائم علی أيدي حکام ورجال دين يدعون ويتشدقون بالتشيع، فعلی ذلک کان خميني مضطرًا أن يتابع أهدافه ونواياه المنطبقة مع جوهره وطبيعته الإجرامية بکل سرية وطي الکتمان وبعيدًا عن الحکم العام والرأي العام لمدة ما علی أقل تقدير.
ان التحليل الشامل لافکار وعقيدة خميني وعد خصوصيات نفاقة في هذه المجالات هي ابعد بکثير مما يمکن أن تسعه هذه الاسطر .. ونحن هنا نکتفي فقط باهداف ومناهج عمله التکفيرية حيث قام بعرض الفکرة التکفيرية علی يد سلطة متطرفة وقد ترک بذلک درسًا وتجربة فريدة لکافة المجاميع المتطرفة الاسلامية وان هذا الاختلاف بين خميني والخوارج بحاجة الی دقة ومطالعة مما يصور ويرسم وضع التيارات المتطرفة الاخری التکفيرية إذا وصلوا إلی الحکم والسلطة، وخاصة عندما يکون المکفر علی راس السلطة المقتدرة وفي القرن العشرين وهو يتمتع بکل الامکانيات من اجل قمع وطرد المسلمين وهذا تعتبر تطورًا هامًا في تاريخ الاسلام لانه وقبل مجيء الخميني لم يکن التکفيريون قد ترکوا تجربة واضحة منهم تضع خصوصياتهم في الميزان في ظل ظرف السلطة والحکم… أما أهم اختلاف وفرق بين خميني وخوارج النهروان فهو أن خميني لم يکن بيده أدنی حجة أو ذريعة دينية لسوء الانطباع من الآية المذکورة في سورة المائدة والتي أشرنا إليها في ما تقدم، ليکفّر بها أعداءه. لأن المکفّرين (بفتح الفاء) هم کانوا قيادة وأعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية الذين يمثلون قوة ملتزمة بجميع القيم والشعائر الإسلامية المقدسة ومؤمنة بالنصوص الإسلامية الرئيسة من القرآن والسنة ولم يکن علی خلاف مع خميني إلا في کيفية إدارة البلاد ومراعاة حقوق الشعب. ولهذا السبب لم يکن باستطاعة خميني ولأمد طويل أن يطلق تصريحاً علنيًا «يکفّر» فيه مجاهدي خلق.
تکفير المجاهدين وقتلهم جماعيًا
في هذا المبحث نتطرق الی موقف خميني القاطع والصريح من موضوع (تکفير المجاهدين ) الذي عمل به خميني لمدة سنين بشکل سري وهو يمارس القتل والجرائم بحق المجاهدين وبعد ذلک خاطب جماعته في فتوی أو مرسوم بشکل مکتوب وموقع عليه قام فيه بتکفير المجاهدين. وقد أصدر خميني هذا المرسوم عند ما قرر قتل السجناء المجاهدين بشکل جماعي في عملية اشتهر في ما بعد بمجزرة السجناء السياسيين الذين کان قد حوکموا أمام محاکم خميني نفسه وحکم عليهم بالسجن لمدد مختلفة ولم يکن لهم أي إمکانية للقيام بأية عملية جديدة ضد النظام قياسًا بما کان يتمتع به النظام الاستبدادي الرجعي الحاکم في إيران حتی يستحقوا عقوبة أشد. إن الحکم بمجزرة السجناء المجاهدين والذي أصدره خميني بخطه وتوقيعه في آب (أغسطس) عام 1989 في السنة الحادية عشرة من حکمه الغاشم قد أدی إلی القتل الجماعي لحشود من المجاهدين المسلمين يبلغ عددهم 30 ألف سجين حسب التقديرات الموثوق بها. وذلک الحکم أو المرسوم الشرير يبدأ بهذه العبارات: «إن المنافقين الخونة لا يؤمنون بالإسلام أبدًا وکل ما يطرحونه نابع من المکر والنفاق وباقرار قادتهم يعتبرون مرتدين عن الإسلام».
قبل ان نناقش مضمون هذا الحکم والعناوين المنسوبة الی المجاهدين مثل النفاق والخيانة والارتداد علينا ان ننبه بان هذه العناوين تخالف الواقع وغير قابلة للتصديق حيث کان حتی بعض رؤساء الاجهزة الحاکمة لدی خميني همسوا باذن خميني خوفاً علی مصالحهم وشعروا بالخطر خوفاً علی سمعة ومصالح ومستقبل النظام مما أوصل النظام بفترة قصيرة إلی مواجهة أکبر انشقاق له حتی آنذاک حيث أصبح النائب القانوني لخميني السيد منتظري مضطرًا إلی الاستقاله من منصبه بعدما کان يلقب بـ (امل الامام والامة). ولکن من نقطة الانشقاق والاستقالة هذه لقّب هذا الناصر والصاحب البارز والشهير والقديم لخميني والذي کان يرافقه في مختلف مراحل حياته السياسية سواء قبل وصول الأخير إلی الحکم في إيران أو بعدها لقّب بـ «الساذج»!! في محاولة لإسقاط مصداقيته ومکانته الأمر الذي يکشف في حد ذاته الطبيعة الشريرة لهذا التطرف الملتحف بالدين والموصوف زورًا وبهتانًا بالإسلامي وذلک عند التعامل مع الآراء والاختلافات والفروق الداخلية في ما بينهم.







