أخبار إيرانمقالات

إيران علی النار السورية- غسان شربل

الحياة اللندنية
2012/8/6

بقلم: غسان شربل

حصدت إيران في العقد الماضي مجموعة من الميداليات الذهبية وغالباً من دون المشارکة في المباريات. حصدت الأولی لدی وقوع هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، والتي أطلقت الحرب بين «الشيطان الأکبر» و «القاعدة». جاءتها الثانية حين اقتلعت القوات الأميرکية نظام «طالبان» الذي لم يخف عداءه للنظام الإيراني. فازت بالثالثة حين اقتلعت القوات الأميرکية نظام صدام حسين الذي أرغم إيران علی إبقاء جمر ثورتها داخل أراضيها. انتزعت ميدالية ذهبية رابعة عبر «حرب تموز» في لبنان في 2006.
بدت الأيام وردية للبرنامج الإيراني الکبير. زار أحمدي نجاد بغداد علی رغم انتشار الجنود الأميرکيين فيها وبدا واثقاً أنهم يتحينون الفرصة للمغادرة. زار أيضاً دمشق وعبرت صورته مع بشار الأسد وحسن نصرالله عن رسوخ هلال الممانعة. لم يضع فرصة زيارة بيروت وجنوب لبنان مذکراً دول المنطقة والعالم بأن بلاده باتت تغسل صواريخها بمياه المتوسط.
حصدت إيران الذهبيات وراحت تحث الخطی علی طريق برنامجها الکبير: القنبلة أو امتلاک القدرة علی إنتاجها والدور الکبير القادر علی تهديد أمن النفط وأمن إسرائيل معاً.
لدی اندلاع الربيع العربي حاولت إيران الإيحاء بصلة قربی معه. ابتهجت بسقوط أصدقاء الغرب. وحين انفجر الربيع علی أرض سورية وقعت في فخ مکلف. لا تستطيع الاستقالة من حلفها العميق والوثيق مع النظام السوري. لا الحياد وارد ولا الابتعاد ممکن. سورية ليست مجرد ممر للاتصال بـ «حزب الله» في لبنان. إنها أکثر من ذلک بکثير. العلاقة مع سورية هي أهم نجاح لثورة الخميني منذ انطلاقها. الحضور في دمشق يعني الحضور في بيروت وجنوب لبنان وکذلک في النزاع العربي – الإسرائيلي والملف الفلسطيني. الحضور في دمشق يمنع قيام أي طوق عربي جدي لوقف التدفق الإيراني في الإقليم.
لا تستطيع إيران التسليم بخسارة سورية. خسارة سورية تشکل ضربة قاسية لهالة «حزب الله» وترسانته وأوراقه وثقله في الإقليم وقدرته علی الهجوم والدفاع معاً. خسارة سورية تعني خسارة إيران امتدادها الفلسطيني خصوصاً بعد رحيل خالد مشعل من دمشق. خسارة سورية تقوي بالضرورة دعاة تصحيح التوازنات في العراق. وبهذا المعنی فإن خسارة سورية تنذر بإضاعة الميداليات التي حصدتها إيران في العقد السابق. تفکيک هلال الممانعة يضرب الدور الإيراني ويضعف في الوقت نفسه موقع طهران في المفاوضات النووية.
لا تستطيع إيران تقبل خسارة سورية. لکنها لا تستطيع أيضاً إنقاذ النظام السوري. لقد أصيب هذا النظام بأضرار جسيمة وأعطاب أساسية. لا شک أن الحزب أصيب إصابات قاتلة. صورة الجيش تلقت هي الأخری ضربات مفزعة. يمکن الحديث أيضاً عن أضرار جسيمة لحقت بصورة صاحب القرار. لقد استدرجت الأزمة السورية إيران إلی اصطدام علني ومروع مع الأکثرية في سورية والمنطقة ولهذا الاصطدام رنة مذهبية أظهرها تکرار حوادث خطف الإيرانيين في سورية. العزلة التي أصابت النظام السوري أصابت إيران أيضاً علی رغم استمرار الممانعة الروسية.
تتقلب إيران علی النار السورية. لا تستطيع الاستقالة أو الابتعاد. ولا تستطيع في الوقت نفسه قلب مسار الأحداث. توجعها التطورات السورية وتوجعها العقوبات. منذ بدايات حربها مع العراق لم تواجه مثل هذه الظروف الصعبة. الهروب من الأزمة السورية بافتعال حرب في جنوب لبنان أو أزمة کبری في الخليج يبدو محفوفاً بالأخطار. إرسال المتطوعين إلی سورية يعني إضرام الحرب المذهبية الإقليمية. المراهنة علی الاحتفاظ بجزء من سورية يعني فتح باب التلاعب بالخرائط أي فتح أبواب الجحيم ويحتاج إلی موافقة فلاديمير بوتين الذي يحاول توظيف الدم السوري لترميم موقع بلاده.
تتقلب إيران علی النار السورية. تدشن أجيالاً جديدة من الصواريخ کملاکم قلق يذکر العالم بعضلاته. انقضی زمن اصطياد الميداليات الذهبية. جاء زمن الخسائر.

زر الذهاب إلى الأعلى