مقالات

خطر ميليشيات إيران علی استقرار المنطقة

 


 


الحياة اللندنية
27/5/2015



في الوقت الذي يکثر فيه الحديث عن بدء أفول نظام الأسد واقتراب زواله، أو علی الأقل سقوطه في العاصمة وغالبية الأماکن الإستراتيجية وانحسار سيطرته ضمن مساحات صغيرة، يبرز علی السطح من جديد الدور الذي يمکن أن تلعبه ميليشيات إيران في المنطقة وطبيعة الحرب التي ستتابعها تلک الميليشيات، وخاصة بعد إعلان واحدة من أکبرها «حزب الله» التوجه الی النفير العام، وهو ما بدا انعکاساً لتقديرات إيران وأذرعها المقاتلة بقرب حصول تغيرات دراماتيکية خطيرة في المنطقة.
وقد کان لافتاً في هذا التوقيت، قول الجنرال ديفيد بترايوس، الذي قاد القوات الأميرکية في العراق بين عامي 2007 و2008، أن «الميليشيات الشيعية –وکثير منها تدعمها إيران– تشکل التهديد الأبرز للاستقرار علی المدی الطويل، وعلی التوازن الإقليمي الأوسع»، هذا التصريح هو تقدير وتحسُّب لمخاطر قادمة أکثر من کونه تحليلاً سياسياً، وينطوي هذا التقدير علی تغيرات متوقعة في ديناميکية الصراع وطبيعته تتفق بدرجة کبيرة مع المسارات التي بدأت تتشکل وفي قلبها سقوط نظام الأسد وانکفاؤه.
لکن لماذا هذه التنظيمات بالفعل خطيرة؟ وما مدی صحة هذا التقدير في التطبيقات العملانية؟ تشغّل إيران في العراق وحده حوالی 42 فصيلاً مسلحاً تنضوي جميعها تحت ما يسمی «الحشد الشعبي» ويتجاوز تعداد عناصرها مئة ألف مقاتل مع قابلية مضاعفة هذا العدد بالنظر الی طبيعة آليات التطويع المرنة المتبعة ومناخ الفرز الطائفي الذي تعمل في ظله هذه الميليشيات وحالة نهوض الهويات الدينية الصاعدة بقوة، وفي سورية لا يمکن تقدير حجم تلک الميليشيات نظراً إلی حالة التداخل بينها وبين الهياکل الرسمية من جهة وتوزعها علی طيف واسع من مشهد الأزمة عبر اتخاذها عناوين متعددة، يبدأ بعضها من اللجان الشعبية في بعض الأحياء وصولاً إلی ما يسمی «قوات الدفاع الوطني» المکوّن البديل للجيش السوري، ولعلّ مخاطر هذه الميليشيات تأتي بالدرجة الأولی من ظروف تشکّلها وطبيعة تکوينها ووظيفتها، فهي:
– ميليشيات تشکّلت لأسباب تقنية، بحيث جری تصميمها من أجل السيطرة علی مکونات وطنية أخری بهدف إخضاعها ونهب ثرواتها، وهي أقرب إلی منطق المرتزقة وتشکيلاتها، ولم تظهر لأسباب ثورية، وبالتالي يمکن أن تزول عند انقضاء المبررات، ولعل هذه أخطر صفاتها، بما يجعل عمليات تفکيکها أمراً معقداً جداً، لسهولة تحولها إلی أنماط من التنظيمات المافياوية التي لا يمکن حتی الدولة التي أنشأتها التحکُّم بها ولو قطعت عنها مصادر التمويل، وقد أثبتت التجارب العملانية أن هذه التنظيمات تستطيع التکيف مع اقتصاد الحرب وتأمين مصادر تمويلية بديلة.
– أنها ميليشيات تأسست بوعي طائفي وهدفها تغيير الأوضاع في المنطقة وتأسيس دولة علی مساحة إقليمية واسعة علی أساس طائفي (تصريحات قادتها بأنهم سيحکمون 400 سنة قادمة)، کما أنها محکومة بأيديولوجية دينية تجعل سلوکها بعيداً من العقلانية ولا يمکن إخضاعه للمنطق السياسي تحت أي ظرف، وستجد هذه التنظيمات من يغذي سرديتها علی الدوام من رجال دين علی الشاکلة ذاتها، ذلک أن عملية التحريض المکثف في الفترة الماضية أنتجت محفزات تکفي لتغذية الصراع لعقود قادمة وتضمن بقاء اشتغال دينامياته.
– مکمن خطورة هذه الميليشيا وجود دولة مرکزية داعمة لها، بحيث تحولت الی مجرد أذرع عسکرية لإيران التي تسعی الی تحقيق مکاسب إستراتيجية علی حساب الجوار العربي، وثمة تقديرات بأن لا تعدل إيران من نمط سياستها هذه تجاه العالم العربي حتی بعد تفاهمها مع الغرب حول ملفها النووي، علی اعتبار أن هذه الأداة رخيصة وغير مکلفة إذا قورنت بتکاليف الحروب المباشرة التي ستخوضها لتحقيق النفوذ، ولأن إيران من جهة ثانية ستبقی محکومة بهذا الفکر السياسي التوسعي والمعادي للعرب الی أمد طويل، ومن المستبعد أن تنتج نخب صناعة القرار توجهات جديدة تجاه المنطقة في وقت قريب.
– سيطرة هذه الميليشيات علی دولة مرکزية بحجم العراق وإمکان تسخير مواردها النفطية الکبيرة للتحشيد، وواضح أن هذه الميليشيات ستمنع ظهور تيارات سياسية عقلانية أو عربية التوجه الی أمد غير منظور، والواضح کذلک أن المؤسسات في العراق، من البرلمان إلی الجيش، تتشکل من مکونات قريبة من هذا الفکر، وعلی مدار سنوات قريبة لن ترتفع أصوات مخالفة لها طالما أن هناک عملية اجتثاث ممنهج لکل القوی والشخصيات السياسية العربية والليبرالية والرافضة سيطرة إيران علی القرار السياسي العراقي. ببساطة، فإن السياسة في العراق بأحسن الأحوال لن تکون سوی واجهة مفرغة من الفعالية والتأثير بعد أن حولت إيران العراق بقايا دولة لکي توظفه في مشروعها الإستراتيجي وهو في وضع سيجعل طلبه الانخراط في ظل الحماية الإيرانية أمراً مشروعاً محلياً ومرغوباً دولياً.
– هذه التکوينات سوف تستدعي علی الدوام حصول تشکيلات مقابلة لها، ما يعني استمرار حالة الاستقطاب الديني، وهذه الوضعية ستشکل مقدمة لانقسام حقيقي وواقعي لشرق أوسط شيعي يقابله شرق أوسط سنّي تدوم الحرب بينهما عقوداً طويلة، في ظل حالة تضعضع الدولة المرکزية في المشرق وتحولها هياکل رخوة ومهمشة.
ميليشيات إيران هي الخطر القادم بالفعل علی المنطقة، وخاصة أنه جری دمجها ضمن الأطر الرسمية لدول المنطقة، کما هو الحال في العراق ولبنان واليمن، وهناک محاولات لجعلها جزءاً من الحل في سورية، وتسويغ وجودها بشکل قانوني ودستوري بما يجعل منها آلية إيرانية لتحفيز الحروب في المنطقة، أو في أضعف الإيمان وسيلة لتعطيل الحياة السياسية کما هو حاصل في لبنان اليوم.
 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.