مقالات
جيل ضائع من الأطفال المحرومين من التعليم؟

الشرق الاوسط
13/7/2015
13/7/2015
بقلم: أنثوني ليک المدير التنفيذي لمنظمة اليونيسف
التقيت قبل فترة بنتًا صغيرة في مخيم الزعتري الضخم للاجئين في الأردن، ومثل عشرات الآلاف من الأطفال هناک، هربت هذه الطفلة مع أسرتها من الحرب الضروس في سوريا. التقيت بها للمرة الأولی في صفّ دراسي مؤقت بين بحر من الخيام، وفي المرة الثانية رأيتها تلعب مع أطفال آخرين في ملعب وعر.
سألتها عن المکان الذي تفضل أن تکون فيه الآن؛ أهو الفصل الدراسي أم أنه اللعب مع أصدقائها. أعرف تمامًا کيف کنت سأجيب عن هذا السؤال عندما کنت في سنها، ولکنها اختارت غرفة الصف – حملت إجابتها کثيرًا من المعاني. فمن ضمن الأشياء الکثيرة التي اضطرت أن تترکها وراءها عندما غادرت سوريا، يبقی التعليم من الأشياء الوحيدة التي لا تستطيع أن تتحمل خسارتها – بالذات أنها تريد أن تحقق حلمها في أن تصبح طبيبة وتتجنب مستقبلاً يشوبه الحرمان والعنف والخسارة.
سمعت کثيرًا من الأطفال المتأثرين بالأزمة السورية وحالات الطوارئ الأخری في العالم يعبرون عن نفس التعطش للتعلم، فالأطفال يرغبون بالذهاب للمدرسة أکثر من أي شيء آخر، کما أن أسرهم أيضًا تريدهم أن يحصلوا علی التعليم أکثر من أي شيء آخر.
وسط العنف وعدم الاستقرار تصبح المدرسة مکانًا للتعلم والفرص، وملجأ للتعافي واستعادة الصحة، وملاذًا إلی الحياة الطبيعية والأمل في مستقبل أفضل، فالتعليم لا يزيد فقط من فرص الطفل في إعالة نفسه يومًا ما والسعي لتحقيق حياة أفضل لأسرته، ولکنه يزود الأطفال أيضًا بمهارات تساعدهم في إعادة بناء مجتمعاتهم، کما أنه يمکن أن يرسخ فيهم الرغبة في السعي وراء المصالحة بعد حل النزاع وانتهاء هذه المآسي.
يخدم التواصل مع الأطفال المتأثرين بحالات الطوارئ – وتوفير فرص التعلم لهم – الاحتياجات الإنسانية والأهداف الإنمائية علی حد سواء. وفي الواقع، يبقی التعليم مجالاً تلتقي فيه الاحتياجات الإنسانية والأهداف الإنمائية بشکل کامل، ويصبح هذا الأمر في غاية الأهمية، خصوصًا في الوقت الذي يستعد فيه القادة العالميون لتبني أهداف التنمية المستدامة الجديدة التي ستقوم بإرشاد جهود التنمية خلال السنوات الخمس عشرة القادمة.
والأنباء الجيدة هنا هي الإجماع العالمي المتنامي علی أهمية المدارس في کسر حلقات اللامساواة ووقف انتقالها من جيل إلی جيل، ودورها في بناء مجتمعات أقوی وأکثر استقرارًا. يعکس هدف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم هذا الإجماع، لأنه ينادي بإتاحة القدرة للجميع علی الوصول إلی الصف الدراسي بشکل منصف. وخلافًا للهدف الإنمائي للألفية، الذي کان يدعو إلی تعميم القدرة علی الوصول للتعليم الأساسي، يدعو هدف التنمية المستدامة إلی تعميم القدرة علی الوصول للتعلم – من مرحلة تنمية الطفولة المبکرة وحتی المدرسة الثانوية وما بعدها.
وبينما نحتضن الهدف التعليمي الجديد، علينا أن نفکر بأحد العوائق الأساسية التي ستقف في وجه تحقيقه: وهو العدد المتزايد من حالات الطوارئ في العالم. وبحسب تقرير جديد نشره أحد معاهد التنمية، فإن واحدًا من بين کل ثلاثة أطفال خارج المدرسة يعيش اليوم في دولة متأثرة بأزمة، وفي 35 دولة تصنف علی أنها الدول الأکثر تأثرًا بالعنف، يتعرض 65 مليون طفل بين سن 3 و15 عامًا إلی خطر خسارة فرصة التعلم.
فبالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، تبتر الأزمات والنزاعات مسيرة الأطفال الدراسية قبل أن تبدأ أصلاً، وبالنسبة لآخرين، تتسبب هذه الأحداث في إيقاف التعليم وعدم عودة الأطفال إليه. وبالنسبة لآخرين تتدنی جودة التعليم المتاح – بسبب النقص في نسبة المعلمين المدربين أو المواد المناسبة – بحيث لا يکتسب الطلاب حتی المهارات الأساسية في القراءة والکتابة.
تواجه بعض المجموعات تحديات خطيرة بشکل خاص، حيث يشهد الأطفال ذوو الإعاقة – الذين لا يذهب معظمهم إلی المدرسة في الدول النامية – انهيار آمالهم الضئيلة بشکل سريع في أوقات الأزمات. وبحسب البيانات الجديدة التي وردت في التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، يزيد احتمال ترک الشابات اليافعات في المناطق المتأثرة بالنزاعات للمدرسة في المرحلة الثانوية بنسبة 90 في المائة، مقارنةً مع نظيراتهن في الدول الأکثر استقرارًا. يمثل هذا العامل إشکالية کبيرة في هذا السياق، خصوصًا أن کل سنة إضافية من التعليم بالنسبة للبنات تزيد من قدرتهن علی اکتساب القوة واحتمال أن تقمن بإلحاق أبنائهن بالمدرسة في المستقبل.
وعلی الرغم من أن أعداد الأطفال المتأثرين بالنزاعات وصلت إلی مستويات غير مسبوقة، فإن تمويل التعليم في حالات الطوارئ يبقی متدنيًا للغاية. ففي سنة 2013، خصص أقل من 2 في المائة فقط من المساعدات التي قدمت لحالات الطوارئ لصالح فرص التعليم والتعلم. وعلی الرغم من أن التعليم هو أولوية إنمائية واضحة، فإن أقل من 10 في المائة من المساعدات الإنمائية الرسمية المخصصة للتعليم في ذلک العام، وجهت للأطفال العالقين في حالات الطوارئ. ولکي نتمکن من تحقيق هدف التنمية المستدامة الجديد الخاص بالتعليم يجب أن تستجيب استثماراتنا لواقع عالمي بات أکثر تقلبًا، وهذه الاستجابة تبدأ بتقبل حقيقة أساسية: لا يمثل التعلم عنصرًا أساسيًا في إغاثة کل طفل في حالات الطوارئ فحسب، بل إنه يشکل استثمارًا أساسيًا في تنمية المجتمعات المستقبلية.
علينا أن نبني علی هذه المعرفة من خلال تأمين المزيد من التمويل لصالح التعليم في حالات الطوارئ التي لا يمکن التنبؤ بها.
خلال الشهور القليلة الماضية – وعلی هامش اجتماعات الربيع للبنک الدولي وصندوق النقد الدولي، وخلال ملتقی التعليم العالمي الذي عُقد في الماضي – بدأت مجموعة غير رسمية بالتفکير في مقترح لإنشاء صندوق عالمي جديد للتعليم في حالات الطوارئ. وعلی الرغم من أن هناک کثيرًا من التفاصيل التي تحتاج للنقاش، فإن الفکرة حظيت بالقبول، وعلينا أن نبني عليها. نواجه اليوم خيارًا يجب أن نتخذه معًا بشکل جماعي: هل نقوم بإنفاق المزيد علی التعليم في حالات الطوارئ، أم ندفع ثمن جيل ضائع من الأطفال المحرومين من التعلم الجيد، وبالتالي من الاستعداد الکافي لإعادة بناء مجتمعاتهم المحطمة؟ سيواجه جيل من الأطفال المحرومين من فرص تحقيق أحلامهم، صعوبة أکبر في إعطاء أطفالهم فرصة الحصول علی مستقبل أفضل. وسنتحمل جميعنا کلفة هذه الدوامة الشريرة علی المدی الطويل.
سألتها عن المکان الذي تفضل أن تکون فيه الآن؛ أهو الفصل الدراسي أم أنه اللعب مع أصدقائها. أعرف تمامًا کيف کنت سأجيب عن هذا السؤال عندما کنت في سنها، ولکنها اختارت غرفة الصف – حملت إجابتها کثيرًا من المعاني. فمن ضمن الأشياء الکثيرة التي اضطرت أن تترکها وراءها عندما غادرت سوريا، يبقی التعليم من الأشياء الوحيدة التي لا تستطيع أن تتحمل خسارتها – بالذات أنها تريد أن تحقق حلمها في أن تصبح طبيبة وتتجنب مستقبلاً يشوبه الحرمان والعنف والخسارة.
سمعت کثيرًا من الأطفال المتأثرين بالأزمة السورية وحالات الطوارئ الأخری في العالم يعبرون عن نفس التعطش للتعلم، فالأطفال يرغبون بالذهاب للمدرسة أکثر من أي شيء آخر، کما أن أسرهم أيضًا تريدهم أن يحصلوا علی التعليم أکثر من أي شيء آخر.
وسط العنف وعدم الاستقرار تصبح المدرسة مکانًا للتعلم والفرص، وملجأ للتعافي واستعادة الصحة، وملاذًا إلی الحياة الطبيعية والأمل في مستقبل أفضل، فالتعليم لا يزيد فقط من فرص الطفل في إعالة نفسه يومًا ما والسعي لتحقيق حياة أفضل لأسرته، ولکنه يزود الأطفال أيضًا بمهارات تساعدهم في إعادة بناء مجتمعاتهم، کما أنه يمکن أن يرسخ فيهم الرغبة في السعي وراء المصالحة بعد حل النزاع وانتهاء هذه المآسي.
يخدم التواصل مع الأطفال المتأثرين بحالات الطوارئ – وتوفير فرص التعلم لهم – الاحتياجات الإنسانية والأهداف الإنمائية علی حد سواء. وفي الواقع، يبقی التعليم مجالاً تلتقي فيه الاحتياجات الإنسانية والأهداف الإنمائية بشکل کامل، ويصبح هذا الأمر في غاية الأهمية، خصوصًا في الوقت الذي يستعد فيه القادة العالميون لتبني أهداف التنمية المستدامة الجديدة التي ستقوم بإرشاد جهود التنمية خلال السنوات الخمس عشرة القادمة.
والأنباء الجيدة هنا هي الإجماع العالمي المتنامي علی أهمية المدارس في کسر حلقات اللامساواة ووقف انتقالها من جيل إلی جيل، ودورها في بناء مجتمعات أقوی وأکثر استقرارًا. يعکس هدف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم هذا الإجماع، لأنه ينادي بإتاحة القدرة للجميع علی الوصول إلی الصف الدراسي بشکل منصف. وخلافًا للهدف الإنمائي للألفية، الذي کان يدعو إلی تعميم القدرة علی الوصول للتعليم الأساسي، يدعو هدف التنمية المستدامة إلی تعميم القدرة علی الوصول للتعلم – من مرحلة تنمية الطفولة المبکرة وحتی المدرسة الثانوية وما بعدها.
وبينما نحتضن الهدف التعليمي الجديد، علينا أن نفکر بأحد العوائق الأساسية التي ستقف في وجه تحقيقه: وهو العدد المتزايد من حالات الطوارئ في العالم. وبحسب تقرير جديد نشره أحد معاهد التنمية، فإن واحدًا من بين کل ثلاثة أطفال خارج المدرسة يعيش اليوم في دولة متأثرة بأزمة، وفي 35 دولة تصنف علی أنها الدول الأکثر تأثرًا بالعنف، يتعرض 65 مليون طفل بين سن 3 و15 عامًا إلی خطر خسارة فرصة التعلم.
فبالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، تبتر الأزمات والنزاعات مسيرة الأطفال الدراسية قبل أن تبدأ أصلاً، وبالنسبة لآخرين، تتسبب هذه الأحداث في إيقاف التعليم وعدم عودة الأطفال إليه. وبالنسبة لآخرين تتدنی جودة التعليم المتاح – بسبب النقص في نسبة المعلمين المدربين أو المواد المناسبة – بحيث لا يکتسب الطلاب حتی المهارات الأساسية في القراءة والکتابة.
تواجه بعض المجموعات تحديات خطيرة بشکل خاص، حيث يشهد الأطفال ذوو الإعاقة – الذين لا يذهب معظمهم إلی المدرسة في الدول النامية – انهيار آمالهم الضئيلة بشکل سريع في أوقات الأزمات. وبحسب البيانات الجديدة التي وردت في التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، يزيد احتمال ترک الشابات اليافعات في المناطق المتأثرة بالنزاعات للمدرسة في المرحلة الثانوية بنسبة 90 في المائة، مقارنةً مع نظيراتهن في الدول الأکثر استقرارًا. يمثل هذا العامل إشکالية کبيرة في هذا السياق، خصوصًا أن کل سنة إضافية من التعليم بالنسبة للبنات تزيد من قدرتهن علی اکتساب القوة واحتمال أن تقمن بإلحاق أبنائهن بالمدرسة في المستقبل.
وعلی الرغم من أن أعداد الأطفال المتأثرين بالنزاعات وصلت إلی مستويات غير مسبوقة، فإن تمويل التعليم في حالات الطوارئ يبقی متدنيًا للغاية. ففي سنة 2013، خصص أقل من 2 في المائة فقط من المساعدات التي قدمت لحالات الطوارئ لصالح فرص التعليم والتعلم. وعلی الرغم من أن التعليم هو أولوية إنمائية واضحة، فإن أقل من 10 في المائة من المساعدات الإنمائية الرسمية المخصصة للتعليم في ذلک العام، وجهت للأطفال العالقين في حالات الطوارئ. ولکي نتمکن من تحقيق هدف التنمية المستدامة الجديد الخاص بالتعليم يجب أن تستجيب استثماراتنا لواقع عالمي بات أکثر تقلبًا، وهذه الاستجابة تبدأ بتقبل حقيقة أساسية: لا يمثل التعلم عنصرًا أساسيًا في إغاثة کل طفل في حالات الطوارئ فحسب، بل إنه يشکل استثمارًا أساسيًا في تنمية المجتمعات المستقبلية.
علينا أن نبني علی هذه المعرفة من خلال تأمين المزيد من التمويل لصالح التعليم في حالات الطوارئ التي لا يمکن التنبؤ بها.
خلال الشهور القليلة الماضية – وعلی هامش اجتماعات الربيع للبنک الدولي وصندوق النقد الدولي، وخلال ملتقی التعليم العالمي الذي عُقد في الماضي – بدأت مجموعة غير رسمية بالتفکير في مقترح لإنشاء صندوق عالمي جديد للتعليم في حالات الطوارئ. وعلی الرغم من أن هناک کثيرًا من التفاصيل التي تحتاج للنقاش، فإن الفکرة حظيت بالقبول، وعلينا أن نبني عليها. نواجه اليوم خيارًا يجب أن نتخذه معًا بشکل جماعي: هل نقوم بإنفاق المزيد علی التعليم في حالات الطوارئ، أم ندفع ثمن جيل ضائع من الأطفال المحرومين من التعلم الجيد، وبالتالي من الاستعداد الکافي لإعادة بناء مجتمعاتهم المحطمة؟ سيواجه جيل من الأطفال المحرومين من فرص تحقيق أحلامهم، صعوبة أکبر في إعطاء أطفالهم فرصة الحصول علی مستقبل أفضل. وسنتحمل جميعنا کلفة هذه الدوامة الشريرة علی المدی الطويل.







