أخبار إيرانمقالات
إيران تلوح بحزب الله للجم ترامب وتطويق انکسارات اليمن

العرب اللندنيه
22/2/2017
بقلم:علي الأمين
فجأة ومن دون سابق إنذار عادت نغمة التصعيد المتبادل علی ضفتي الحدود بين لبنان وإسرائيل. التصعيد اللفظي والاستعراضي يقابله استمرار الهدوء والاستقرار في أکثر منطقتين آمنتين في الشرق الأوسط منذ نحو أحد عشر عاما، نقصد جنوب لبنان ومنطقة الجليل الإسرائيلية، فهل المنطقة أمام مشهد تفجيري جديد طرفاه إيران عبر ذراعها حزب الله من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية علی الأرض اللبنانية وداخل الحدود الإسرائيلية؟
نقطة البداية في هذا المشهد التصعيدي بدأت منذ بداية الشهر الجاري، منذ أطلق الرئيس الأميرکي دونالد ترامب مواقف عدّة تجاه إيران، أوحت بوجود سياسة أميرکية جديدة عنوانها الحدّ من النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، قال الرئيس الأميرکي الجديد إنّه يريد الحدّ من النفوذ الإيراني في العراق، ووجّه أکثر من رسالة واضحة حيال التجارب الصاروخية الباليستية، وأعاد إيران إلی مربع العقوبات الأميرکية الأول، ووجه رسالة مباشرة من علی شواطئ اليمن بعد العملية الانتحارية التي استهدفت فرقاطة سعودية. کل هذه التطورات واستعراض أوراق القوة الأميرکية، کان لا بد للقيادة الإيرانية أن ترد في المقابل باستعراض أوراق قوتها، وحزب الله الذي يمسک بالحدود اللبنانية مع إسرائيل، هو الأکثر قدرة علی تلبية النداء الإيراني للرد علی التهديدات الأميرکية، ومن دون أن تتحمل إيران أيّ مسؤولية مباشرة.
علی أنّ حزب الله الذي يدرک حساسية اللعبة الدولية، منذ أن غضت واشنطن النظر عن انخراطه في الحرب السورية دعما لنظام بشار الأسد، حرص علی أن تکون رسائله الصوتية ضد إسرائيل ولا تقترب من أيّ موقف يمکن أن يشتم منه أيّ تهديد للمصالح الأميرکية المباشرة في لبنان والمنطقة، لذا عندما نشرت وکالة رويترز الإخبارية قبل أيام نقلا عن مصدر في حزب الله أنّ الأخير يوجه تحذيرات لترامب، سارع حزب الله إلی نفي الخبر معتبرا أنّ لا أساس له من الصحة ببيان صدر عن العلاقات الإعلامية في حزب الله.
التهديدات التي أطلقها الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، کانت مدروسة أيضا تجاه إسرائيل، فهي مسبوقة دائماً بـ“إذا قامت إسرائيل بعدوان علی لبنان فإنّ حزب الله سيرد”، ويکمل أنّ لدی حزب الله مفاجآت للجيش الإسرائيلي، مؤکدا أنّ معلومات إسرائيل عن إمکانيات حزب الله التسليحية والقتالية ضعيفة. لکن نصرالله وهو يستعرض في خطابه ضد إسرإئيل، کان يوجه سهامه إلی المنظومة العربية، وتحديدا المملکة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في مواقف کشفت عن انقلاب علی ما قيل عن تفاهم لبناني عبرت عنه محطة انتخاب العماد ميشال عون رئيسا ومحطة تشکيل الحکومة، وتأکيد الأطراف اللبنانية، علی اختلافها، علی ضرورة إعادة تنشيط العلاقة مع الدول العربية ولا سيما الدولتين المذکورتين. من هنا جاء تصعيد حزب الله ضد إسرائيل وضد الدول العربية، مع فارق استمرار الهدوء وعدم القيام بأي خطوة عسکرية ضد إسرائيل، في مقابل ضخ مستمر للمقاتلين سواء باتجاه سوريا أو غيرها من الدول العربية کما هو الحال في اليمن والعراق.
الکلفة القتالية ضد إسرائيل هي وجودية لحزب الله، فإسرائيل ردت علی مفاجآت نصرالله التي لوّح بها في خطابه، بموقف من أفيجدور ليبرمان وزير الأمن الإسرائيلي قال فيه، إنّ کلّ مقومات الدولة اللبنانية ستکون هدفا لإسرائيل ولم يذکر حزب الله، وهي إشارة إلی أنّ هذه الحرب ستزيد من أعداء حزب الله أکثر ممّا ستجد تعاطفا معه. فالکل يعلم أنّ الدولة اللبنانية في أسوأ أوضاعها المالية والاقتصادية، فيما حزب الله بات يدرک أنّ التعاطف اللبناني أو العربي لن يکون متوفرا کما حصل في حرب العام 2006، لذا فإنّ بعض المراقبين يقرأون في مواقف الحزب التصعيدية الأخيرة محاولة للجم أيّ حرب إسرائيلية محتملة ضده بتشجيع من ترامب، فيما يضيف بعض المراقبين أنّ تصعيد حزب الله هو محاولة إيرانية للتذکير بأنّ لإيران دورا محوريا في حماية الاستقرار علی الحدود الشمالية لإسرائيل سواء مع لبنان أو مع سوريا، وأنّ إيران تنبه إلی أنّها في حال تعرضت مصالحها ونفوذها في المنطقة العربية لأي تهديد أميرکي فهي يمکن أن تذهب إلی خطوة انتحارية علی الحدود الإسرائيلية.
في هذا السياق لا يمکن المرور علی موقف السلطة اللبنانية من دون الإشارة إلی موقف لبنان الرسمي. حيث برز موقفان واحد عبر عنه رئيس الجمهورية المنهمک في ترتيب وضعية انتخابية برلمانية تتيح له أن يحصد حزبه التمثيل المسيحي الکاسح، وهي وضعية لا يمکن أن تتحقق له من دون رعاية حزب الله سياسيا ولوجستيا، فکان واضحا في القول إنّه إلی جانب سلاح المقاومة وضرورة بقائه في المعادلة اللبنانية لأن الجيش عاجز عن مواجهة أيّ عدوان اسرائيلي.
الموقف الآخر کان من الحکومة اللبنانية التي انتقدت مواقف نصرالله من الدول العربية واعتبرها الرئيس سعد الحريري تخريبية لمصالح لبنان وعلاقاته الأخوية مع دول الجوار، فيما جدد التأکيد سواء علی طاولة الحکومة أو في خطابه من علی منبر 14 فبراير، أي في ذکری اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أنّ قضية السلاح غير الشرعي لم تنته کقضية محورية يسعی إلی إنهائها في سبيل دعم خيار السلاح الشرعي من قبل مؤسسات الدولة العسکرية والأمنية.
لم تذهب المواجهة الداخلية نحو مسارات الانقسام السياسي الحاد، فحزب الله اکتفی بتوجيه رسائل باتجاه الخارج، وأظهر اهتماما بعدم الانجرار إلی مواجهات داخلية، واختفی خلف موقف رئيس الجمهورية الذي بدأ بتلقي الرسائل الدولية والأميرکية المعترضة علی مواقفه التي تتناقض مع مقتضيات القرار الدولي رقم 1701 والتي لا تقرّ بوجود سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية والقوة الدولية المنتشرة منذ العام 2006 في منطقة الجنوب وإلی جانب الحدود مع إسرائيل.
يبقی أنّ المخاوف وتداعيات التصعيد الکلامي لم تکن لصالح الدولة اللبنانية، التي يفترض أنّها مع العهد الجديد، تحاول أن تستعيد بعض النشاط الاقتصادي من خلال تحفيز السياحة والاستثمار وجذب المساعدات العربية والدولية، لکن يبدو أنّ الحسابات الإيرانية تتقدم علی کل الحسابات اللبنانية وعلی نظام مصالح اللبنانيين عموما، فإيران لن تقبل بأن يتم تهديد نفوذها دوليا في المنطقة العربية، وصراخ حزب الله لا يمکن إلاّ أن يکون نتيجة تحسسه لخطر تنطوي عليه مواقف الإدارة الأميرکية تجاه إيران، وهو إن کان يدرک أهمية دوره اليوم کحام للحدود اللبنانية مع إسرائيل ضد أيّ محاولة مقاومة فلسطينية أو عربية أو إسلامية ضد احتلال فلسطين، فيستخدم هذه الورقة في مواجهة التطور الأميرکي تجاه الحرب في اليمن، فالحياد العملي الذي اعتمدته إدارة الرئيس باراک أوباما تجاه الانقلاب الحوثي في اليمن، تبدو إدارة ترامب حاسمة أکثر من الإدارة السابقة في إنهاء الأزمة اليمنية انطلاقا من مواجهة النفوذ الإيراني في هذا البلد، ولعلّ تعزيز حضور البوارج الأميرکية في مياه الخليج، هو الرسالة الأکثر وضوحا، مع ما يقابلها من تراجع استعراضات الحرس الثوري والبحرية الإيرانية التي لمست أنّ الأميرکيين جادّون بتوجيه ضربة لإيران هذه المرة.
الأصوات الإيرانية المرتفعة ضد إسرائيل هذه الأيام، لم تکن هي ذاتها قبل عام، ما يؤکد أنّ التلويح بورقة حزب الله، وعقد مؤتمر دعم فلسطين هذه الأيام في طهران، والتهديد بضرب مفاعل ديمونا الإسرائيلي، ليست إلاّ محاولات خطابية مرفقة بکيل الاتهامات للنظام العربي، ولکن من دون أي استعداد لتوجيه أي رصاصة باتجاه العدو الإسرائيلي.
إيران التي غامرت بالعرب في سبيل کسب ودّ الغرب، تحاول اليوم ألا تخسر ودّ الغرب أيضا، وما أصوات نصرالله في لبنان والرئيس الإيراني حسن روحاني في الکويت وعُمان، إلاّ محاولة للحدّ من خسائرها الدولية بعدما صارت عدوا لمعظم الدول العربية، فيما الدول الکبری غير راغبة في إعطائها المکافأة التي طمحت إليها بعد إنجازها التاريخي في المشارکة الفعالة بتدمير الدول والمجتمعات العربية فداء لغير العرب ولغير المسلمين.







