إيران في سورية من وهم الانتصار إلی منع الانهيار
الحياة اللندنية
8/6/2015
سورية أم المعارک. وطهران لم تتردد منذ اليوم الأول في الانخراط فيها. وهي اليوم تقود الحرب مباشرة. حلت عملياً محل دمشق. تماماً کما حلت قبل في بغداد. وحدت هي أيضاً، کما «داعش»، الساحتين العراقية والسورية. وألغت الحدود. بعدما استنجد حيدر العبادي بـ «الحشد الشعبي»، استنجد وزير الدفاع جاسم الفريج بطهران عندما زارها أخيراً. سلمها عصا القيادة. ولم تتأخر، مدته بآلاف من الميليشيات المتعددة الجنسية. بلاد الشام باتت تحت رحمة الميليشيات بعدما تحللت الجيوش الرسمية. وسيعطي هذا قادة المقاتلين حق الإمساک بالقرار السياسي کاملاً. فإذا نجح «الحشد» الشيعي في هزيمة «داعش» في الرمادي وغيرها، لن يصب النصر في خانة حيدر العبادي رئيس الوزراء. «الحرس الثوري» سيقطف الثمر. وکذا الأمر بالنسبة إلی سورية. فإذا اکتفی النظام بالشريط الساحلي، فإن مستقبل هذا الإقليم سيکون بيد من دافع عنه ووفر له الحماية. وإذا توجه نحو تسوية سياسية ما ستکون الکلمة الفصل بيد طهران. لذلک، لم يکن مستغرباً أن تستنجد دمشق في الأيام الأخيرة بموسکو. دعتها إلی تنظيم لقاء ثالث مع المعارضة لعله يفتح باب تسوية سياسية تبقي شيئاً بيد النظام ورئيسه بشار الأسد فلا يدفعه اليأس والخوف من تقدم خصومه نحو حلب والساحل والعاصمة إلی إلقاء نفسه کلياً ورقة في أحضان الجمهورية الإسلامية.
النظام السوري الذي کابر في اللقاءات السابقة في جنيف وموسکو يدرک جيداً أنه بتسليمه عصا إدارة الحرب إلی إيران لم يعد يملک حرية التصرف السياسي. ولکن، لم يکن مفر من هذه الکأس المرة. حتی روسيا التي بدت في الأشهر الأخيرة أکثر استعداداً للبحث في مستقبل الرئيس الأسد باتت تخشی خسارة نفوذها کاملاً ودروها تالياً في أي تسوية. لکنها لا تزال تملک ورقة قوية: حضورها في مجلس الأمن وتغيير موقفها باتجاه التوافق علی أرضية مشترکة مع الشرکاء الآخرين في المجلس. أمامها فرصة قريبة أو امتحان. المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سيقدم إلی المجلس تقريراً شاملاً منتصف الشهر المقبل يضمنه نتائج اتصالاته وتحرکاته مع جميع المعنيين بالأزمة السورية. لم يعد سراً أنه عاد إلی المربع الأول منطلقاً من بيان جنيف الأول (حزيران – يونيو 2012). وفي رأس مطالبه من الخمسة الکبار، أو بالأحری من الولايات المتحدة وروسيا، التوافق علی تفسير واحد لبنود البيان. من الجسم الانتقالي الذي سيحکم في المرحلة الانتقالية إلی دور رأس النظام.
المبعوث الدولي لا يخفي حقيقة ما توصل إليه من قناعات وإن لم يصرح علناً. يعرف أن دمشق أحبطت مشروعه الأول قبل أشهر لوقف نار في حلب. ويفصح في لقاءاته الخاصة والضيقة بأنه لا يمکن أن يکون هناک دور للرئيس الأسد في أي تسوية. فهل تسهل موسکو دفع الأمم المتحدة إلی نقطة تفاهم مع أميرکا وأوروبا علی صيغة تنتهي بالتغيير المطلوب في سورية؟ راهنت حتی الآن، مثل شرکائها الدوليين، علی وجوب الحفاظ علی هياکل الدولة، خصوصاً المؤسسة العسکرية، وعلی جزء من النظام. وهدفها الأول والأخير الحفاظ علی مصالحها السياسية والأمنية في هذا البلد. ولکن، بات مصير النظام اليوم وهياکله ووحدته الترابية ومستقبله بيد «الميليشيات الإيرانية» المکلفة حماية النظام والدفاع عن مناطقه أياً کان حجمها. ولا ترغب موسکو في رؤية ميليشيات تحکمها عقيدة دينية مذهبية متشددة، تمسک بالقرار سواء في سورية أو في أي بلد آخر. فهي تدرک أن ترسيخ إيران أقدامها في سورية کما في العراق، عبر هذه الميليشيات، سيدفع أهل السنّة إلی التمسک بالفصائل الإسلامية المتشددة، من «داعش» إلی «النصرة» وما شابههما. وتری إلی ذلک تهديداً مباشراً لأمنها القومي، انطلاقاً من الشيشان داخلياً أو من الدول الإسلامية التي استقلت عنها ولم تستقل. کما أنها لا يمکن أن تجازف بخسارة آخر مواقعها في الشرق الأوسط لحساب الجمهورية الإسلامية. وهي تخشی أن يتعاظم التعاون بين طهران وواشنطن علی حسابها، إذا رأی الاتفاق النووي النور آخر هذا الشهر.
خرج الصراع في المنطقة عن قواعده المألوفة. لم يعد الکبار يقفون خلف القوی المحلية في ساحات المواجهة. لم تعد «عاصفة الحزم» نهجاً فريداً في اليمن. أخذت دول التحالف العربي الجديد المبادرة بيدها مباشرة بعدما تبدی دور إيران جلياً بلا قناع في صنعاء وغيرها. وبعدما ملأت تصريحاتها العالم تبجحاً! وإذا توافقت ترکيا مع أطراف عربية ووقفت بخفر في سورية خلف اندفاعة الفصائل الإسلامية وعلی رأسها «جيش الفتح»، فإن طهران لم تتردد في رفع التحدي، وإعلان انخراطها المباشر لمواجهة النار بعد اقترابها من الخطوط الحمر. باتت الفصائل المتشددة علی مقربة من دمشق التي قال الإيرانيون من زمن أن سقوطها يعادل سقوط طهران نفسها. وإذا کان مقاتلو «حزب الله» لا يکفون لمهمة الدفاع عن العاصمة، فإن الجمهورية الإسلامية مستعدة لإرسال الآلاف من أبنائها ومن العراق وأفغانستان وغيرهما. لن تسمح بسقوط الرئيس الأسد. وستحاول إعادة شيء من التوازن إلی کفتي الميزان في مسرح العمليات بعد الخسائر التي مني بها حليفها في أکثر من منطقة. وإذا کان المطلوب إسقاط النظام في دمشق، فإنها لن تسمح بانهياره. فإذا لم تقدر علی حماية العاصمة فإنها بالتأکيد ستستميت للدفاع عن الساحل. وستسعی سريعاً إلی مده بأسباب القوة عبر ربطه بالسهل اللبناني في البقاع.
أما إذا کانت المکاسب التي تحققها المعارضة محدودة الأهداف ورهن تسهيل انعقاد «جنيف – 3» فقط، فعلی النظام السوري أن يحضر قوياً وليس تحت تهديد السقوط. هذا ما تريده إيران. يجب ألا تمر التسوية في محادثات أو تفاهمات بين واشنطن وموسکو بعيداً منها. وقد أقلقها ما خرج من أجواء إثر زيارة وزير الخارجية الأميرکي جون کيري موسکو أخيراً. لذلک، يحقق لها زجها بمزيد من القوات في الميدان السوري، هدفين أساسيين: الأول أنها باتت القوة المقررة علی الأرض، ولا يمکن تجاوز رأيها وموقفها في أي حوار أو تسوية سياسية. وإذا تعذرت التسوية تکون هذه القوات الضامن الأول والحصن المنيع الذي يدافع عن قيام الإقليم العلوي في الساحل السوري. ومنه يمکن بقاء البوابات مفتوحة مع سهل البقاع، خصوصاً بعد خروج کل البوابات مع ترکيا والأردن من يد السلطة وسيادتها. وإذا کانت عرسال ستشکل عقبة فالخطط جاهزة لإزاحة هذا الجدار أو الحاجز العقبة. ومنذ انفجار الأزمة کان هناک حرص واضح علی بقاء طريق دمشق – بيروت مفتوحة مهما کلف الأمر وأياً کان الثمن. وأبعد من ذلک يجب أن تبقی الطرق مفتوحة بين البقاع الشمالي والساحل الغربي لسورية. فهذه تشکل شريان وصول الامدادات التي يحتاج إليها «حزب الله». لذا، بکر مقاتلوه في معرکة القصير، ويصرون اليوم علی إزالة المضيق، بلدة عرسال وجرودها، لتکون طريقهم إلی مرافئ سورية البحرية مفتوحة.
هذا المدد الإيراني ينذر بمعارک شرسة ستحتد بعد انتهاء الانتخابات الترکية. عندئذ تتفرغ غرفة العمليات التي تساعد الفصائل المعارضة لمواصلة الحرب علی النظام. لذلک، قد لا يکون الطرفان، الترکي والإيراني مستعجلين لانعقاد «جنيف – 3». ربما احتاجت القوی التي زجت بها طهران إلی بعض الوقت لاسترجاع شيء مما خسره النظام. فيما المعارضة ستحرص علی مواصلة الزخم الذي بدأ في الشهرين الأخيرين. وبصرف النظر عن هذه الاعتبارات ليس مطروحاً إشراک «داعش» و «النصرة» في التسوية. وکلاهما العنصر الأساس والفاعل في مسرح العمليات. وليس في الأفق ما يوحي بأن التحالف الدولي سيکون قادراً علی دحر التنظيمين لتسهيل الحلول السياسية في بلاد الشام. فلا الحرب القائمة منذ سنة في بلاد الرافدين أثمرت نتائج باهرة، ولا السياسة الأميرکية باتت أکثر وضوحاً بمقدار ما ازداد الارتياب في دورها. ولن تفلح إدارة الرئيس باراک أوباما في إقناع المرتابين بأن طائراتها لم تقصف أرتال «داعش» وهي تتحرک مئات الکيلومترات نحو تدمر في صحراء خالية وتحت سماء مکشوفة لئلا تتهم بأنها تدافع عن النظام! فهي تعرف جيداً أن هدف دمشق وطهران هو تعزيز مواقع «داعش» علی حساب الفصائل المعتدلة. تماماً کما هي الحال في العراق: يمنع السلاح عن العشائر السنّية فيما يتراجع الجيش أمام تقدم التنظيم في الرمادي وغيرها. فلا يبقی أمام قوات التحالف الدولي شريک علی الأرض سوی الميليشيات التي يرعاها ويقودها قاسم سليماني. أي أن إيران تريد تسويق نفسها الشريک الوحيد للغرب في حربه علی الإرهاب. فيما تهدد عشائر الأنبار بمهادنة «داعش» الذي سيتحول مع طول المعرکة إلی محاور للآخرين، من إيران والدول الأخری المعنية بمصالح سياسية وأمنية واقتصادية بالمنطقة.
المسألة الأکثر خطورة في ما يجري في کل من العراق وسورية هي أن الدولة وهياکلها في کلا البلدين تبدو الأکثر ضعفاً وعجزاً أمام قوات الميليشيات. بعد هذا، کيف يمکن الساعين إلی تسوية سياسية أن يتحدثوا عن وجوب الحفاظ علی الجيش هنا وهناک فيما يد الميليشيات هي الأعلی؟ مثل هذا ألا يدفع أهل السنّة دفعاً إلی أحضان «داعش»، جيشهم البديل والقوي القادر علی مواجهة الجمهورية الإسلامية وميليشياتها؟ هکذا تغدو «الدولة الإسلامية» في مواجهة الجمهورية الإسلامية التي باتت تملک مفاتيح رئيسية في رسم الخرائط الجديدة أو إعادة إنتاج الهياکل القديمة! في حمأة الصراع قد لا يبقی متسع من الوقت لعقد «موسکو – 3» أو جنيف – 3». ولن يتوافر بديل أو شريک مقبول ليخلف رأس النظام في دمشق ويحفظ ما بقي من الدولة الواحدة. فمن يفوز في السباق؟ إيران أم روسيا وأميرکا؟ الميليشيات أو المذاهب اللاهثة وراء إماراتها وأقاليمها أم اللاعبون في الخارج الساعون إلی بقاء ما يرمز إلی الدولة الواحدة؟







