أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي (الحلقة الثالثة والعشرون)


بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي


في حقيقة التاريخ الخاص لظهور الدين الإسلامي والسنة النبوية الشريفة لا يلاحظ أحد أي أثر من هذا «الفقه» المدوّن و«الشريعة» الحجيمة والسميکة. وکما يشهد عليه التاريخ إنه لم يکن إطلاقًا في عهد النبي الکريم محمد (ص) وأنصاره المقربين «شريعة جامدة» وتدوين وصياغة هکذا أحکام وقرارات وشرائع يعتبرها ويعرّفها الرجعية الإسلامية بأنها «أحکام الله» أو «ما أنزل الله» وهي متعطشة لأن ينفذها بفعل قهر وقتل الناس وقمع البشرية.

حاليًا وفي هذه النقطة من الموضوع علينا أن نعرّف ونتعرف علی «الشريعة الحقيقية» للإسلام ومبادئه وأساليبه ومناهجه ولکن باختصار وعلی حد ما يسعه کتابنا هذا لکي نکشف مباشرة الحدود المنتهکة والمخروقة لهذه الشريعة المحمدية السمحاء والذرائع التي تم خرق هذه الحدود وتجاوزها بالنوايا الشريرة للرجعية المقنعة بقناع الإسلام طيلة القرون الـ 14 أو 15 الماضية وتم استبدالها بـ «شريعة الدم والقتل والرجم» لکي تخدم السلطوييين المتغطرسين أصحاب الأنانية والاستبداد.



مبادئ الشريعة الحقيقية

في الحلقة الـ 22 (الحلقة السابقة) أشرنا إلی واقع إسلامي وتاريخي والعقيدة المشترکة بين جميع المسلمين بأن القرآن الکريم ينص علی مبدأ «الإتمام والإکمال» للدين الإسلامي في ذات عهد ظهوره وانطلاقته وذلک بکل صراحة وتأکيد وفي الآيات التي نزلت في أواخر العام العاشر من الهجرة أي قبيل وفاة النبي محمد (ص) بأکثر من شهرين وأبلغ بها النبي (ص) الجميع وبأکثر شکل علانية أمام تجمع ضخم وغير مسبوق للصحابة والمسلمين من الأجيال الأولی وفي الحج الأخير المعروف بـ «حجة الوداع» أي وطبقًا لهذه الآية، إذا کان هناک عمل بقي للمسلمين بعد هذه الآية وهو کذلک، فهو أعلی وأرفع من الهيکلية الرئيسة لهذا الدين قبل ومن دون مثل هذه النتائج وهو دين «مکمل ومتمم» و«موضع رضا الله» الآية: «ورضيت لکم الإسلام ديناً»). فلذلک إن کل ما ظهر بعد العهد المذکور أي العام العاشر من الهجرة وبعد الإعلان عن «إتمام وإکمال» الدين الإسلامي الذي رضيه الله ديناً للمسلمين وحاليًا بين أيدي المسلمين لا يتجاوز حالتين: إما جهود إنسانية شرعية فکر فيها وحصل عليها آل محمد (ص) وأصحابه الصالحون والأجيال المفکرة والعلماء المسلمون باتجاه فهم ذات الهکلية واقتيادها وتطبيق وتنفيذها بالتفاصيل لکي يسدوا ويستجيبوا حاجات المسلمين هذه علی حد وسعهم وحسب حاجاتهم الجديدة والظاهرة علی مسيرة حياة وتاريخ أتباع هذا الدين. وإما وفي غير هذه الحالة کانت ولا تزال دسائس وجهودًا غير شرعية وفاسدة خطط لها وتآمر بها أعداء هذا الدين في خارجه وداخله وأعداء الحرکة التاريخية العظيمة المعنية لتشويه ذات «الإکمال والإتمام» للدين الإسلامي وحرف معطياته ومنجزاته من مساره الحقيقي لأنه لا ينسجم ومصالحهم الفاسدة وآل الفسدة علی أنفسهم قلبه وبيانه وتفسيره المقلوب بهدف الحصول علی السلطة أو الحفاظ علی سلطتهم ومصالحهم وبهذه الدوافع الشريرة مارسوا ظلمًا کبيرًا للدين الإسلامي المحمدي وشخص الرسول محمد (ص) وکتاب هذا الدين (القرآن) والآيات والتعاليم الخاصة له، وهم سوف يظلون يسعون علی هذا المسار الخياني الشرير.

إذن ومن الجدير بالذکر تکون کلتا الجماعتين من الشرعية وغير الشرعية مشترکين من هذه الناحية حيث تکون منتوجاتهم سواء من الخير أو الشر من عمل ومن صنع الناس وأبناء البشر، وتکون حصيلة هذه الأعمال التي تشمل طيفًا متنوعًا من الأفکار والانطباعات والقراءات والمکاتب والمذاهب وأظهرت صنوف المناهج العملية والخطوات والإجراءات الخاصة، کلها وکلها سواء من الخير أو الشر ليست إلا حصيلة بشرية صنعها أبناء البشر بأيديهم وأفکارهم حتی وفي أمثل حالاتها ومن قبل أفضل أصحاب الصلاحية والخبرة في شؤون هذا الدين، نعم، وبنية صادقة وبهدف ترويج الدين وبتوفير أسلوب وقرارات من أجل تطبيق مبادئ الدين الإسلامي والموروث المحمدي (ص) وهناک الکثير من الحالات کانت کذلک.

هنا ونظرًا للواقع المذکور ونظرًا لمبدأ «الإکمال والإتمام» للدين في ذات السنوات الأولی من ظهوره نصل إلی سؤال لامحالة وهو ما هي الحاجة للمنتوجات البشرية في شؤون هذا الدين (الدين الإسلامي الحنيف)؟ وإذا کانت هناک في الحقيقة مثل هذه الحاجات فما هو موقع المنتوجات الحاصلة ومصداقيتها وماذا سيکون؟ وردًا علی ذلک وقبل کل رد وفي دراسة عميقة للسؤال المذکور فنحن بحاجة لأن نتناول في المقدمة التعاليم والمبادئ المتعلقة بالقرآن الکريم التي ستبقی متناسقة ومترابطة مع مبدء «الإکمال والإتمام» دليلاً لنا إلی نيل أسلوب إدراک وفهم وتفقه تعاليم وحدود الدين الإسلامي.

 

مبدأ وحدة وتماسک القرآن

إذا تأملنا في المبدأ المذکور (الإکمال والإتمام) فسوف نستنتج لامحالة أن هذا الدين ورسالة «الإکمال والإتمام» يلبي حاجات أهل الدين نظرًا للخلافات التي لا بد منها في المفاهيم الإنسانية القابلة للخطأ (شرعيًا أو غير شرعي) لأنه لم يلب هذه الحاجات فهو ناقص فيما أنه کامل وقدرة علی تلبية الحاجات واجابة الأسئلة وفقًا للقرآن وإجماع المسلمين فمن المفترض أن يکون قادرًا علی تفکيک وتمييز مختلف المنتوجات البشرية غير المتناسبة مع أن ناتجيها يکونون من المسلمين ومفکريهم (تفکيک وتمييز الصحيح عن الخطأ)، لأنه ولا محالة وبين الرأيين المختلفين أو المتضادين والمتناقضين واحد منهما فقط يمکن أن يتناسب ويتناسق مع «هذا التمام»، إلا أن يکون جانبا الخلاف علی خطأ ففي هذه الحالة من المفترض أن يکشف ميزان «الإکمال والإتمام» کلا الجانبين الأمر الذي يسري عموم وکل القضايا التي هي موضع الاختلاف والتناقض.

ولذلک عند ما يأتي دور التقييس مع «تمام القرآن» وکذلک يجب أن يکون الأمر، لا يمکن إطلاقًا أن تطابق وتناسق مع هذا «التمام» عدة آراء ومنتوجات بشرية متناقضة علی حد سواء وبالتماشي بعضها مع البعض الآخر. حاليًا يجب أن نلفت انتباه القراء إلی حقيقة وهي إن ما أشرنا إليه فوقًا ومنطقيًا قد أکده القرآن نفسه بصراحة وأيضًا في تلک السنوات الأولی من ظهور الدين الإسلامي وقد أبلغ وأتم الحجة (قدّم البلاغ الأخير) حيث يقول: « أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ کَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا کَثِيرًا» (الآية82. من سورة النساء).


تعليمات لمبدأ الوحدة

توضح ويعلّم الآية المذکورة بکل صراحة ما تکنه من الوحدة والتماسک في القرآن مما يقودنا إلی ثلاثة مکاسب ونتائج في الأقل وهي کالتالي:

الأول: الاختلاف بين رسالة الله وکلامه في الدين وبين المنتوجات البشرية (غير الله) في هذا المجال، ومن الطرق التي يمکننا من التعرف علی کل منهما هو التأمل والتدبر المطلوب لنری أن الثانية أي المنتوجات البشرية تتعارض وتتفاوت وتتنافي بعضها مع البعض الآخر فيما أن کلام الله کلام واحد ومنسجم ومتماسک وهو الدين الحق.

الثاني: فنستنتج من هذه السمة والميزة التي تتميز بها آيات الله أو رسالة الله (رسائل وتعليمات القرآن) أنها وخلافًا لحصيلة أعمال البشر تتميز بالتماسک والتناسق والوحدة من دون تناقض أو خلاف، فتستنتج أن الدين الإسلامي وفي أصله وأساسه الحقيقي وهو ما ورد في القرآن وآياته بريء من التناقض والخلاف وکل ما يشاهد أو يظهر أو يوحی من الخلافات والتعارضات والتناقضات في الشؤون الدينية لا يعود إلی الدين. فبذلک لا يجب ولا يمکن أن ننسب کل هذه الآراء والنظريات الدينية الظاهرة بين المسلمين من المکاتب والمذاهب الإسلامية المتنوعة إلی القرآن والإسلام.

وهذا يعني أنه ومن وجهة نظر القرآن الکريم وما ورد في الآية المستندة من سورة النساء بکل صراحة إن الخلافات والتعارضات الحالية والمستقبلية في مجال الدين ليس في الأقل إلا حصيلة اختلاط والتقاط المنتوجات الإنسانية مع دين الله الإسلامي العارية عن التناقض والخلاف والتعارض. وعن ذلک لا يختلف الأمر في ما يتعلق بالدوافع والأهداف النزيهة أو غير النزيهة للعلماء والمفکرين حملة فايروس الاختلاط والالتقاط المذکورين في إنتاجهم مثل هذه الحصيلة. وهذا يأتي بمنأی عن الدکاکين المختلقة والمفتعلة باسم الدين والإسلام والتي أسست علی خلاف وبطلان ومعزل عن الإسلام منذ تکوينها وبدايتها وفي جوهرها.

الثالث: وهو الرسالة الرئيسة لهذه الآية وهي أن التمتع بهذا التماسک والتناسق الذي هو رکن من أرکان أسلوب معرفة وإدراک التعاليم القرآنية مشترط برؤية وجهد خاص للمشاهدة الصحيحة والجامعة للرسالة الإسلامية الواحدة في القرآن والتي تم التعبير عنها في هذه الآية المبارکة بـ «التدبّر» ويجب عدم الثقة بأسلوب يفتقر إلی هذا «التدبّر» المنشود في القرآن. وأما حول هذا الرکن والشرط أي التدبّر في الأسلوب الصحيح والمؤکد في القرآن، فقيل بکل بوضوح أنه يعني: المطالعة والنظرة الجامعة والشاملة لمختلف جوانب الآية والموضوع في القرآن والذي يؤدي إلی تجاوز أي تناقض وتنافر بين أجزاء وأجهزة القرآن والدين الإسلامي إلی حد يتم فهم ورؤية «وحدة» و«تماسک» و«تناسق» هذه الأجزاء والأجهزة في آلية کتاب القرآن والدين الإسلامي برمتها. وبعبارة أخری يتم إدراک النصوص والآيات بعمق وشمول بحيث يمکن للباحث أن يصل إلی جذورها وجوهرها کرسالة واحدة موحدة يظنها المحرومون من «التدبرّ» متعارضة ومختلفة وغير متناسقة.

وهنا يجب السؤال هل القدرة والتقنية في البحث والتحقيق والنشاط المدرسي والدراسي والعلمي هو المطلوب لرؤية هذه الوحدة والتوحد وتجاوز التناقضات الظاهرية أم إن الشروط الإنسانية والجوهرية والمعنوية للباحث هي أيضًا من ضرورات هذا البحث والدراسة والتتبع العلمي لنيل توحد ووحدانية القرآن وتعاليمه؟

 

(يتبع)

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى