أخبار العالممقالات

تحديات «استعادة» العراق عربياً

 

 

 
الحياة اللندنية
24/8/2017

 

بقلم: وائل مرزا

 

 

علی رغم المحاولات عربياً علی مدی سنوات، يبدو تطبيع العلاقات مع إيران وضعاً أقربَ إلی المستحيل.
بعيداً من الاعتبارات المذهبية البحتة، تبقی إيران، برؤيتها السياسية والأيديولوجية، وهوس السيطرة الإمبراطورية المتحکم بقادتها، وممارساتها التوسعية، مصدر خطر مستمر، ليس فقط علی الحکومات والدول، وإنما علی کل استقرارٍ ممکنٍ للمجتمعات العربية.
تمثلت الخطوة الأولی علی طريق التوسع في السيطرة علی العراق. وجاءت فرصتها الذهبية بعد سقوطه في أحضانها نتيجة السياسات الأميرکية.
لهذا، وعلی مدی أعوام، رفض العرب تدخل إيران في شؤون العراق، إن لجهة محاولتها السيطرة سياسياً فيه، أو علی صعيد الوجود العسکري/ الميليشياوي.
کانت السعودية في مقدم ذلک الرفض المتکرر. فقد صرح عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، في مقابلة مع قناة RT الروسية يوم 20 أيار (مايو) بأن «الرياض تنظر لوجود قاسم سليماني في بغداد بأنه سلبي جداً»، مؤکداً أن «الحرس الثوري يحارب الشعب السوري، يحارب في العراق، ويقوم بأعمال تخريبية في أنحاء أخری من العالم».
المفارقة هنا أن وزير الخارجية العراقي صرح، في عمّان بتاريخ 7 حزيران (يونيو) من العام الفائت، بأن سليماني «يعمل في الأراضي العراقية بوظيفة مستشار عسکري بعلم الحکومة العراقية ودرايتها التامة».
لکن التدخل الإيراني المذکور تصاعد، وفي کثيرٍ من الأحيان، بالتنسيق علی أعلی المستويات، مع مسؤولين عراقيين وموافقتهم.
علی رغم هذا، بقيت السعودية حريصةً تعمل علی تجنيب العراق السقوط في مأزق التبعية الکاملة لإيران. وجليٌ أن کل السياسات والممارسات التي تندرج في هذه الخانة تشکل اختراقاً مهماً يُوظف في عملية التخطيط السياسي. هکذا، تعددت المحاولات والمبادرات السعودية، تحديداً، في هذا السياق. بل إنها تصاعدت أخيراً إلی خطوات متقدمة تتمثل في ما حصل خلال الأسابيع الأخيرة من دعوات وزيارات ولقاءات ونشاطات متنوعة، بدأت مع زيارة رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، برفقة وفدٍ مهم يتضمن وزير الخارجية إبراهيم الجعفري والداخلية قاسم الأعرجي وغيرهما.
تلت ذلک زيارةُ مقتدی الصدر، فضلاً عن الحديث عن إمکان زيارة عمار الحکيم، وإمکان افتتاح قنصلية عامة سعودية في النجف قريباً، کما صرح عبدالعزيز الشمري، القائم بأعمال السفارة السعودية في بغداد، للزميلة «الشرق الأوسط».
يمثل هذا الحراک السياسي والديبلوماسي والاقتصادي نقلةً نوعية، علی طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في تقليص نفوذ إيران في العراق.
علی رغم ذلک، ثمة تاريخٌ معروف عن استراتيجية إيران في مثل هذه القضايا، وقدرتها الکبيرة علی التخطيط طويل المدی، وتوزيع الأدوار، وخلط الأوراق، وممارسة التقية السياسية قبل الدينية. وقبل هذا وبعده، هناک عُمق اختراقها العراق علی مدی خمسة عشر عاماً علی الأقل. وهو عمقٌ عمِلت إيران، ولا تزال، علی ترسيخه بحِرَفيةٍ ومهارة، علی مستوی الرموز والأفکار والسياسات والمؤسسات.
من هنا، تأتي أهمية الرصد المستمر والمتابعة الحثيثة في کل حسابات عملية «استعادة» العراق ومحاولة تقليص نفوذ إيران فيه، باعتبار صعوبة الحديث عن إلغاء ذلک النفوذ نهائياً، لاعتبارات جيواستراتيجية لا تخفی علی المحللين.
في هذا الإطار، يجدر الانتباه إلی إشارات ظهرت، قَبل الجهود السعودية الأخيرة وبعدها، تُوثّق مفاصل النفوذ الإيراني.
لا يمکن، مثلاً، الغفلة عن طبيعة «الحشد الشعبي» وعقيدته وقياداته ودوره الراهن والمستقبلي، وفق أدبياته المکتوبة والمسموعة والمرئية. فمنذ أربعة شهور فقط، في نيسان (أبريل)، نشر موقع «العربية» تقريراً تفصيلياً عن أبو مهدي المهندس، نائب قائد ميليشيات الحشد، بدأته بتصريح قال فيه: «أفخر بکوني جندياً لدی سليماني»، وذلک «بلغةٍ فارسيةٍ بليغة»، کما أکدَ الموقع. مع توثيق تصريحاته القاطعة بخصوص ولائه لمبدأ ولاية الفقيه، وتبعيته للمرشد الإيراني علي خامنئي، وإخلاصه لتحقيق أهداف الثورة الخمينية.
لا مفر من التساؤل هنا، عن عدم صدور أي موقف رسمي حکومي عراقي معارض لتصريحات ترضی بکون قيادات الحشد الشعبي جنوداً لمرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية!
ثمة إشارات أخری ذات دلالة لم تلقَ رواجاً في وسائل الإعلام في ما يتعلق بالحشد ودوره، المستقبلي تحديداً، علی رغم رؤية السعودية التي عبّر عنها، أيضاً، وزير خارجيتها عادل الجبير، منذ عام، بضرورة تفکيک ميليشيات الحشد، متهماً إياها بتأجيج «التوتر الطائفي»، مؤکداً خلال لقائه مع صحافيين في باريس أن «الحشد الشعبي طائفي وتقوده إيران».
فمنذ شهرين، وبتاريخ 21 حزيران الفائت، قال رئيس الحشد، فالح الفياض، في کلمة لمناسبة الذکری الثالثة لتأسيس الحشد، إن «کل من يعتقد أن الحشد مُستلزمٌ لمرحلة إنما هو يعيش الوهم».
وهي المناسبة ذاتها التي ألقی فيها الأمين العام لحرکة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، کلمةً قال فيها إن جميع محاولات حل الحشد ستفشل. علماً أن حرکته أصدرت بياناً بتاريخ 23 أيار الماضي تُهاجم فيه بقوة کلاً من البحرين والسعودية، وبأقذع الألفاظ.
الجدير بالذکر أن العصائب مُکونٌ رئيس من مکونات الحشد. وما يلفت النظر أن المناسبة تمت برعاية رئيس الوزراء العراقي، الذي ألقی رئيس الحشد الکلمة نيابةً عنه، وجاء فيها اعتبارُ العبادي ذکری تأسيس الحشد «عيداً وطنياً».
واستمراراً للحفاظ علی نفوذها وتأثيرها في العراق، تحرصُ القيادات الإيرانية علی التذکير بطبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين من خلال التصريحات، والحرص علی إجراء اللقاءات والاتفاقيات. مع تکثيفٍ مُعبِّر لهذه السياسة خلال الأسابيع الماضية تحديداً.
فقبل قرابة شهرين، أکد الرئيس الإيراني حسن روحاني في کلمة له في مهرجان «الصحة والسلامة» بقاعة المؤتمرات بطهران، بتاريخ 11 حزيران: «عندما نتحدث عن تقديم الدعم للشعب العراقي، يتصور البعض أن دعمنا ينحصر في التضحية الجسدية»، مؤکداً أن الجمهورية الإسلامية «قدمت فضلاً عن الشهداء، المال والسلاح».
بعدَها، وقَّعَ وزير الدفاع العراقي عرفان الحيالي ونظيره الإيراني حسين دهقان، في طهران بتاريخ 23 حزيران، مذکرة تفاهم للتعاون في المجال الدفاعي العسکري.
وأخيراً، دعت طهران وزير الداخلية العراقي، قاسم الأعرجي، إلی طهران بتاريخ 14 آب (أغسطس) الحالي، قابل فيها وزير الداخلية الإيراني، العميد حسن أشتري، الذي وعد بتسخير کافة الإمکانات للحکومة العراقية. بالمقابل، أشاد الوزير العراقي بدور الجمهورية الإسلامية المؤثر ومساهمتها الکبيرة، ووجَّهَ الشکر والتقدير للحکومة الإيرانية، مؤکداً علی المزيد من تعزيز العلاقات معها، وعلی استعداد الحکومة العراقية للاستفادة من جميع خبرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مختلف المجالات.
ثمة الکثير مما يندرج في عملية «وصل النقـاط»، أو connecting the dots کما يُقال في المثل الإنـکليزي، لتفکيک وفهم الصورة المعقدة التي نُلمحُ إليها. تلک مهمة أصحاب الشأن، وحسبُنا هنا، أخيراً، الإشارة الی معلومتين.
فمنذ أسبوعين، صوت 240 نائباً من أصل 244 في مجلس الشوری (البرلمان) الإيراني علی مشروع قانون لزيادة المخصصات المالية للبرنامج والعمليات الخارجية (الإقليمية) لـ «الحرس الثوري» بمبلغ 520 مليون دولار.
وفي تموز (يوليو) من العام الماضي، حضر الأمير ترکي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس دعماً لجهودها في إنهاء الدور الإيراني السلبي في المنطقة والعالم. رحّبت، مريم رجوي، زعيمة المعارضة الإيرانية، المحترمة عالمياً، بحضور الأمير وکلمته. وهي ذاتُها التي صرَّحت قبل ذلک عن الخطورة الاستراتيجية لنفوذ إيران في العراق قائلةً: «إن نفوذ النظام الإيراني في العراق أکثر خطورة من القنبلة النووية بـ100 مرة». تَعلمُ رجوي الکثير عما تقوله، والأرجح أن مقولتها يجب أن تکون قاعدةً أساسية في حسابات استعادة العراق عربياً من إيران.
* کاتب سوري

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.