أخبار العالممقالات

الحل السوري خارج مجلس الأمن

مـــوقـــع «کوانسيل اون فورين ريلايشنز» الاميرکي
19/7/2012


بقلم: ريتشارد هاس رئيــس مجلـــس العـــلاقات الخـــارجية

لم يفاجئ أحداً نقض موسکو وبکين مشروع قرار مجلس الأمن الأخير. فروسيا والصين تتجنبان إضفاء مشروعية علی تدخل خارجي في شؤون دول أخری مخافة أن يدور الدور عليهما. وعلی خلافهما تری الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية أن واجبها الإنساني يحملها علی التدخل إذا انتهجت الحکومات سياسات باطشة إزاء شعوبها. وآن أوان العزوف عن توسل عبارة المجتمع الدولي في مثل هذه الحالة التي يغيب فيها الإجماع.
لن يغير «الفيتو» الأخير مسار الحوادث في سورية. فحکومة دمشق فقدت السيطرة علی أجزاء مهمة من البلاد، والمعارضة أثبتت قدرتها علی الضرب في قلب دمشق، ويرجح أن يتعاظم القتال. فالمعارضة ترغب في قطف ثمار زخم التفجير الناجح الأخير. ويسعی نظام الأسد إلی إثبات قدرته علی إلحاق هزيمة بالمعارضة وجبه التحديات. وليس مدعاة أسف الفشل في تجديد بعثة المراقبين التي يتولاها کوفي أنان. فمشروع السلام الذي حمله أنان ولد ميتاً ولم تکتب له الحياة، والمعارضة لم تکن لتقبل به. لذا، تبرز الحاجة إلی طي هذا المشروع والمباشرة بمشروع آخر يمهد لسقوط النظام السوري. وحريّ بالولايات المتحدة وغيرها من الدول ألا تعتبر أن الأمم المتحدة هي مرادف التعددية القطبية وألا تقصر إضفاء المشروعية السياسية علی هذه المنظمة الأممية. وتقتضي الظروف أن تبادر أميرکا ودول «الناتو» وعدد من الدول العربية والدول العازمة علی تشديد العقوبات علی سورية وحلفائها، إلی تشکيل ائتلاف يرص صفوف قوی المعارضة السورية ويرجح کفة وزنها السياسي. وهذه الدول مدعوة إلی التلويح بإدانة المسؤولين السوريين المقربين من بشار الأسد بارتکاب جرائم حرب، والإعداد لاستهداف ترسانة الأسد الکيماوية، وإعداد العدة لمرحلة ما بعد عهده. ويبدو أن إرساء الاستقرار والديموقراطية في المرحلة الانتقالية عسير، وعثراته قد تفوق عثرات إطاحة النظام.
والحق أن المناقشات تدور حول السياسة المناسبة إزاء الشرق الأوسط، وغالباً ما تنتهي إلی مواجهة بين الواقعيين والمثاليين. فالولايات المتحدة تُدعی وغيرها من الدول من أصحاب المصالح والنفوذ في المنطقة إلی الانحياز إلی الديموقراطية وحقوق الإنسان، وتجاوز المخاوف إزاء تقويض إطاحة الأنظمة التسلطية الحليفة، في مصر وغيرها من الدول العربية، مصالح الأمن القومي الأميرکي. وينتهج القادة الأميرکيون والأوروبيون سياسة تدوير الزوايا، وهي مساومة غير ناجعة. وعلی خلاف التنازع هذا، لا تباين في سورية بين المصالح الاستراتيجية والمصالح الإنسانية. فعدد من الحکومات يرغب في إطاحة النظام السوري المقرب من إيران و «حزب الله». والرغبة هذه تتماشی مع رغبة إنسانية في التخلص من نظام قتل أکثر من 15 ألف سوري.
لکن التدخل العسکري التزام کبير يقتضي توسل القوتين الجوية والبرية، في وقت لا تزال فرقتان عسکريتان قويتان، علی أقل تقدير، علی ولائها للأسد. ويرجح أن تتعثر مرابطة قوات أجنبية في سورية بالصعوبات المترتبة علی طائفية المجتمع السوري.
والبديل من تدخل عسکري مباشر هو تزويد المعارضة بالسلاح والعتاد، وهذا البديل قائم والعمل به سارٍ. لکن تسليح المعارضة ليس محمود العواقب إذ يؤجج الحرب الأهلية ويشجع أنصار الرئيس علی البقاء في خندقهم. وقد تستخدم الفصائل السورية المعارضة الأسلحة للتقاتل إثر سقوط النظام، وانفلات العنف من عقاله في سورية بعد الأسد.
ولکن لا يجوز جعل تحديد التدخل في سورية مقتصراً علی قطبي التدخل العسکري والتدخل السلمي (من غير سلاح). ففي وسع العالم اتخاذ إجراءات کثيرة تساهم في إطاحة نظام الأسد، علی غرار فرض عقوبات اقتصادية بالغة القسوة تشمل القطاع المصرفي وقطاع الطاقة وتضاهي تلک المفروضة علی إيران، وتوسيع لائحة الممنوعين من السفر إلی العواصم الغربية. ومثل هذه العقوبات يضيّق الخناق علی النخبة الموالية للأسد.
أما الدول العربية المستاءة من مآل الأوضاع في سورية فيمکنها تجميد علاقاتها بسورية، وتخفيض مستوی علاقاتها الديبلوماسية والتجارية بروسيا، داعمة الأسد.
ويفترض بالديبلوماسية اليوم أن ترمي إلی تأمين مخرج للأسد وللدائرة الضيقة المقربة منه، والسعي إلی عملية سياسية ترسي نظاماً تمثيلياً رکنه حکم القانون. ودائرة الانشقاق في أوساط المقربين من الأسد تتوسع. فهم يريدون النجاة من السفينة الغارقة، وقد يؤدي تحديد مهلة تنتهي الشهر المقبل قبل إدانة مقربين من الأسد بارتکاب جرائم حرب، إلی تسريع وتيرة الانشقاقات.
وتقديم المعارضة نفسها علی أنها البديل عن نظام الأسد وتشريع أبوابها أمام الأطراف الأخری قد يسرّعان کذلک وتيرة الانشقاقات في صفوف النظام. فالأقلية العلوية تخشی أن تلقی مصير السنّة في عراق ما بعد صدام. والسبيل الأمثل لطمأنتها وحضّها علی الانشقاق، هو التزام المعارضة مبادئ وطنية جامعة يرتضيها السوريون کلهم. والقوی الغربية مدعوة إلی التعاون عن کثب مع المعارضة المنقسمة، والطرية العود، المفتقرة الخبرة.

زر الذهاب إلى الأعلى