تداعيات «عاصفة الحزم» تربک النظام الإيراني

الشرق الاوسط
16/4/2015
بقلم: عبد الستار حتيتة
يواجه النظام الإيراني ضغوطا متزايدة من الداخل قد تعرقل مساعيه لملء الفراغ الذي تعاني منه المنطقة العربية المضطربة. وأفادت مصادر المعارضة بوقوع تلاسن بين قادة طهران بالتزامن مع احتجاجات أمام البرلمان تتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، إضافة لخلافات حول خطة لزيادة تصدير النفط، من أجل مواجهة «الأزمة المالية الطاحنة».
ووفقا لمصادر إيرانية وعربية وأميرکية، أدت تداعيات «عاصفة الحزم» التي يقوم بها تحالف إقليمي بقيادة المملکة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، إلی تململ داخل النظام الداعم للحوثيين، بعد أن فوجئت إيران بتصميم التحالف علی بسط الأمن والاستقرار في اليمن.
وقالت مصادر من المعارضة الإيرانية لـ«الشرق الأوسط» إنه جری رصد «تلاسن» بين قادة عسکريين وقادة لميليشيات شبه عسکرية علی خلفية توقيف عناصر من قوات الحرس الثوري الإيراني في عدة بلدان عربية علی رأسها اليمن، وتعرض قادة آخرين للقتل في سوريا، إلی جانب إنفاق مليارات الدولارات علی الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، التي تعمل لمؤازرة نظم الحکم في العراق وسوريا والمتمردين في اليمن.
وشدد العقيد ويسلي مارتين، القائد العسکري الأميرکي السابق بالعراق، في رده علی أسئلة «الشرق الأوسط» علی أنه أصبح يوجد أمل في التغيير في إيران، مشيرا إلی أن جمهور الإيرانيين ينظر للنظام باعتباره «بؤرة التطرف» ولا يمثل الشعب، وقال إن «عاصفة الحزم» کانت «مباغتة» لحکام طهران وکانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستکون سهلة.
مصادر المعارضة تحدثت عن تزايد متسارع في الأزمة الاقتصادية، وقالت إن إيران أنفقت علی نظام بشار الأسد الخاضع للعقوبات الدولية أيضا، أکثر من خمسة مليارات دولار أميرکي في شق واحد فقط يتعلق باستيراد منتجات بترولية، في الشهور الأخيرة، بينما يظل الدعم المالي للعمليات العسکرية في هذا البلد الذي يشهد ما يشبه الحرب الأهلية، غير معروفة، مشيرة إلی أن رغبة بعض القادة في طهران زيادة کمية الصادرات من النفط تعکس وجود مشکلة في تمويل آلة الحرب الخارجية بالمنطقة.
إيران البالغ عدد سکانها نحو 75 مليون نسمة، تحاول منذ نحو عشر سنوات التغلب علی العقوبات الاقتصادية الدولية التي أسهمت في تزايد البطالة والرکود وتراجع معدلات النمو وارتفاع سعر الدولار، رغم الرفع الجزئي للعقوبات علی بعض الأنشطة الاقتصادية خلال الأعوام الأخيرة.
من جانبها أضافت مصادر المعارضة علی هامش لقاء عقد الليلة قبل الماضية بين مجموعة منتقاة، عبر الإنترنت، أنه أصبح هناک اعتقاد يسود في الأوساط الشعبية الإيرانية عن أن انخراط بلادهم في حروب العراق وسوريا واليمن إضافة إلی الخلافات مع المجتمع الدولي، يزيد من الضائقة الاقتصادية التي تمر بها إيران، وأن «مجاميع من العمال والمعلمين تظاهرت في عدة مواقع في طهران وبلدات أخری احتجاجا علی تأخر صرف الرواتب طوال الشهور الأخيرة، منها مظاهرتان علی الأقل أمام مبنی مجلس الشوری (البرلمان) الإيراني».
وکشف أحد قادة المعارضة عن معلومات تتعلق باستقبال المرشد الإيراني علي خامنئي لعدد من کبار المسؤولين العسکريين والأمنيين في طهران ثلاث مرات علی الأقل خلال الـ24 ساعة الماضية، وأنه بدا عليه «الشعور بخيبة الأمل والإحباط بسبب ما تحرزه عاصفة الحزم من تقدم»، مشيرا إلی أن هذه اللقاءات نتج عنها عدة تکليفات للقادة الإيرانيين، من بينهم وزير الخارجية، جواد ظريف، بتکثيف الاتصالات مع «أصدقاء إيران في الدول العربية والإسلامية»، وذلک في محاولة لمواجهة تداعيات «عاصفة الحزم».
ويکثف معارضون إيرانيون من اتصالاتهم في الداخل والخارج، للتنسيق حول التحرک ضد نظام الحکم الذي يسيطر عليه رجال الدين وقادة الميليشيات التي تحارب خارج حدود الدولة الإيرانية، إلی جانب اتصالات مع رموز من التجمعات السنية التي تنتشر في شرق البلاد، للوقوف ضد ممارسات نظام طهران في العراق وسوريا واليمن، و«توعية الجماهير الإيرانية بأن الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، تأتي نتيجة طبيعية لسياسات إيران وتمويل حروبها بالمنطقة».
وتلقی أحد قادة المعارضة رسالة من تجمع عمالي إيراني کبير يحمل اسم «تحالف موظفي الفولاذ» سرد فيها المصاعب الاقتصادية التي تواجه ألوف العمال وأسفرت خلال أيام فقط عن فصل أکثر من 600 عامل. وجاء في الرسالة تفاصيل عن تأخر الرواتب وذکر فيها وفقا للمصادر: «هذه حالنا. من أين نطعم أطفالنا؟ وماذا نفعل؟». وتأخرت الرواتب أيضا، منذ ثلاثة أشهر، عن عشرات الألوف من العمال الصناعيين الآخرين، بينهم موظفون في الشرکة الإيرانية المعروفة باسم «ماي وان».
وقال أحد رموز المعارضة إن اتصالات بين شخصيات معروفة بخصومتها التاريخية مع نظام طهران أسفرت من حيث المبدأ علی الموافقة علی تنشيط فعاليات احتجاجية في الداخل رغم القبضة الحديدية للحکم، وعقد مؤتمر للمعارضة في الخارج، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع «الحراک الجماهيري المتوقع أن يتصاعد في الداخل.. الغضب من تردي الأحوال الاقتصادية قابل للانفجار».
وأضاف: لقد تمکن قائد عمالي من شرکة «زنجان» الصناعية من رفع صوته عاليا أمام أحد أبواب مجلس الشوری، وأبلغ النواب رسالة عن تدهور أحوال معيشة العمال وأن «الوضع لم يعد يطاق». بينما کان باب آخر من أبواب مجلس الشوری يشهد مظاهرة احتجاجية لمجموعات من معلمي المدارس، بسبب تأخر الرواتب أيضا.
ووفقا لأحد مصادر المعارضة، وأمام تکرار المظاهرات الاحتجاجية حول مبنی البرلمان، اضطر رئيس مجلس الشوری، علي لاريجاني، لعقد اجتماعات مع موظفي المجلس النيابي قبل يومين «في محاولة لتصوير الأمر وکأن إيران وثورة الخميني، تتعرض لمؤامرة خارجية.. هذا الخطاب هو عادة ما يقدمه قادة إيران للشعب في وقت الأزمات»، مشيرا إلی أن لاريجاني تحدث أيضا عن أن «الدول الکبری تعمل علی إثارة الفتن، وأن الشعب اليمني المظلوم يتعرض لمشاکل، ودعا الشعب للصبر».
وأوضحت المصادر أن من بين الشخصيات التي ترددت علی مقر المرشد خامنئي، بخلاف وزير الخارجية ظريف، أحد کبار المقربين من النظام، وهو رضا بوردستان، الذي يشغل موقع قائد القوات البرية في الجيش. وأضافت أن بوردستان تحدث مع خامنئي عن مجمل العمليات التي يقوم بها «الحرس الثوري الإيراني»، في العراق وسوريا واليمن، وتطرق إلی «تأثير الکلفة المالية لهذا النشاط علی ميزانية الدولة والجيش والقوات البرية»، وقدم رؤيته لـ«التطورات المحتملة لعملية عاصفة الحزم، وما يمکن أن تقوم به إيران من خيارات في حال أصبح هناک تدخل بري عربي في اليمن».
يأتي هذا في وقت کشفت فيه مصادر أميرکية وعربية عن مشاکل عدة أصبحت تواجه إيران وهي تسعی بشکل محموم، ما بين العراق وسوريا واليمن، للهيمنة علی المنطقة، علی رأسها المشاکل الاقتصادية والعزلة الإقليمية والشکوک الدولية. وبحسب المصادر يتعرض النظام الإيراني لضغوط أخری من جانب بعض الدول الغربية علی خلفية «التدخلات السافرة»، و«ما تمثله من إثارة المزيد من الفوضی.. هذه تصرفات تثير القلق».
وقال القائد الأميرکي، العقيد مارتين، الذي عمل لسنوات في مهام عسکرية عدة بالعراق منها مکافحة الإرهاب، في رده علی أسئلة «الشرق الأوسط» إن إيران تحاول «ملء الفراغ في الشرق الأوسط، عقب تراجع الولايات المتحدة الأميرکية عن دورها في المنطقة»، بينما أوضح الدکتور باراک بارفي، من مؤسسة أميرکا الجديدة البحثية، لـ«الشرق الأوسط»، بعد أن زار اليمن عدة مرات إن «فتور همة الرئيس باراک أوباما تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط فتح الباب لزيادة تأثير طهران في العالم العربي، وهذا أمر يمثل خطرا علی المستقبل».
ولا يوجد في حديث المصادر الأميرکية والعربية تفاؤل يذکر بقدرة طهران الاقتصادية في تحقيق نجاحات في سياسة الهيمنة التي تسعی وراءها. دربت إيران الحوثيين لکنها زادت من وتيرة هذا التدريب والمساعدات في الشهور الأخيرة مستغلة عملية التحول السلمي للسلطة للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحکومته. وکلفها هذا أموالا طائلة إلی جانب ما تنفقه علی النظام السوري وفي حروب العراق الطائفية.
ويعتمد الاقتصاد الإيراني علی تصدير النفط والغاز إلی حد کبير، لکن أي تعديل بالزيادة في خطط التصدير ستتطلب عدة سنوات، کما يقول الخبير الاقتصادي المصري، الدکتور محمود عبد الله، بينما هي في حاجة في الوقت الراهن لمزيد من الأموال للإنفاق علی «أصدقائها». ومن جانبه قال الأميرکي بارفي: «نعم.. ما لدينا من معلومات أن دعم طهران للحوثيين، بالأموال والتدريب والأسلحة، ارتفع بشکل کبير في الفترة الأخيرة».
وأضاف العقيد مارتن، علی الصعيد نفسه، أن الميليشيات الشيعية التابعة لقوات الحرس الثوري وقوة القدس في العراق تقوم بسفک الدماء وأن الوضع هناک «لن يتحسن ما لم تخرج قوات الحرس الثوري التابعة للنظام الإيراني بشکل عام، وقائدها قاسم سليماني علی وجه التحديد، من العراق»، قائلا إن «سليماني هو قائد العمليات الإرهابية التي تجری في کل من العراق وسوريا واليمن، وأن المواطنين هناک هم مَن يدفعون ثمن تداعيات هذه العمليات».
وفي مصر التي تشارک في «عاصفة الحزم» ارتفعت وتيرة الانتقادات للنظام الإيراني، وأنشطته التوسعية في العالم العربي، مع احتمال «ظهور أمراض اقتصادية في إيران أکبر من تلک التي ظلت تعاني منها في السابق بسبب العقوبات الدولية»، وفقا للخبير الاقتصادي عبد الله، بينما قال الدکتور فتحي المراغي، الأستاذ في جامعة عين شمس، والمتخصص في الشؤون الإيرانية، إن طهران تعمل بکل الوسائل لتفتيت الوطن العربي، وإنها يمکن أن تفعل کل ما تتخيله لتحقيق هذا الغرض.
لکن هل تستطيع؟ هذا أمر مشکوک فيه اقتصاديا علی الأقل. فإيران تلعب لعبة خطرة، کما أوضح تقرير بعنوان «الاتجاهات الحاکمة لمستقبل النظام العربي في ظل إقليم مضطرب»، أعده المرکز المصري للبحوث والدراسات الأمنية، وحصلت «الشرق الأوسط» علی نسخة منه.
قال التقرير إن إيران يمکن أن تکون قادرة علی مجابهة الضغوط الدولية التي وضعت نفسها فيها «بمقدار وقوف روسيا والصين إلی جانبها»، مشيرا إلی أن أهم المخاطر التي تمر بها المنطقة العربية «تزايد أدوار الفاعلين من غير الدول التي بدأت تسيطر علی مناطق أو أجزاء واسعة من عدة بلدان مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، والسعي لتکوين إمارات إسلامية بما يؤدي إلی تزايد قوی عدم الاستقرار داخل النظام العربي».
العميد عادل العمدة المستشار بأکاديمية ناصر العسکرية العليا بمصر، أضاف أن إيران تصدر تهديدات للمنطقة العربية.. الکل أصبح يدرک هذا.. هذا له کلفة وثمن. لقد تسببت في تدمير الجيش العراقي والجيش السوري ثم توجهت لليمن، ضمن مخطط لتدمير الأمة العربية لصالح «الدولة الفارسية».. الکلفة کبيرة ليس علی الصعيد السياسي فقط، ولکن، کذلک، علی وضع الاقتصاد الإيراني.
وأوضح الدکتور عبد الله، أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الکبری، إلی جانب تدخلها في الدول العربية، يجعل الإيرانيين يشعرون بالمهانة «فبعد سنوات من التقشف الاقتصادي، بسبب القعقعة حول برنامجها النووي، أصبحت تبحث عن انتصار بديل أمام الرأي العام الداخلي، ولهذا اتجهت لفتح حرب في اليمن، لکن لا أعتقد أن هذا سينطلي علی الشعب الذي يعاني أصلا من جراء العقوبات الاقتصادية ونزيف الأموال في حروب بالوکالة».
ونظم معارضون إيرانيون، الليلة قبل الماضية، مؤتمرا صحافيا للعقيد مارتن، عبر الإنترنت أيضا، وطرحت عليه «الشرق الأوسط» عدة أسئلة. وأعرب مارتن عن القلق من سياسات طهران، وأوضح قائلا إن الميليشيات الشيعية التي تتلقی توجيهاتها من قوة «فيلق القدس» و«فيلق بدر»، حولت الأوضاع في العراق لحرب أهلية.
هل لديها القدرة في الاستمرار علی فعل هذا. هل سيمکنها التغلب علی المصاعب الاقتصادية وحل مشاکلها مع العالم بخصوص برنامجها النووي. بل هل توجد قدرة علی تحقيق طموحها في استغلال التراجع الأميرکي بالمنطقة للدخول کلاعب رئيسي بدلا منه والاستمرار في تمويل الميليشيات والمتمردين، بينما هي تعاني من ارتفاع نسبة التضخم إلی درجة تقترب من 50 في المائة.
وعلی نفس طريقة الدکتور بارفي، عاب العقيد مارتن علی سياسة أوباما وتراجعها في منطقة الشرق الأوسط، قائلا إنه ليست هناک سياسة للولايات المتحدة وأن النظام الإيراني هو الذي يحاول ملء الفراغ بالمنطقة في الوقت الحالي، مشيرا إلی أن واشنطن «لم تغلق عينيها عما تقوم به إيران في العراق فحسب، بل نفذت طلعات جوية في هجماتها دعما لقوات فيلق القدس (الإيراني) في العراق»، وقال إن النظام الإيراني «مصدر للإرهاب في العالم، ولا يمکن الوثوق به».
وأضاف العقيد مارتن أنه يتفق مع تقييم الجنرال ديفيد بترايوس (القائد السابق للقوات الأميرکية في العراق) بأنه، علی المدی الطويل، تعد إيران الخطر الأکبر علی العراق من تنظيم داعش، مشيرا إلی أن «الجنرال بترايوس فاز بالحرب في العراق.. أما أوباما فإنه خسر السلام في هذا البلد».
وعلق مارتن علی مساعي المعارضة الإيرانية للتحرک خلال الفترة المقبلة، بقوله إن جمهور الإيرانيين ينظرون إلی نظام الحکم الحالي في طهران باعتباره «بؤرة التطرف الإسلامي» وأنه «لا يمثل الشعب الإيراني»، مشددا علی أنه «يوجد أمل في التغيير في إيران». وقال: «لا يمکننا أن نبقی صامتين في الوقت الذي نری فيه قوی الشر (إيران وداعش) تقوم بتدمير الشرق الأوسط».
ووجه انتقادات شديدة اللهجة لـ«عدوانية النظام الإيراني بالمنطقة»، ووصف عملية «عاصفة الحزم» بأنها «کانت مباغتة بالنسبة لحکام طهران الذين کانوا يتصورون أن مهمتهم في اليمن ستکون سهلة».







