أخبار إيران
ابنة عائلة عظيمي الإيرانية تروي لـ {الشرق الأوسط} رحلة البحث عن مستقبل جديد لبلادها

«شقايق» قالت إن «الاتفاق النووي» شجع علی زيادة قمع المعارضة والتدخل في دول المنطقة
الشرق الاوسط
2/11/2015
«حين تکون في إيران، وتتعرض أسرتک للتعذيب النفسي والبدني، فأنت تکبر، وأنت تنظر إلی النظام الحاکم، وما يمکن أن تفکر في عمله علی خلفية هذه الممارسات القمعية. منذ کنتُ طفلة وأنا أدرک أنه يوجد تضييق کبير علی الجميع. حتی الهاتف حين أتحدث فيه فإنني أشعر أن هناک من يراقب المکالمة ويتنصت عليها في الجانب الآخر».
هکذا تلخص شقايق، ابنة عائلة عظيمي المعروفة بمعارضتها لنظام الحکم في طهران، رحلة البحث عن مستقبل جديد لبلادها، من إيران إلی أوروبا مرورا بمخيم ليبرتي بالعراق الذي يضم نحو ثلاثة آلاف معارض إيراني، وتعرَّض لهجوم بالصواريخ قبل عدة أيام. ومنذ وصولها إلی أوروبا تسعی شقايق مثل کثير من المعارضين الذين فروا إلی خارج البلاد إلی تعريف العالم بخطر الممارسات الإيرانية في الداخل وفي دول المنطقة.
وتقول شقايق في مقابلة باللغة الإنجليزية مع «الشرق الأوسط» عبر «سکايب» إن نظام طهران يزيد من وتيرة ملاحقة معارضيه والتنکيل بهم، وذلک بعد نحو ثلاثة شهور من توقيع الاتفاق النووي مع الدول الکبری، معربة عن استغرابها من غض المجتمع الدولي الطرف عن «ممارسات إيران القمعية داخليا وفي المنطقة». وتضيف بعد أن انتهی بها المطاف إلی الإقامة في دولة فنلندا أنه «من الغريب أن الاتفاق النووي لم يتضمن أي شروط تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام دول الجوار، بل نری مسؤولين غربيين يضعون أيديهم في أيدي من يقتلون أبناء الشعب الإيراني وأبناء شعوب المنطقة في سوريا واليمن والعراق».
وتقول البيانات الصادرة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وفي القلب منه منظمة مجاهدين خلق المعارضة، إن نظام الملالي (رجال الدين) في طهران أعاد اعتقال مساجين سياسيين سابقين، والقبض علی معارضين جدد، والتوسع في إصدار أحکام الإعدام وتنفيذها. ومن بين من جری إعادة اعتقالهم والد شقايق ووالدتها. وتقول شقايق وهي تشير إلی صورة لوالديها: «لقد اعتقلا. هذا أبي محمود عظيمي (64 عاما) وهذه والدتي فاطمة ظيائي (58 عاما). جری اعتقالهما في طهران منذ يوم 11 أکتوبر (تشرين الأول) 2015».
والد شقايق ووالدتها سياسيان معروفان أمضيا من قبل بين 18 و19 سنة في سجون طهران. وتعرضت الوالدة لمشکلات صحية لهذا السبب أصابتها بالتصلب العصبي وأفقدتها القدرة علی المشي، وجری سجنها مجددا لمدة عامين في 2009 بسبب زيارتها لابنتيها المعارضتين والمنتميتين إلی «مجاهدين خلق» حين کانتا في العراق، لکن السلطات الإيرانية أعادت اعتقال الوالد والوالدة قبل أيام ضمن موجة ملاحقات واسعة، وفقا لبيانات «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» طالت معارضين وعوائلهم، وکان من بين المعتقلين فاطمة مثنی وعلي رضا شريعت بناهي، وهما سجينان سياسيان سابقان أيضا، وذلک بالتزامن مع زيارات لمسؤولين غربيين لإيران يسعون إلی فتح مجالات للتعاون الاقتصادي مع هذا البلد المتهم بدعم القلاقل في منطقة الشرق الأوسط.
هل کان لا بد من الخروج من إيران وتکبد عناء الإقامة في مقطورات (کرافانات) تفتقر إلی أبسط مقومات الحياة داخل العراق وتتعرض لهجوم بين وقت وآخر من ميليشيات موالية لإيران، کان آخرها بقصف مخيم ليبرتي بالصواريخ قبل عدة أيام، ما أدی إلی مقتل نحو 20 معارضا إيرانيا؟ تجيب شقايق قائلة: «حين تکون معارضا في إيران لا تستطيع أن تذهب إلی أي مکان ولا تستطيع أسرتک أن تجد أي عمل ولا أي دعم. يقول لک حراس النظام: إذا قمت بهذا فنحن سوف نعتقلک وسوف نهاجم بيتک. هذا بلد لا يمکن الحياة فيه».
ومنذ رکوب رجال الدين للثورة علی نظام الشاه في عام 1979، بدأت سياسة التنکيل ضد شرکائهم من الجناح المدني. وجری قتل واعتقال الألوف من منظمة مجاهدين خلق، حيث لجأ عدة ألوف من عناصرها في ثمانينات القرن الماضي إلی العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين. لکن ثورة الاتصالات خلال السنوات الخمس الأخيرة ساهمت في ظهور جيل جديد من المعارضين في منظمة مجاهين خلق، من مواليد ما بعد الثورة، وأصبح شبان هذا الجيل، مثل شقايق، يعتمدون علی الإنترنت في التواصل، ما تسبب في عودة الزخم مرة أخری إلی هذه المنظمة التي تعارض نظام الحکم الحالي معارضة جذرية.
وکان المعارضون الذين لجأوا إلی العراق يقيمون في مخيم «أشرف» شمال شرقي العاصمة، لکن بعد سقوط نظام صدام، أصبح المخيم في مرمی الخطر من الميليشيات الموالية لطهران. کان يوجد فيه نحو ثلاثة آلاف معارض. وبعد رحيل القوات الأميرکية، جری نقلهم إلی مخيم ليبرتي. وأدی قصف المخيم بصواريخ الميليشيات إلی إحداث حُفر بعمق يزيد علی مترين، واشتعال الحرائق في الـ«کرافانات».
تقول شقايق التي عاشت تجربة الإقامة في مخيم أشرف ثم مخيم ليبرتي: «حين أصبح عمري 18 سنة، أي حين کبرت بما فيه الکفاية لأدرک الحالة المزرية التي عليها الوضع في إيران، فکرت في ما هي الطريقة المثلی لتغيير کل هذا الوضع، وعليه قررت أن أذهب إلی مخيم أشرف للبحث عن طريقة جديدة للحکم تصلح للنهوض ببلدي». وتضيف: «في مخيم أشرف شاهدت الهجوم الذي وقع عليه من قبل القوات العراقية في أبريل (نيسان) 2011، وفقدتُ ابنة عمي نسترن عظيمي. کان من الصعب علي أن أراها وهي تتعرض للضرب حين جاءت القوات العراقية لمهاجمة المخيم».
کان عمر قريبتها نسترن في تلک السنة 23 عاما فقط. کانت ذات ميول فنية تحب التصوير، وعملت بالفعل کمصورة تلفزيونية في قناة الحرية التابعة للمعارضة وتبث من الخارج. کانت ترسم الکاريکاتير أيضًا کما کانت مختصة في الکومبيوتر في جامعة طهران.. أما شقايق فتنتمي إلی أسرة عظيمي السياسية المعروفة في منطقة إکباتان في طهران، وتقول عن نفسها: «کنت مغرمة بدراسة الرياضيات، والفيزياء. لکن المشکلة هي أنه کان هناک من يوقفک عما تأمل أن تکون عليه. هل أستمر في الحياة في إيران لأکون شاهدة علی قتل مزيد من الناس. شعرت أنه لا مستقبل لي تحت ظل هذا النظام کفتاة وکامرأة».
وتضيف شقايق: «قررت أن أضحّي بکل شيء لديّ، لتحقيق الحرية لوطني. الأطفال الآخرون يکبرون مثلي في أُسَر تفکر دائما لماذا هذا النظام يضع کل هذه القيود عليهم. وهذه الحالة تزداد سوءا کل يوم». وتوضح: «بعد دخول الأميرکيين العراق أطلقوا علينا اسم (مدنيون تحت الاحتلال).. و(کنا محميين). کنا بطبيعة الحال نواجه الخطر، لکن کانت الأمور جيدة من ناحية العلاج والحالة العامة. لکن بعد عام 2009، أي بعد أن تغيرت الحماية، وتولت مسؤوليتها الحکومة العراقية، تبدل کل شيء إلی الأسوأ».
تصمت شقايق لتتذکر تلک الأيام الصعبة، ثم تواصل قائلة: «بدأ المخيم يتعرض للهجوم، وقتل 11 من أصدقائي. في هجوم الثامن من أبريل (2011) قتلت ابنة عمي أيضا. وهنا صورة لأعز صديقاتي فائزة التي کان عمرها 19 عاما فقط. قُتلت مع 36 من زملائي الآخرين. کان هجوما مميتا. کنا نعاني من الحصار وکانت قوات موالية للنظام الإيراني تأتي لتمارس التعذيب بالصوت.. نحو 300 مکبر صوت وضعوها حول المخيم ويصيحون فيها ليلا ونهارا، لدرجة لا تستطيع معها أن تنام أو تعمل أو تشرب أو تأکل. يلقون ألفاظا بذيئة ويتصايحون».
وتقول إن «هؤلاء الذين يزعقون في مکبرات الصوت کانوا من مخابرات النظام الإيراني، ويزعمون أنهم من عائلات المعارضين الإيرانيين الموجودين في المخيم. هذا غير صحيح، لأنه بکل بساطة تستطيع أن تسأل لماذا تم اعتقال والدتي إذا کان النظام يسمح لعائلات المخيم أن تأتي من إيران لزيارتهم والمناداة عليهم من خلال مکبرات الصوت بتلک الطريقة البشعة». وتضيف: «لقد جری سجن والدتي لسنتين لأنها زارتني أنا وأختي في المخيم، وجری إعدام آخرين لمجرد زيارتهم لنا، مثل محمد علي حاج آقايي، وجعفر کاظمي، وعلي صارمي. لقد اعتقلوا مزيدا من عائلات السياسيين، وهذا مستمر حتی اليوم».
في مطلع عام 2012 بدأت خطة عراقية لنقل المعارضين الإيرانيين من مخيم أشرف إلی مخيم ليبرتي الذي کان موقعا لأحد المعسکرات الأميرکية قرب بغداد. وتقول شقايق: «في ذلک الوقت جاءنا النبأ وکان الاختيار بين أمرين.. إما البقاء في مخيم أشرف ومواجهة المذبحة، وإما أن ننتقل إلی مخيم ليبرتي حيث لا توجد فيه أي إمکانيات للحياة. لا أريد أن أتحدث عن عملية الانتقال نفسها، حيث جرت سرقة أغراضنا وفتشوا کل شيء وأخذوا متعلقاتنا. هذه قصة طويلة».
المهم، وصلت شقايق مع نحو ثلاثة آلاف معارض من «مجاهدين خلق» إلی مخيم ليبرتي، وهنا کانت الصدمة. تقول إن مساحته کانت لا تزيد علی نصف کيلومتر مربع فقط. لا کهرباء ولا مياه. والمولد الکهربائي الوحيد دائما يفتقر إلی الوقود. في الأيام الأولی کنا نحصل علی المياه من خلال حصص وبالدور، أي الاثنين والخميس، أو يوما ويوما، بينما درجة الحرارة کانت تصل إلی 50 درجة مئوية. ممنوع دخول الأدوية للمرضی. حصار، عشنا في مقطورات (کارافانات) وکان الکل يعاني.
ووفقا لشهادة شقايق فلم يکن الهجوم الصاروخي الذي تعرض له مخيم ليبرتي منذ عدة أيام هو الأول من نوعه، فمثل هذه الهجمات المباغتة کانت تحدث من البداية کنوع من التضييق علی الموجودين في المخيم، في محاولة من الموالين للنظام الإيراني في العراق لإجبار المعارضين علی الانتقال إلی بلد ثالث. تقول: «کانت هناک هجمات علينا بالصواريخ وقذائف المورتر. في کل مرة تخرج من المخبأ لتری مَنْ قُتل ومَنْ هو ما زال علی قيد الحياة في المقطورات حيث لا توجد أي حماية، بعد أن سرق الموالون للنظام الإيراني الحوائط الإسمنتية التي کان يمکنها حمايتنا من القذائف. 1700 قطعة إسمنتية حملوها بالجرافات وأخذوها بعيدا».
نجت شقايق من الموت هي وشقيقتها. وانتقلتا سويا إلی أوروبا. وحين جری توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الکبری شعرت بما هو أکبر من الإحباط. تقول: «الإحباط کلمة لا تعبِّر عما شعرت به. کنت أستغرب کيف يتصور الغرب أن (الرئيس الإيراني) حسن روحاني يمکن أن يکون إصلاحيًا!»، مشيرة إلی أن نظام طهران «أعدم ألفي إيراني خلال السنتين الأخيرتين فقط. واليوم يشجّع الاتفاق النووي النظام علی مزيد من القمع الداخلي والتدخل في سوريا والعراق واليمن، بينما الدول الکبری تغض الطرف عن هذه الجرائم».
ومن جانبها تقول الحکومة العراقية إنها توفر الحماية للاجئين الإيرانيين في مخيم ليبرتي، بقدر الإمکان، وإنه لا علم لها بالجهة التي أطلقت الصواريخ علی المخيم، وذلک وفقا لإفادة من مصدر في وزارة الخارجية، لافتا إلی أن قضية اللاجئين الإيرانيين «ينبغي معالجتها عن طريق الأمم المتحدة، خصوصا في ظل الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد»، بينما اعتادت الحکومة الإيرانية مهاجمة منظمة مجاهدين خلق وتصفها في وسائل الإعلام الحکومية باسم «المنافقين».
وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول علی تعليق من الجانب الإيراني حول هذه القصة، لکن لم تتلقَّ ردا. وفي آخر تصريح بتاريخ 13 من الشهر الماضي، حول هذا الموضوع، انتقد هاشمی رفسنجانی، رئیس مجمع تشخیص مصلحة النظام فی إیران، سماح الغرب لمنظمة مجاهدين خلق بالعمل انطلاقا من أراضيه. ويقع المقر الرئيسي للمنظمة في العاصمة الفرنسية باريس، وتمکنت من صنع علاقات قوية مع برلمانات في أوروبا إضافة إلی الکونغرس الأميرکي.
وتری شقايق أن وضع المعارضة والحراک الشعبي الغاضب يزداد في الداخل الإيراني هذه الأيام، مقارنة بما کان عليه الحال في السابق. تقول: «بالمقارنة بين الواقع في البداية وواقع اليوم، تستطيع أن تقول إن حرکة المعارضة في تزايد بشکل کبير.. الناس يقاسون من نقص المياه وغلاء أسعار الطعام والوقود، وهناک تلاميذ لا يذهبون إلی المدارس لأن أُسَرهم ليست لديها أموال للإنفاق عليهم».
ومثل أقرانها من الجيل الجديد تعتمد شقايق علی «فيسبوک» و«تويتر» في التواصل مع أصدقائها في محاولة لتغيير الواقع في إيران. تقول: «لدي کثير من الأصدقاء الذين أتواصل معهم عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي. نتحدث ونتخاطب ونتبادل الآراء بحثا عن مستقبل أفضل لبلادي، بدلا من النظام الحالي الذي يستخدم الإسلام في إرهاب الآخرين سواء في الداخل أو في دول المنطقة».







