مقالات
إيران والغرب: هي لرفع العقوبات وهو لاتفاق نووي

الشرق الاوسط
1/7/2015
1/7/2015
بقلم:هدی الحسيني
المفاوضون في فيينا واجهوا عدة مرات الأسبوع الفائت عقبات اللحظة الأخيرة، أبرزها سرعة رفع العقوبات، ونطاق تفتيش المنشآت النووية الإيرانية. إنما لا بد من القول إنه منذ بدء المفاوضات بين إيران والغرب، کان الموقف الإيراني المتصلب أکثر مهارة في مناوراته من «التنازلات» التي قدمتها الولايات المتحدة. أما الدول الأوروبية فإنها عين علی المفاوضات وتريد الإسراع بها لأن العين الأخری علی عقود نفطية وتجارية وعسکرية تلوح بها إيران غير الخامنئية، ما بعد الصفقة. ومع عودة محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني إلی طهران مساء الأحد لمزيد من الاستشارات، نشرت صحيفة «هامشهري» الإيرانية يوم الاثنين الماضي أن الرئيس الأميرکي باراک أوباما وجه رسالة سرية أخری إلی «السلطات الإيرانية» وأن ناقل الرسالة قد يکون حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الذي زار طهران ليوم واحد في 17 يونيو (حزيران).
إذا کانت هذه الرواية صحيحة، فإن الرسالة تأتي بعد تصريح جون کيري وزير الخارجية الأميرکي في 15 يونيو بأن بلاده تدرک الأبعاد العسکرية لبرنامج إيران النووي: «نعرف ما فعلوه، ليس لدينا أدنی شک، نعرف کل شيء عن أنشطتهم العسکرية»، وکان الرئيس أوباما لمح في تصريح له عقب إعلان لوزان في 2 أبريل (نيسان) إلی أن برنامج إيران النووي يتضمن أبعادا عسکرية عندما قال: «سيتم تناول جهود إيران الماضية لتسليح برنامجها النووي». هذا يعني أولاً معرفة واشنطن منذ انکبابها علی المفاوضات مع إيران عدم وجود فتوی من خامنئي المرشد الأعلی تحرّم الأسلحة النووية. لکن ما أضافه کيري في تصريحه مثير للاستغراب، بأن الولايات المتحدة غير مهتمة بالترکيز علی ماضي المنشآت العسکرية الإيرانية: «ما يهمنا هو التقدم إلی الأمام وبأن هذه الأنشطة توقفت (…) هذا واحد من المتطلبات التي لا بد من تحقيقها کي يکون الاتفاق شرعيًا، وبالتالي لتخفيف العقوبات».
في هذا التصريح تبدو واشنطن وکأنها تتنازل عن مطلبها المتعلق بالأنشطة ذات البعد العسکري المحتمل، وکان هذا المطلب يفرض علی إيران تقديم تفسيرات للوکالة الدولية للطاقة الذرية حول شکوک سابقة، ويشکل بالتالي سابقة لإيران بأن تمتنع عن الرد علی أي من الشبهات التي قد تثار في المستقبل.
مصادر غربية مطلعة، تتخوف من احتمال أن تتراجع الولايات المتحدة في المستقبل في أمرين. إذ وفقًا لتقارير غير مؤکدة حتی الآن فإنه بدلاً من التفتيش «في أي وقت وأي مکان»، سوف يتم تشکيل لجنة تضم ممثلين لجميع الدول المشارکة في المفاوضات بما في ذلک إيران، وهذه تقرر تحديد المنشأة للتفتيش هذا إذا استطاع الأعضاء التوصل إلی توافق بشأن الآراء. وتقول المصادر، إنه بهذه الطريقة سيتم تجريد الوکالة الدولية من کل سلطة مستقلة.
أما الوصول إلی المنشآت العسکرية، (الکل في إيران يرفض بدءًا من المرشد الأعلی، مرورًا بالحرس الثوري والمجلس وأيضا الفريق المفاوض)، فلن يکون شرطًا مسبقًا للتوصل إلی اتفاق، بل سيتم تأجيله إلی ما بعد التوقيع.
حسب مصادر أميرکية، فإن الولايات المتحدة تری في اتفاق نووي شامل فرصة لفتح صفحة جديدة مع إيران، وحتی فرض نفوذ أميرکي وغربي عليها، بحيث تتحول من دولة معادية إلی دولة صديقة تتشارک مصالحها مع الغرب.
الملاحظ أنه منذ تسلمت إدارة الرئيس أوباما زمام المفاوضات، وصار وزراء خارجية الدول الغربية الأخری يحضرون في الأيام الأخيرة لکل جولة مفاوضات، حوّل الإعلام الأميرکي إيران من دولة مشتبه بها وعرضة للعقاب، إلی شريک علی قدم المساواة في المفاوضات والتي لمطالبها الوضع نفسه التي لمطالب الدول الأخری، ووصل الحد بروبن رايت أن کتبت في 26 يونيو الماضي مقالاً في «النيويورکر» تحت عنوان «الحرب التي تطارد المفاوضين الإيرانيين»، وصمت بالعار إدارة الرئيس رونالد ريغان لأنها ساعدت العراق في حربه ضد إيران في الثمانينات. کل هذه «الجهود الأميرکية» تهدف إلی تحويل إيران بحکم الأمر الواقع إلی دولة صديقة للغرب، وتحت التأثير الغربي، والمثل الذي تحتذيه الإدارة هو الدور الذي قام به وزير الخارجية السابق هنري کيسنجر بجلب مصر في السبعينات، ومن ثم الصين والاتحاد السوفياتي إلی مواقف أکثر ودًا تجاه الغرب. لکن بعد مرور سنوات، نری أميرکا تقف ضد مصر، وتستعد لمواجهة مع الصين التي تفوقت عليها اقتصاديًا، وتعاني من شعبية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يهدد بزيادة ترسانة روسيا النووية.
من الخطب التي يلقيها خامنئي يتبين أنه يرفض تمامًا وجهة النظر الأميرکية، ومع شعوره بالقلق من التوصل إلی اتفاقية شاملة، إلا أنه يعتبرها تصحيحًا لخطأ لحق بإيران، وبالتالي ليس مناسبة لقلب صفحة العلاقات، أي أن إيران لن تتحول إلی دولة صديقة للغرب. بالنسبة إليه، کل التنازلات الأميرکية لن تلغي اعتقاده بأنها مؤامرة لإسقاط الطرف الآيديولوجي الذي يرأسه لمصلحة تعزيز الطرف البراغماتي، وأيضا للقضاء علی الثورة الإسلامية، أي النظام، وهذه عملية يصر هو علی منعها، وقد قال صراحة: إن مستقبل إيران يکون في الاعتماد علی «اقتصاد المقاومة» المستقل، وليس إطلاقا علی الغرب أو علی الاستثمارات الأجنبية.
انطلاقًا من هذا، ومن خطابه المطول الأخير، حيث رفع سقف الممنوعات عاليًا، يمکن التکهن بأنه غير مستعد للتوصل إلی اتفاق يتوافق مع ما تسعی إليه الولايات المتحدة. ويقول مصدر غربي. يجب أن نتذکر أنه في أبريل الماضي في لوزان، رفض الإيرانيون بشکل قاطع التوقيع علی أي شيء، ورفضوا حتی مصافحة أيدي الأطراف الأخری، ويمکن ألا تکون نتيجة المفاوضات الأخيرة في شکل اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، إنما قد يتم نقلها إلی مجلس الأمن لإصدار قرار.
برأي خامنئي أن کل التنازلات التي تقدمها إدارة أوباما ليست عن سذاجة أو لاعتبارها خطوة تصالحية، بل هي في مفهوم السياسة الحقيقية سياسة متلاعبة وإمبريالية وتهدف إلی تغيير النظام في إيران ليس عبر عملية داخلية إنما عن طريق التلاعب السياسي الخارجي. هذه الأفکار تسکن عقل المتشددين في إيران ويستعدون منذ عدة سنوات لإحباط هذا النوع من المحاولات خصوصًا بعد الاحتجاج الذي اجتاح إيران عام 2009 فتسلقت الجماهير السطوح لتطالب بسقوط المرشد. ومن المؤکد أن النظام في إيران الذي أغلق کل مواقع التواصل الاجتماعي يتابع ما تنقله الإذاعات الغربية عن رغبة الإيرانيين بالتحرر من العقوبات کي يتاح لهم الانطلاق بحرية إن کان داخل إيران أو خارجها.
في 4 يونيو الماضي، وعلی قبر مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني أکد خامنئي موقفه من الولايات المتحدة: «يجب أن يعلم الجميع أن الغطرسة (أي أميرکا) لا تزال ترصد أمتنا لأهميتها الجيوسياسية وثرواتها. الإمام الخميني حتی يومه الأخير کان هذا شعوره تجاه أميرکا، وصفها بـ(الشيطان الأکبر)». وقال خامنئي: «يجب أن يعرف الجميع أن عدونا (أميرکا) يهدف إلی السيطرة علی إيران، وأنه يعارض المنظمات والمؤسسات الثورية مثل حزب الله، والحرس الثوري والباسيج، لأنه يعرف أنها السد العظيم الذي يمنع تسلله».
سيستمر خامنئي في عرقلة المفاوضات وعن عمد إحباط جهود الجانب البراغماتي، بالإصرار علی مطالب لا يمکن تلبيتها، ويمکن حتی لو تم التوقيع علی الاتفاق، منع الذين التزموا من تطبيق ما وقعوا عليه من انفتاح إيراني علی التأثير الاقتصادي والسياسي والثقافي الأميرکي والغربي، ولن يحمي الرئيس حسن روحاني تصريحه: «عجلوا بالاتفاق إذا کنتم تريدون وقف إيران من التعجيل في برنامجها النووي». ولوحظ في الأيام الأخيرة أنه حتی الإعلام الأميرکي الذي کان يسوق الاتفاق مع إيران علی أنه «قطعة حلوی» وليس «کأس السم»، بدأ مع خطاب خامنئي الأخير، يراجع مواقفه، حيث جاء في «الفورين بوليسي» يوم 29 من الشهر الماضي: أن مصداقية أي اتفاق تتوقف إلی حد کبير علی قدرة المفتشين جعل إيران تلتزم الشق المتعلق بها في الصفقة، ولا تبني سرًا قنبلة (…) باختصار فإن عمليات التفتيش الصارمة وُجدت لجعل خامنئي يعرف أنه إذا قرر صنع قنبلة، سيتم اکتشاف أمره فورًا.
قد تدفع مواقف خامنئي المتصلبة، وتنازلات الإدارة الأميرکية من أجل التوصل إلی اتفاق، بالکونغرس الأميرکي إلی رفضه لأن القيادة الإيرانية لا تريد اتفاقا يحد من برنامجها النووي، إنما اتفاقا يرفع العقوبات عن إيران حتی تنطلق هي، حسب اعتقادها، في برنامجها للسيطرة علی المنطقة!







