مقالات

الشرق الاوسط: بصراحة.. إيران أخطر من «داعش» بألف مرة!

 


الشرق الاوسط
4/3/2015


 


بقلم: صالح القلاب وزير الاعلام الأردني الأسبق  



 
قبل صدور البيان السعودي – المصري المشترک خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلی الرياض وإجراء محادثات مع خادم الحرمين الشريفين الملک سلمان بن عبد العزيز، کان الحديث عن ضرورة إنشاء قوة عربية مشترکة يترکز علی «داعش» والتصدي له ولم يجر التطرق لإيران وما تفعله في هذه المنطقة، لا تلميحا ولا تصريحا، لکنَّ ما يشير إلی أنَّ تحولا واضحا قد تم علی هذا الصعيد أنَّ هذا البيان الآنف الذکر قد تحدث وبکل وضوح عن الدول التي تتدخل في الشؤون العربية الداخلية وبالطبع فإن المقصود هو جمهورية إيران الإسلامية التي لم تعد تخفي تمددها في الکثير من دول المنطقة ومن بينها العراق وسوريا ولبنان واليمن.
إنه لا يمکن التقليل من حجم وخطورة التحديات التي يشکلها «داعش» وتشکلها باقي التنظيمات الإرهابية، کــ«النصرة» علی سبيل المثال، إنْ ليس لکل الدول العربية فلبعضها، فهذه مسألة باتت محسومة ولا يمکن النقاش فيها لکن ومع الاعتراف بهذه الحقيقة التي غدت تفقأ العيون فإنه يجب إدراک أنْ لا مقارنة إطلاقا بين تهديدات هذا التنظيم الإرهابي لهذه المنطقة وبين تهديدات إيران التي تمس الجوانب الاستراتيجية والتي تستهدف مکانة العرب السنة في المعادلة السياسية الشرق أوسطية.
إن هذا التنظيم الإرهابي الذي تجاوز کل الحدود في جرائمه والذي أساء أکثر ما أساء للدين الإسلامي الحنيف هو مجرد مجموعة صغيرة بالإمکان محاصرتها والقضاء عليها في النهاية إنْ في عام أو عامين أو أکثر أو أقل وهذا، کما هو معروف، ما کان حصل مع «الخوارج» ومع «القرامطة» ومع «الحشاشين» ومع کل الحرکات الطارئة التي ظهرت کالنبات الشيطاني علی مجری نهر الحضارة العربية والتاريخ الإسلامي والتي ظهرت أيضا في الساحة الفلسطينية في فترة من الفترات کمحاولات اختراق مسيرة العمل الوطني الفلسطيني بدفع من بعض الأنظمة العربية التي حاولت السيطرة علی ثورة الشعب الفلسطيني من داخلها، وهنا فإن کتاب «بندقية للإيجار» لمؤلفه باتريک سيل قد ألقی أضواء کاشفة علی حالة واحدة من هذه الحالات هي حالة صبري البنا (أبو نضال) الذي انتهی مقتولا في بغداد عشية الغزو الأميرکي للعراق.
لقد عاث «القرامطة» في الأرض فسادا في لحظة تراخت فيها قبضة دولة الخلافة الإسلامية، ولعل ما لا يعرفه البعض وخاصة الأجيال الشابة هو أن هؤلاء منعوا المسلمين من أداء فريضة الحج لأکثر من عشرين عاما وأنهم احتلوا مکة المکرمة واختطفوا الحجر الأسود ولم تتم استعادته إلا بعد عقدين من السنوات وأنهم تمادوا کثيرا في استباحة حرمات المسلمين ونهب أموالهم وتدمير ممتلکاتهم لکنهم بالنتيجة لم يستطيعوا الاستمرار وانتهوا نهاية مأساوية بحيث لم يبق لهم أي أثر لا في التاريخ العربي ولا في التاريخ الإسلامي وهذا ينطبق کما هو معروف علی «الخوارج» وعلی «الحشاشين» الذين اعتبرهم مؤسسهم حسن الصباح خنجر الدولة الفاطمية (الإسماعيلية) الذي لم يتورعوا عن غرسه في خاصرة صلاح الدين الأيوبي لأنه ألغی هذه الدولة، أي الدولة الفاطمية، واستعاد حکم الدولة العباسية في مصر وفي بلاد الشام.
إن المقصود هنا هو أن «داعش» ظاهرة مصيرها الزوال لا محالة مثلها مثل کل التنظيمات والحرکات الإرهابية التي عرفها وشهدها هذا العصر إنْ عندنا کعرب وکمسلمين أو عند غيرنا کـ«الألوية الحمراء» الإيطالية وکـ«المافيا» الإيطالية التي أصبحت أميرکية وکـ«بادر ماينهوف» الألمانية وکالکثير من حرکات التطرف في أميرکا اللاتينية وفي أفريقيا.. إن هذه مسألة محسومة وهي مسألة وقت قريب، وکل هذا والمعروف أن هذا التنظيم الإرهابي ما کان من الممکن أن ينمو کل هذا النمو وأن يصمد کل هذا الصمود لولا حاضنة العرب السنة التي وفرها له القمع الهمجي الذي تعرض له هؤلاء في عهد بول بريمر وفي عهد نوري المالکي، وبحدود معينة إلی الآن، ولولا التسهيلات التي قدمها نظام بشار الأسد منذ بدايات انطلاقة الثورة السورية وحتی هذه اللحظة.
أما بالنسبة لإيران فإن الأمور أکثر تعقيدا وأکثر خطورة فهي أصبحت تهيمن عمليا علی أربع دول عربية هي العراق وبالطبع سوريا ولبنان بحدود معينة واليمن، والأخطر، وهذا معلن ومعروف ولا يستطيع أي کان إنکاره، هو أن هذا التمدد الإيراني قد ترتبت عليه تغييرات «ديموغرافية» خطيرة جدا وبحيث أصبح الخيار إما الاستسلام للإرادة الإيرانية والتسليم بالأمر الواقع وإما القبول بالتقسيم المذهبي الذي أصبحت خطوطه العامة واضحة کل الوضوح إنْ في بلاد الرافدين وإنْ في «القطر العربي السوري» وإنْ في اليمن الذي انتزعه الإيرانيون من بين أيدي العرب وهم يتفرجون وبلا حول ولا قوة!!
لقد أصبحت الأمور «فالج لا تعالج»، فالتغلغل الإيراني في هذه الدول العربية الآنفة الذکر، وعلی أساس طائفي، تجاوز کل الحدود ولذلک ويقينا أن وطننا العربي سيدخل حقبة إنْ ليس فارسية فإيرانية ستطول بمقدار ما استطالت الحقبة الصفوية إنْ بقينا نتصرف بکل هذا التراخي وبکل هذا الاسترخاء وبکل هذا التردد وإنْ لم تبرز الآن.. الآن وليس غدا طليعة عربية تقبض علی إيران من اليد التي تؤلمها وتتدخل في شؤونها الداخلية کما تتدخل في شؤوننا الداخلية وتتعاون من أجل هذه الغاية مع «مجاهدين خلق» ومع کل تشکيلات المعارضة الإيرانية ومع «البلوش» وعرب عربستان وأکراد کرمنشاه.. فالعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص ومن ضربک علی خدک الأيسر فوجه له ألف ضربة علی خده الأيمن.
إنه غير جائز أن يبقی هذا «الطرزان».. قاسم سليماني يتنقل بين حلب ودمشق وجبهات القتال في سوريا وبين بغداد وتکريت وديالی وجبهات القتال في العراق، فهذا معناه أن إيران هي صاحبة الحرب وهي صاحبة القرار في هذين البلدين العربيين، وهي في حقيقة الأمر کذلک، وهذا معناه أن العرب العراقيين، سنة وشيعة، وأن العرب السوريين، سنة وعلويين، سيبقون مختطفين من قبل جمهورية الولي الفقيه وأن العرب کلهم سيبقون کالشاة التي تنتظر خنجر الجزار وسيبقون «العين بصيرة واليد قصيرة»!!
يجب أن تنفتح الدول العربية القادرة والمقتدرة وغير المصابة بالذعر من البعبع الإيراني علی العرب الشيعة في العراق.. علی القبائل العربية العريقة التي هي تعرف معرفة أکيدة أن المطحنة الفارسية لن توفرها بالنتيجة وعلی العرب العلويين في سوريا الذين باتوا يعترفون بأنهم «قد قدموا أکثر من أربعين ألف شهيد» من أجل الحفاظ علی حکم عائلة الأسد وعائلة مخلوف وعلی الفاسدين المتعيشين من هذا النظام الذين يتشبثون به ويريدون بقاءه.. إنه غير جائز أن نبقی نتفرج علی إخواننا هؤلاء وعلی أبناء شعبنا وإيران تستخدمهم کخناجر مسمومة ضد أمتهم وضد أبناء شعبهم وهي تمعن في استباحة أوطانهم التي هي جزء من الوطن العربي الکبير.
إن هذه هي الحقائق التي غدت تفقأ عيوننا وإنه إن لم تکن هناک صحوة عربية وإن لم يکن هناک بروز طليعة عربية تنهي کل المشاکل والإشکالات العالقة مع ترکيا فإن القادم سيکون أعظم ولذلک فإنه لا بد من التأکد ومن دون أي تردد علی أن «داعش» يشکل خطرا عابرا ومؤقتا أما إيران فإنها تشکل خطرا «استراتيجيا».. إن إيران أخطر من هذا التنظيم الإرهابي بألف مرة ولهذا فإنه لا يجوز الترکيز علی هذا التنظيم والانشغال به وترک الحبل علی الغارب للإيرانيين الذين تجاوزوا کل الحدود والذين باتت تطلعاتهم وأهدافهم واضحة ومعروفة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى