ما الذي يقتلنا الآن… البراميل الإيرانية أم قنبلتها النووية؟

الحياة اللندنية
18/7/2015
بقلم: جمال خاشقجي
القنبلة النووية الإيرانية فرضية، قد تکون وقد لا تکون بعد عشرة أعوام وفق الاتفاق النووي الذي وقّعته طهران مع القوی الکبری صباح الثلثاء الماضي، ولکن البراميل المتفجرة التي تصنعها إيران، وترسلها للنظامين الطائفيين في العراق وسورية لتُلقی بعد ذلک علی رؤوس المدنيين حقيقة، ويبدو أنه من النفاق الدولي أن ننشغل بالفرضية علی حساب الواقع.
البراميل المتفجرة تقتل الآن، بينما تقرأ هذه المقالة، أطفالاً ونساء في سورية والعراق، ولکنها لم ترد ولو بسطر في عشرات الصفحات التي رسمت اتفاق فيينا، والذي «بفضله سيحل السلام في الشرق الأوسط والعالم»، کما يمکن لأي سياسي أميرکي أو أوروبي أسهم في صياغة الاتفاق الصعب أن يقول (فيما لو فاز) في حفلة تسلم جائزة نوبل للسلام.
إنها سلاح کراهية وليست سلاح حرب، لا تستحق علماء يحددون مواصفاتها ومحتوياتها، لا تحتاج إلی نسبة معينة من «التخصيب»، ولا لأجهزة طرد مرکزي يجادل الخبراء في عددها والمسموح منها والممنوع. أي طالب بليد في الکيمياء يستطيع صنعها في ورشة رديئة إن توافرت لديه الحماية من المحاسبة والضمير الميت، واجتمع کل ذلک في طهران وبغداد ودمشق، ولو غفلت السعودية أکثر عن اليمن لصُنعت أيضاً في صنعاء وصعدة، قنابل صمّمت من دون أجهزة توجيه متطورة، هدفها معاقبة المدنيين وإرهابهم، إنها مثل سيارة مفخخة تترک في شارع جانبي لتنفجر وسط باعة جوالين أو طلبة مدارس، حينها تکون إرهاباً، ولکنها حتی الآن سلاح حربي في العرف الأميرکي والأوروبي، إنها سيارات مفخخة تُلقی من حوامات لمعاقبة المدنيين الذين تمردوا علی النظام، ولا تستطيع أن تفرق بين مدرسة أو مقر عسکري.
لو أرادت الولايات المتحدة أن تجرّم قنابل الکراهية هذه، لکان سهلاً عليها ذلک، تدفع بقضيتها إلی محکمة الجنايات الدولية، ثم مجلس الأمن، ثم تصدر قراراً يجرّم صانعيها وملقيها، ولکنها لم تفعل. هي حسابات سياسية، الروس استخدموها بغزارة في حربهم في الشيشان خلال التسعينات، وجعلوا عالي العاصمة غروزني سافلها، فاستدعی بشار الأسد تجربتهم إلی حلب وحمص وريف دمشق ودرعا، ودمّر أجمل مدن الشام بقنابل صنعتها إيران، والآن يستخدمها جيش العراق الطائفي شريک واشنطن في الحرب علی الإرهاب ضد المدنيين العراقيين وليس «داعش»، فالخبير العسکري الأميرکي يعرف هذه القنابل ومحدودية أثرها في المسلحين وفداحة أثرها في المدنيين. ثمة احتجاجات عابرة في الإعلام الغربي، أو علی لسان سياسيين وبرلمانيين هناک، ولکنها لم تصبح قضية سلم عالمي تستحق أن يجتمع وزراء خارجية 6 دول کبری من أجلها مع إيران لمناقشتها والضغط عليها، ذلک أنهم جميعاً لا يزالون يعيشون في «الخطر الافتراضي» الذي يهدد إسرائيل متجاهلين «الخطر الواقعي» الذي تعيشه المنطقة.
لذلک السعودية، ومعظم دول الخليج وضحايا البراميل المتفجرة في سورية والعراق غاضبون ومتوجسون من اتفاق فيينا، فهذه البراميل وعلی خطورتها رمز للسياسة الإيرانية العدوانية في المنطقة، إنها «الحشد الشعبي» في العراق، وتهجير السنّة هناک، وانقلاب الحوثيين وصالح في اليمن، وقصفهم للمدنيين في کل مدينة رفضتهم، وميليشيات تشحن من أقصی الأرض، من باميان الأفغانية، لتدرب وتسلح لتمضي وتقتل حمويين وحلبيين وحماصنة لا يعرفونهم من قبل ولا يمثلون عداء لهم، ناهيک عن ميليشيات العدو القريب، «حزب الله» الذي يقاتل في الزبداني، وإيرانيين وعراقيين يقاتلون حول دمشق وفي حلب، لا تجوز مقارنتهم بالمقاتلين الأجانب في صفوف «داعش» أو «النصرة»، فهؤلاء خارج القانون، ولو عاد أحدهم الی بلاده لاعتقل، ولکن الميليشيات الشيعية تشحن في طائرات إيرانية رسمية تطير في مسارات جوية معتمدة من «الاتحاد الدولي للنقل الجوي»، ويعودون إلی بلادهم، ليتم الاحتفاء بهم «کأبطال أو شهداء» لا إرهابيين أو مجرمي حرب.
کمواطن، معني بأمنه وأمن أهله في هذا الشرق العربي الحزين، أجد أن السياسة الإيرانية العدوانية الحالية هي الخطر الداهم، وليس القنبلة النووية، وبالتالي أنا غير معني بالخطر «الافتراضي» المقبل، وهو ما يستوجب وقفة عالمية ضده، وقبل ذلک وقفة من الدول القادرة محلياً علی التصدي له، لذلک أؤيد وبقوة سياسة بلدي المملکة العربية السعودية، وأراها المشروع الوحيد الذي يمکن أن يحميني بل ينقذ السوري واليمني والعراقي من التغول الإيراني، وسيکون التسامح مع إيران في مقابل «تنازلاتها» المزعومة في فيينا أکبر خطأ يمکن أن نقع فيه حتی لو جاء ذلک بوعود ومواثيق من الرئيس الأميرکي باراک أوباما الذي ما فتئ يرسل التعهدات والوعود لدول الخليج منذ اجتماع کامب ديفيد قبل أسابيع وحتی الأمس.
لقد قدمت دول الخليج وعداً للرئيس في قمة کامب ديفيد بدعم الاتفاق، وهو دعم يحتاجه في معرکته المقبلة مع الکونغرس لتمريرها، ولکن حري بقادة هذه الدول والمملکة تحديداً وهي القوة الوحيدة القادرة والمستقرة في المنطقة والتي أنيطت بها ليس آمال شعوبها فقط بل کل شعوب المنطقة، أن تراجع أداء الإدارة الأميرکية منذ احتفالية کامب ديفيد، هل تغيرت؟ هل تحسن دعمها وتعدلت رؤيتها للصراع في سورية؟ هل تدعم الجهد السعودي في اليمن لتحريره من الانقلاب الإيراني مثلما وعدت؟ الإشارات تقول إن لا جديد، المنطقة في حاجة إلی أفعال لا أقوال، وحتی ذلک الحين فإن تقديم دعم للاتفاق علی بياض مضر للأمن القومي في المنطقة.
فمثلما تفاوض إيران بشراسة، يجب أن نفاوض مثلها وبشراسة أکبر، ومثلما تقاوم هي بقوة يجب أن نقاوم بقوة أکبر. للإيرانيين مشروعهم الذي يتعارض مع مشروعنا، ولا يوجد سبب لقبول طرح أوروبي حالم لا يعرف المنطقة وغير معني بأمن أهلها. إن ثمة مساحة يمکن أن يتقارب فيها المشروعان، فنحن نريد بناء المنطقة علی أسس عدالة وتعددية، وهم يريدونها طائفية ضيقة.
موقف عربي صلب تقوده السعودية ضد الاتفاق ضروري لسلام المنطقة، طالما أن الخطر الافتراضي مقدّم علی الخطر الواقع الآن. إنها وصفة لاتفاق سلام يفضي إلی حروب طائفية لا تنتهي، ولا حاجة للقول مرة أخری إن هناک مشروعاً سعودياً يرفض الهيمنة الإيرانية، وستواجهه بکل قوة کما قال الراحل سعود الفيصل «لسنا دعاة حرب ولکن إن قُرعت طبولها فنحن جاهزون».







