العراق: صفقة السلاح مع روسيا، لماذا الآن؟- طارق الهاشمي

الشبکة العربية العالمية
25/10/2012
بقلم: نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي
بعد صفقات أسلحة مع أوکرانيا وصربيا ودول أخری ومن ثم صفقة الأسلحة الأميرکية التي تزيد قيمتها علی 12 مليار دولار وأهم فقراتها؛ إلی جانب الدبابات والمدفعية الثقيلة والرادارات، تجهيز 32 طائرة من نوع «f16» حيث من المتوقع أن تدخل الخدمة لأول مرة في السنة المقبلة بوصفها مقاتلة متقدمة في القوة الجوية العراقية..
بعد هذه الصفقات يتحول العراق شرقا وبشکل مفاجئ ويبرم صفقة ربما هي ثاني أکبر صفقة سلاح تعقدها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وبالنسبة للعراق، هي واحدة من أکبر الصفقات التي أبرمها العراق لتوريد أسلحة.
تنويع مصادر السلاح مرغوب استراتيجيا رغم أنه يعقد المهام الفنية والتدريبية واللوجستية وحتی الأمنية، لکن بالنسبة لبلد مستورد للسلاح کالعراق، فلا مفر من تنويع السلاح، خصوصا أن السلاح الروسي، وهو عادة أقل تکلفة، لا يقل کفاءة عن السلاح الغربي ويتمتع بسمعة طيبة في سوق السلاح الدولية، کما أن روسيا عادة ما يغلب علی مبيعاتها الطابع التجاري وليس السياسي، وهي بذلک أکثر تساهلا من الغرب؛ وعلی وجه الخصوص الولايات المتحدة التي عادة ما تضع شروطا قاسية تقيد من حرية الدولة المستوردة في استخدام السلاح.
إلی هنا، ومن ناحية المبدأ، لا اعتراض علی الصفقة، لکن ثمة غموض وشکوک رافقت الصفقة استدعت طرح أسئلة موضوعية؛ في مقدمتها.. توقيت الصفقة، لماذا الآن؟ وهل العراق في الظرف الراهن بحاجة لأسلحة إضافية بعد صفقة السلاح مع أميرکا أم هو في أمس الحاجة لتحسين مفردات الحياة اليومية للمواطن؟ وکيف سيجري استخدام هذه الترسانة المتقدمة من الأسلحة الأميرکية والروسية في المستقبل؟ وکم سيصل من تخصيصات هذه الصفقة البالغة 4.3 مليار دولار، فعليا إلی حساب الشرکات الروسية المجهزة؟ ومن يضمن أنها لن تستخدم في دعم النظام السوري في ذبح شعبه؟ أسئلة مشروعة تنطلق من قلق مشروع.
ابتداء؛ أعلم أنني في مقالتي هذه إنما أمخر عباب بحر هائج، تتلاطم فيه أمواج الاتهامات بين الکتل السياسية دون رحمة وتصل إلی حد التخوين والتفريط بمصالح العراق العليا، يحصل ذلک بفضل الانقسام الحاد بين العراقيين في کل شيء تقريبا، حيث لم يعد يجمعهم جامع، وقد زادت قضية صفقة الأسلحة الأخيرة مع روسيا الجدل اشتعالا.
بصفتي عسکريا محترفا خدمت في جيش بلدي، لا شک أنحاز إلی عراق قوي معزز بترسانة أسلحة متقدمة تکنولوجيا کافية في الکم والنوع لضبط الأمن في الداخل من جهة؛ وحماية العراق وردع أية محاولات للتعدي عليه من جهة أخری، کما أني لا أشعر بحساسية تجاه هذا المنشأ أو ذاک؛ بل علی العکس، إذ بحکم خبرتي في السلاح الروسي ولو ترک لي الخيار لفضلته علی الغربي، ولکني اليوم بصفتي سياسيا فإن منطلقاتي في التفکير والتقييم هي أعم وأشمل، کما أن مسؤوليتي تلزمني أن أعبر عن وجهة نظري بتجرد وموضوعية، وهو ما أظن أنه يطبع مواقفي عادة.
توقيت الصفقة في هذا الظرف بالذات والجبهة السورية علی أشدها؛ حيث لم تشهد مثيلا علی مدی التاريخ ليس علی صعيد القطر فحسب؛ وإنما المنطقة وربما العالم أجمع.. حيث تذبح حکومة شعبها من دون أدنی شفقة أو رحمة لمجرد أن رفع صوته مطالبا.. بـ«حياة أفضل».. روسيا والصين تساهمان في عرقلة أية مساع تعجل في إيقاف المجزرة، والقضية لا بعد آيديولوجيا لها بقدر بعدها الدفاعي والصراع علی النفوذ والمنافسة علی الأسواق.. بشکل غير مباشر، فإن روسيا تقاتل في سوريا؛ إذ هي ليس فقط لا تعترض؛ بل وتدعم استخدام السلاح الروسي في قتل الشعب السوري الأعزل وتعزز من أداة القتل، وأمام أنظار العالم توظف الخطوط البحرية والجوية علی نطاق واسع، لکن عين الکرملين القلقة ليست علی سوريا، وإنما في الحقيقة علی القوقاز والشيشان وآسيا الوسطی.. روسيا تعمل علی إجهاض الانتفاضة في سوريا، وبفعلها هذا إنما تدفع رياح التغيير بعيدة عنها أقصی ما تستطيع.. انعکس هذا الموقف بشکل واضح في تصريح نائب رئيس الحکومة ديمتري روغوزين مخاطبا الغرب: «کفوا عن دعم الربيع العربي، لأن هذا الأمر حسب تصوري سينتهي نهاية سيئة وسيعقب الربيع صيف ساخن لن يعجب أحدا؟».
من جهة أخری، روسيا بوتين يبدو أنها قطعت صلتها تماما بإرثها أي بروسيا بريجنيف وغروميکوو نيکيتا خروشوف ولم تعد تهتم بآمال الشعوب قدر اهتمامها بمصالحها حتی لو تطلب الأمر دعم أنظمة مستبدة، وهذا ما هو حاصل. المعارضة السورية عبرت عن هذا الموقف بقولها: «روسيا تدافع عن مصالحها بطريقة خاطئة عبر إرسال الأسلحة لقتل الشعب السوري».
من جهة أخری، روسيا مقتنعة بأن موقفها المرن من سقوط نظام القذافي والسماح لحلف شمال الأطلسي بحسم التغيير لصالح الشعب الليبي، أفقدها إحدی کبريات الأسواق التي کانت تحتکرها لأربعين سنة مضت، فلماذا تضحي بسوق واعدة أخری؟ وبعد أن کانت فقدت سوق العراق منذ الغزو في عام 2003، فما الذي سيبقی لروسيا من أسواق کبيرة في الشرق الأوسط حيث طلب السلاح علی أشده، لو فقدت سوريا أيضا؟ لا شيء!
روسيا أکثر قناعة من أي طرف آخر بأن نظام بشار الأسد انتهی وأن المسألة لا تتعدی أن تکون مسألة وقت، لکن المصلحة تقتضي هذه المرة التشدد والذهاب إلی نهاية الشوط للحصول علی أفضل الغنائم بأقل الخسائر، وأول هذه المکتسبات التي تحققت ربما هي صفقة الأسلحة الضخمة مع العراق. وربما سنشهد غدا عقدا ليبيا مماثلا وآخر مصريا.. وهنا ربما سيلعب المال العربي دورا في تمويل صفقات توريد الأسلحة من روسيا، وغرضها في هذا الوقت بالذات واضح؛ تهدئة الموقف الروسي الغاضب ودفعه للتخلي عن تشدده مع قضية التغيير في سوريا لصالح مرونة باتت مطلوبة، وبعد أن فشلت جميع المساعي الدبلوماسية في تحقيق ذلک. الولايات المتحدة خلاف ما کان متوقعا لم تعترض علی الصفقة؛ بل بارکت وأيدت، وهذا يدلل علی أن للصفقة أبعادا أخری.
هناک رأي آخر يقول بأن هذه الصفقة إنما جاءت بمثابة جائزة لروسيا من جانب إيران التي تدين لها حکومة المالکي بالولاء والطاعة علی أنه ثمن للفيتو الروسي في مجلس الأمن، وبالتالي، فإن هذه الصفقة سوف تدفع روسيا إلی مزيد من التشدد في المستقبل المنظور.. نعم ربما يحصل ذلک، وما الذي يمنع روسيا من ذلک إذا کان بالإمکان توظيف هذا التشدد مرحليا ليس فقط من أجل تأخير التغيير وبالتالي زيادة حجم المعاناة بهدف إقناع الجميع بأن أي تغيير مستقبلي سيکون مکلفا جدا، بل أن يوظف هذا التشدد والتأخير في الحسم من أجل قطف ثمار إضافية من المتوقع أن تنضج في المستقبل؟ هذا في تصوري لن يغير من قواعد اللعبة إلا مرحليا، لکنه بالتأکيد سيزيد من معاناة شعب أعزل ويؤجل التغيير المنتظر لبعض الوقت، لکنه لن يستطيع أن يجهضه أو يلغيه.
هذه قصة روسيا بوتين، فما قصة نوري المالکي، لماذا هرول متلهفا لإنفاق مليارات من الدولارات علی التسلح والعراق لا يواجه تهديدا خارجيا؛ آنيا أو مستقبليا، خصوصا بعد أن سقط العراق في دائرة نفوذ إيران وهي تاريخيا مصدر الخطر علی العراق؟ في ضوء ذلک، لماذا يفرط المالکي بهذا الکم الهائل من أموال الشعب العراقي بينما هو يتباکی من ضيق ذات اليد ويتهم الکيانات السياسية وعلی وجه الخصوص «العراقية» و«الکردستاني» بأنهما تضيقان عليه وتمنعانه من تحسين الخدمات وتعرقل تطوير حياة المواطن العادي والدليل تمنعهما عن التصويت علی قانون البنی التحتية؟ لکن هل الأسبقية اليوم لعسکرة العراق أم للکهرباء.. للصحة والتعليم ومياه الشرب النقية والطعام الصحي والبيئة النظيفة..؟ الأسبقية أولا وقبل السلاح ينبغي أن تنصرف للعناية بالفرد العراقي.. للارتقاء بمستوی معيشة شعب بات يعاني مجددا بفضل سوء الإدارة من ثلاثي الفقر والجوع والمرض.. وبشعب کهذا لن تستطيع أمة أن تقاتل حتی لو توفرت لها ترسانة أرقی تکنولوجيا تسليح في العالم. وبالتالي يصبح الحديث عن التسليح في ظروف کهذه ضربا من الترف إن لم يکن ضربا من الخيال.
لکن من قال إن نوري المالکي قلق من تهديدات خارجية وهو الذي صرح بعظمة لسانه وهو يزور روسيا أن صفقة الأسلحة مطلوبة لفرض الأمن في الداخل، وحصرا لأغراض الحرب الجبلية والصحراوية؟! وقد فسرها العديد من الکتاب، وهم محقون، بأن المالکي يبغي من وراء هذه الصفقة رأس الکرد والسنة العرب علی حد سواء.
تضمنت الصفقة أسلحة هجومية وليست دفاعية کما يضلل البعض؛ منها الدبابات «تي 92» ومنظومة مضادة للصواريخ «S300» و42 صاروخ «بانستير – S1» ومدرعات وراجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة إضافة إلی طائرات قاصفة مقاتلة من طراز «ميغ 31» و30 طائرات مروحية هجومية من طراز «مي 28» المعادلة لطائرة الأباتشي المشهورة بقوتها النارية التي لا تحملها مروحية أخری في العالم.. بالمناسبة کدس بشار الأسد ترسانة هائلة مماثلة من الأسلحة التي تعاقد عليها المالکي، لکنه لم يستخدمها في تحرير الجولان؛ بل لقتل شعبه الأعزل.
صفقة الأسلحة مع روسيا غرضها قمع أية حرکة شعبية مناهضة قد تنطلق مستلهمة ومتأثرة بالتغيير الذي سيتحقق في سوريا، والأراضي المفتوحة أو الصحراوية التي ذکرها المالکي وتقع في الأنبار ونينوی وحتی صلاح الدين ستکون مسرح عمليات متوقعا، والمالکي قلق مما قد يحصل ويستعد للمواجهة، وکالعادة ليس في البحث عن وصفة سياسية مناسبة تصحح المختل وتعدل المعوج؛ بل يراهن، کعادته، علی القوة والسلاح، وربما هو محق هذه المرة لأنه ضيق علی نفسه واسعا، ولم يعد أمامه من سبيل، بعد أن استبد وجار وظلم؛ بل وحرق جسور التفاهم مع الجميع؛ وضمنهم شرکاؤه في العملية السياسية، إلا أن يحصد ما زرع.
أما المسلک المحتمل الثاني الذي دفع باتجاه الإسراع بعقد الصفقة، فهو الأزمة المتصاعدة مع إقليم کردستان، وليس في جعبة المالکي سوی استخدام القوة لإجبار الإقليم علی الرضوخ لما يريد، والتمدد علی کرکوک من خلال عمليات دجلة مؤشر واضح علی نواياه المستقبلية، والبعض يتوقع أن يقتصر اهتمامه علی المناطق المتنازع عليها، لکن هذه المناطق تقع في أراض سهلية وليست جبلية، بينما تصريح المالکي في روسيا کان واضحا وجليا؛ فهو يعد العدة لمعارک جبلية! وليست أي منطقة أخری مستهدفة بقوله هذا غير کردستان.
المالکي عرف بأنه ميال للعنف واستخدام القوة بإفراط، هکذا نقرأ سجله وتاريخه.. لم يکن رجل سلام في يوم من الأيام ولن يکون؛ لا في علاقته مع العراقيين، ولا في علاقته مع الآخرين حتی مع دول الجوار، وستغريه القوة العسکرية المتراکمة وتدفعه لارتکاب المزيد من الخطايا والحماقات.
في نهاية يناير (کانون الثاني) من عام 2007 وفي محرم الحرام، قتل المالکي في الزرکة شمال النجف الأشرف ما يزيد علی 300 من الشيوخ والنساء والأطفال، وأضعاف هذا الرقم من الجرحی، وهؤلاء ليسوا فقط من أبناء وطنه؛ بل من أتباع مذهبه لمجرد خلاف علی المرجعية، وعلی الشاکلة نفسها قتل دون مبرر العشرات في «معسکر أشرف» وجرح المئات من لاجئين يوجدون علی أرض العراق بطريقة قانونية بناء علی اتفاقية جنيف الرابعة، أما حصاد العمليات العسکرية التي قادها ابتداء مما سماها «صولة الفرسان» في البصرة وامتدت بعد ذلک إلی جميع المحافظات، فقد خلف الآلاف من القتلی والجرحی والمشردين، ورغم التضليل الإعلامي الذي رافقها في حينها، فإنه قد ثبت لاحقا أن أغراضها لم تتعد فرض طاعة المالکي علی الجميع من دون منازع.
لا أعتقد أننا بحاجة للدلالة علی دموية المالکي، ففي عام 2008 التقيته غاضبا في مکتبه وشارک في اللقاء زميلي عادل عبد المهدي، ومبعث الغضب کان رفض البيشمرکة الانسحاب من محافظة ديالی حيث کانوا وجدوا بناء علی اتفاق سابق وانفتحوا في مناطق محددة من المحافظة، کان المالکي غاضبا عندما التقيناه وعلی وشک أن يصدر أوامره بقصف نقاط السيطرة التابعة للبيشمرکة بنيران الدبابات، وکان جادا في ذلک بعد أن نشر دباباته أمام نقاط السيطرة المقصودة، وکان من المتوقع أن تحصل مجزرة لو لم نتدخل ونمنع المالکي.
وجهت إليه حينها بضعة أسئلة: هل حاول إيجاد مخرج سياسي للمشکلة؟ هل فکر بالمساعي الحميدة التي تنشط بها شخصيات قريبة من الکرد؟ هل يتوقع کيف سيرد الکرد علی هذا الهجوم؟ هل تحسب لذلک؟ فيما لو تفاقم الوضع وتوسعت دائرة القتال، هل لديه تصور عن کيفية احتواء الأزمة لاحقا وتفادي خروجها عن السيطرة؟ وعندما رد بطريقة مشوشة ولم تکن لديه إجابات مقنعة، حذرناه من مغبة المضي في استخدام القوة وهددناه بأن مجلس الرئاسة لن يقف معه؛ بل سيدين أية عمليات عسکرية من هذا النوع، وعندها فقط رضخ.
إذن هذه الصفقة مطلوبة حصرا للداخل، لتعزيز قبضته الحديدية، رغم أنه سيدعي أنها مطلوبة من أجل حماية العراق ومحاربة الإرهاب!! وهي شماعة أصبحت قصتها معروفة مثل قصة المادة «4 إرهاب» حيث بات العراقيون يتندرون بتسميتها «4 سنة» بعد أن وظفها المالکي طائفيا من أجل اجتثاثهم، والذي يعزز هذه المخاوف أن الأسلحة المتعاقد عليها مهما کبرت، فلن تکفي للمنازلة مع أي من جيوش الدول المجاورة بسبب تفوق الأخيرة النوعي والکمي.
إلی جانب التحفظات أعلاه، نضيف تحفظا رابعا يعنی بالنزاهة.. وابتداء؛ من المعروف أن سوق السلاح هي من أوسخ الأسواق لأسباب لا تخفی علی أحد، وفي العراق، وحسب تقارير الهيئة العامة للنزاهة، فإن وزارة الدفاع العراقية تعتبر من أسوأ الوزارات انضباطا في التصرف بالمال العام.. الفضائح تزکم الأنوف، والأسلحة الصربية مثال.
السؤال: ما دام هذا هو الوضع، إذن من يضمن أن لا يذهب قسط من المبلغ المخصص وهو ليس بالقليل (4.3 مليار دولار) إلی جيوب موظفين ووسطاء ووکلاء وآخرين غيرهم بشکل عمولات ورشی؟ مواقع إنترنت نشرت أخبارا تدعو للقلق قالت إن مصدرها الحلقة القريبة من المالکي صاحب القرار، حيث استبعد المالکي في اللحظات الأخيرة دون سبب وجيه وکيل وزارة الدفاع سعدون الدليمي وکلف بدلا منه اللواء حاتم المکصوصي مدير الاستخبارات في وزارة الدفاع؛ بينما الصفقة ليست من اختصاصه، بل من اختصاص دائرة التسليح والتجهيز، وشارک معه قياديان من حزب الدعوة حيث أکملوا المفاوضات في المسائل الحساسة؛ وهي کما ذکرتها المواقع الاتفاق علی آليات تحصيل وتحويل نسبة العمولة لحزب الدعوة والبالغة 10% أي ما يعادل 420 مليون دولار. وعلی افتراض أن مفردات الصفقة جهزت، يبقی السؤال: هل ستدخل جميعها مخازن الأسلحة والأعتدة العراقية فعلا أم إن قسما منها سيحول من المنشأ إلی جهة أخری وربما دعما للنظام السوري؟
ولدينا تجربة الأسلحة الصربية؛ إذ لا يعلم أحد إلی أين انتهت مفردات الصفقة، فهناک من يقول إنها آلت إلی أيدي ميليشيات الأحزاب المتنفذة المؤيدة من إيران، ومن يقول إنها هربت للخارج، وثالث يقول إن القسط الأکبر لم يجهز أصلا رغم أن قيمة العقد دفعت بالتمام والکمال، والحکومة ساکتة لا تعلق ولجنة الأمن والدفاع وکذلک لجنة النزاهة في مجلس النواب مشغولتان بأمور أخری!! قد تبدو هذه الاحتمالات غريبة، لکن في الوضع الذي بات عليه أمر العراق صدقوا أن کل شيء ممکن.
بإيجاز لا اعتراض علی التسليح من حيث المبدأ، لکن الاعتراض ينصب علی التوقيت أولا، وغياب الحکم الرشيد ثانيا. والمصلحة الوطنية تقتضي تأجيل إبرام الصفقة لأن توقيتها الآن مدعاة للريبة ما دامت ليست هناک دواع أمنية طارئة أو ضاغطة وبالتالي يمکن تأجيل شراء السلاح وتوظيف الأموال المخصصة لصالح تعمير وتطوير البنی التحتية وتحسين الخدمات، وفي غياب الحکم الرشيد والتحول من المشارکة في السلطة حيث تقتضي الديمقراطية إلی استقطاب القوة، فإن مزيدا من القوة يعني تکريس ظاهرة الاستبداد بکل ما ينطوي عليه ذلک من تبعات وأخطار.
الذين اعترضوا علی الصفقة محقون، والذين أيدوها عجزوا عن تقديم مبرر واحد، وهم مدعوون لإعادة النظر بموقفهم، ومن الضروري أن تبقی الصفقة معلقة بانتظار أن يتحمل مجلس النواب مسؤوليته ويناقشها من ألفها إلی يائها.. لکن هل سيفعل المجلس ويسجل هدفا ذهبيا ويهز شباک مرمی حکومة اختطفت قدر العراق وباتت تديره وکأنها مقاول أحيلت إليه مقاولة بطريقة «کرستة وعمل».. کما يتندر قيادي في المجلس الأعلی وهو يصف بدقة نهج المالکي في استقطاب غير مسبوق للسلطة؟







