أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة الثانية عشرة)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي

ان الاطماع التوسعية لنظام ايران المتطرف بزعامة خميني لها جذور في «التطرف الاسلامي»، ولهذا السبب إن جميع صنوف التطرف من العربية أو غير العربية من الحاکمين منه مثل الملالي في طهران وطالبان في أفغانستان أو الآخرين من غير الحاکمين يصرون علی ان الاسلام ليس له حدود ويستنتجون من هذا الشعار أن الحدود الرسمية الموجودة بين الدول الاسلامية ليس لها اي اعتبار ويجب ازالة هذه الحدود لاقامة «حکومة اسلامية واحدة».
لقد قرأتم في الاجزاء السابقة من هذه المقالات نماذج مختلفة ومتعددة في هذا المجال سواءاً من کلام خميني او بقية مسؤولي النظام الإيراني.
وفضلاً عن الحکم المتطرف للملالي أو طالبان نلاحظ الآن ان تنظيمات رئيسة للتطرف الارهابي تعمل بشکل متزامن في عدة دول وحتی في عدة قارات في افغانستان والشرق الاوسط حتی السعودية والجزائر وکذلک هناک تنظيمات تعمل في الدول الغربية في اوربا وحتی في اميرکا.
أکدنا في الاجزاء السابقة وأوضحنا ان التطرف وبحقيقته التي تم شرحها إذا استمر فبالطبع سيعمل علی تنفيذ مشروع إسقاط أنظمة الحکم في ما لا يقل عن 57 دولة إسلامية يعني الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي التي کلها اعضاء في منظمة الامم المتحدة وکل منها عضو في حلف قومي أو إقليمي مثل الجامعة العربية ومن هذا المنطلق فإن هذا المشروع سيؤدي إلی اشعال نار حرب عالمية جديدة ونظراً للواقع السياسي الجغرافي العالمي والتکنولوجيا الحربية في القرن الحالي فان الحرب العالمية القادمة ستکون أهول وأکثر وحشية وهمجية من الحرب العالمية الثانية وسوف تترک 60مليون قتيل وستکون اکثر الخسائر من الشعوب الاسلامية.
وتحدثنا في الحلقة الحادية عشرة من هذا المسلسل من المقالات عن کيفية تکوين النموذج أو القدوة التي تستخدمها عصابة خميني بالاسم المستعار (الشعب الايراني) وقلنا ان ايجاد خلايا ومنظمات ضرورية لتصدير الارهاب الخميني بدأ مبکراً أي منذ بداية حکم خميني. وکان من الطبيعي أن نستمر الموضوع علی هذا السياق ولکن کان من الضروري في هذه النقطة ان نعطي الأولوية بمقولات متعلقة بـ (التطرف الاسلامي الارهابي) وهذه المقولات کالتالي:
اولاً: مکانة (الارهاب) في معارک التطرف. ثانياً: الکيفية والعواقب في قيادة التطرف. ثالثاً: موقف المتطرفين من المسلمين الآخرين. رابعاً: موقفهم من الاسلام والقيم الاسلامية.

موقع الإرهاب
من المعلوم أن التوجيهات التي أوردها خميني في وصيته لتشجيع المسلمين والمضطهدين في العالم علی «انتزاع حقوقهم ولو بالأيدي والأسنان» لا تماثل الثورات الاجتماعية والشعبية ولا يعني الحرب التقليدية وتجييش الجيوش وإنما يقصد منها أسلوب ونهج «الإرهاب» لأن خميني وحتی في حياته وبرغم کونه يمتلک صنوف الجيوش والقوات النظامية کان يعتمد أسلوب «الإرهاب» و«الاغتيال» علی نطاق واسع وبمخططات ومؤامرات عديدة سواء ضد المعارضين الإيرانيين فکريًا وسياسيًا داخل وخارج إيران أو الأهداف الدبلوماسية والسياسية الخارجية. بل والأهم من ذلک أقام قواعد کبيرة في مختلف أنحاء إيران خصصها للتدريب النظري والعملي لقادة وعناصر من رعايا مختلف الدول الإسلامية أو من المسلمين المقيمين في البلدان غير الإسلامية علی ممارسة الإرهاب وتنفيذ عمليات إرهابية في مختلف أرجاء العالم وذلک کما قلنا سابقًا في إطار «تأسيس الجيش الإسلامي الدولي» وإنشاء «قوة القدس» ضمن فيلق حرس خميني.
فبذلک، إن «الإرهاب» الذي هو وليد التطرف الملتحف بالإسلام سيکون الحشو الأولية لعملية التفجير المحتملة علی يد التطرف المتسترة بغطاء الإسلام لتشعل حربًا عالمية رهيبة وهو الإرهاب الذي أسماه خميني بـ «الحرب بالأيدي والأسنان».

جريمة سافرة
في الظروف الحالية نلاحظ أن الجميع يعتبر الارهاب حالة غير صحيحة ويدينه وحتی نفس المنظمات والحکومات الارهابية فهي ايضاً تطبل وتزمر ضد الإرهاب بقدر ما يقوم به الآخرون. ولکن من المؤسف انه وعلی الصعيد العالمي لايوجد تعريف رسمي موحد وشامل للارهاب حتی من قبل المنظمة الدولية علی الرغم من طرح هذا الموضوع من قبل جهات عديدة يطلبون هذا من الامم المتحدة.
وعلی هذا السياق ان أهم مشکلة موجودة أو يلوّحون بها اصحاب المصالح هو الفارق والاختلاف بين «الکفاح المسلح المشروع» و«الجرائم الارهابية» لان بعض الدول العظمی ترغب وتحاول ان تعتبر أية حالة کفاح مسلح مشروع مرفوضة ومدانة متجاهلة شرعية الهدف وکون الشعوب المضطهدة بحاجة ماسة إليها.
في نفس الوقت بمغزل عن اتفاق أو عدم اتفاق القوی العظمی هنالک خصائص موجودة ومعروفة تميز بين الکفاح المسلح المشروع وبين الجرائم الارهابية وهذه الخصائص تميز کلاً من الحالتين عن الاخری وبسبب وجود هذه الخصائص فان الضمير الاخلاقي العالمي يبقی موحدًا يدعم الکفاح المسلح علی نطاق واسع وبکل شموخ وانتخاء ضد الاعتداءات ومختلف الأنظمة الديکتاتورية.
أما الخصائص المميزة لموضوعنا کما يأتي:
اولاً: شرعية الهدف من الکفاح المسلح
ثانياً: ظروف العمليات المسلحة المشروعة
ثالثاً: ضمان امن وحقوق المواطنين (المدنيين) المحايدين ومنع اي اعتداء عليهم.
رابعاً: الالتزام بمقاتلة العدو الحقيقي تجنبًا من الاضرار والتهديدات الفرعية.
هناک حدود محدِّدة (بکسر الدال) سنقوم بشرحهها بقدر ما في وسع مقالاتنا هذه وهذه الحدود يجب ان نقولها بعبارة أخری وهو ان اللجوء الی اي عمل مسلح وإراقة دم من دون تلک المبررات والمسوغات الشرعية ليس إلا جريمة قتل يستحق مرتکبوها ملاحقة قضائية والمعاقبة ناهيک عن کونهم مدانين أخلاقيًا وإنسانيًا وهي إدانة تشمل بلا شک المتطرفين المقنعين بقناع الإسلام.

شرعية الهدف من الکفاح
ان ازالة حکم أجنبي جبار وظالم هو من الحقوق الأساسية والثابتة لأي شعب بحيث أن حصول الشعب والدولة علی حقوقهما ومصالحهما الأخری يرتبط ويشترط بممارسة هذا الحق. فان الحصول علی هذا الحق الاساسي حق مشروع بالاستفاده من کل الوسائل الضرورية لتحقيق هذا الهدف بما فيها الکفاح المسلح.
ان هذا الحق المشروع يختلف کلياً عن محاولات بعض التيارات الفکرية والدينية والسياسية وبعض الجماعات التي تجعل من الحکم علی الشعب مسألة محصورة بهم ويسعون للوصول الی السلطة بأي وسيلة والاسوأ من ذلک بالاستفادة من السلاح والقوة… وبهذا الشکل وبدون شک فان التيارات الاسلامية المتطرفة تسعی وباللجوء إلی الإرهاب والإرعاب المسلح من اجل السيطرة علی الحکم وحصر السلطة بايديهم وهي تمثل مثالاً واضحاً للارهاب والإجرام وأفرادها يعتبرون مجرمين برغم مزاعمهم وادعاءاتهم وتشدقهم بالدين والالتزام بالتعاليم الدينية. لأنهم لا يشکلون علی أي حال اکثر من مجموعة أو تيار ديني يوجد لدی الشعوب الی جانب کم هائل من التيارات الدينية وغير الدينية. وکمثال علی ذلک فإن عصابة خميني في ايران ومجموعة طالبان في افغانستان بغض النظر عن التدخل الاجنبي کانوا يعدون واحدًا فقط من أعداد کبيرة من دعاة الإسلام السياسي کانوا ومازالوا موجودين في کلا البلدين. ويأتي هذا مع التذکير بوجود وحقوق ووزن التيارات والکيانات الدينية وغير الدينية في إيران ووجوب الاعتراف بحقوقها واحترامها کونها من أصحاب الدار وأصحاب الحقوق في بلدهم…
اما مناقشة الدعاوي الدينية الکاذبة للمتطرفين وعنوان «الجهاد» الکاذب الذي يطلقونه علی أعمالهم الإرهابية فلابد لنا من التطرق اليه ضمن سلسلة هذه المقالات.

شروط نهج الکفاح المسلح
ان النهج الکفاحي المسلح يختلف عن بقية الاساليب الکفاحية والتعبوبة کونه يتعامل مع روح ودم وحياة الآخرين سواءاً أرواح الاعداء أو الاصدقاء وهذا أمر لا يجوز المرور به مر الکرام وبالتسامح.
ولهذا السبب تبدأ شرعية الکفاح المسلح مباشرة بعد ما تصل الحلول السلمية الی طريق مسدود ولا يستطاع تحقيق «الهدف المشروع» الذي ناقشناه، بأساليب أخری.
فهکذا حالة متمثلة في الطريق المسدود هي نوع من المنعطف التاريخي تشهد عليه السوابق والتجارب النضالية الماضية والمسالمة ولکن غير الفعالة من جهة ويأتي مواصلة الأساليب السابقة غير الفعالة والإصرار عليها لتزيد من شدة وقسوة حالات الظلم والاضطهاد وتکون في الحقيقة مؤمّنة لمصالح العدو الغاشم. ففي التاريخ الإيراني الحديث يمکن أن نضرب مثلاً علی ذلک يومين کنموذجين بارزين من هکذا منعطفات تاريخية وهما 5 حزيران عام 1963 و20 حزيران عام 1981.
إن اللجوء إلی الاساليب المسلحة من دون أن يلزمها هکذا منعطفات تاريخية ليس إلا استعراضًا انتهازيًا ولامسؤولاً تجاه أرواح ومصالح المواطنين والمناضلين يرتکبه عصابات مختلفة بمزاعم وأسماء متنوعة باللجوء إلی الإرهاب فقط ولا يزيدون إلا من آلام الشعب والمجتمع القاسية والمضنية.
وفي ما يخص التطرف الاسلامي الارهابي يجب التذکير بحقيقة مؤلمة أيضًا وهي ان الزعماء الرجعيين والمتحجرين والجزميين للغاية لهذه التيارات والتوجهات الارهابية يفتقرون إلی قدرة المواجهة الفکرية والاستدلال المنطقي مع العلماء والمفکرين المسلمين ويتسرعون بلصق تهمة (الکفر) أو (النفاق) ببقية المؤمنين والمفکرين لکي يستطيعوا بهذه الحيل ايجاد مفر ومهرب لهم ثم يقوموا بفرض أجواء من الدم والمجازر باللجوء إلی الأعمال الإرهابية ثم باغتيال العقول والأفکار أيضًا بجانب أکوام الجثث والنعوش هنا وهناک في الأزقة والشوارع. ناهيک عن قتل واغتيال مختلف المفکرين وعلماء الدين وتصفيتهم الجسدية من قبل المتطرفين الإرهابيين المقنعين بقناع الإسلام في الماضي والحال والمستقبل. علمًا بأن خميني في هذه الأثناء نموذج شاذ استثنائي لم يتوان في قتل مئات الآلاف بجريمة التفکير حتی قتل أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و13 عامًا ومنهم الطفلة فاطمة مصباح.

امن الابرياء
في النزاعات وخاصةً النزاعات المسلحة وبعيداً عن تحقيق الهدف المشروع وتحقيق الشرط اللازم في اتخاذ أو سلک الاسلوب المسلح هنالک حدود رئيسية وجادة مع (الجرائم الارهابية) ألا وهي تجنب الحاق أي أذی بالابرياء حتی لو استدرجوا الی ساحة القتال فهم قوة غير معادية ولذا يجب الحفاظ عليهم بکل قوة وإخراجهم ودلالتهم إلی خارج ساحة القتال.
(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى