إيران.. نووية أم نفوذ؟

الشرق الاوسط
1/12/2014
بقلم: مامون فندي
علی ظاهرها تبدو المفاوضات بين الغرب وإيران مفاوضات لمنع إيران من الحصول علی قنبلة نووية، ولکن الإيرانيين لا يتفاوضون علی النووي، بل يتفاوضون علی النفوذ الإقليمي. الغرب بقيادة أميرکا يتفاوض علی شيء، وإيران تتفاوض علی أمر آخر.
اللعبة الإيرانية والطعم الذي ابتلعه الغرب جاءا بعد أن أصدر مجلس الأمن في 2006 قرارا بالإجماع ضد إيران، حتی تتوقف عن تخصيب اليورانيوم. يومها تأکد الإيرانيون أن معلومات مجلس الأمن عما يحدث من أنشطة نووية في إيران محدودة، فاستغل الإيرانيون هذا المشهد، وأعلنوا يومها أنه سيتم ترکيب 3 آلاف جهاز طرد مرکزي جديد في منشأة ناتانز. وبالفعل، أبلغت إيران الوکالة الدولية للطاقة الذرية عزمها علی وضع 18 وحدة، تتکون کل منها من 164 جهاز طرد مرکزي، أي بمجموع يقارب 3 آلاف جهاز طرد مرکزي.
الرقم الذي ادعت إيران أنها تمتلکه أقل بکثير من الرقم الذي تعرفه الوکالة الدولية للطاقة الذرية، وتعرفه کذلک المعاهد والمؤسسات الدولية الاستراتيجية، الذي لا يتجاوز 164 جهاز طرد مرکزي، أي ما يشکل وحدة واحدة فقط لإنتاج الماء الثقيل (One Unit).
إيران، بالطبع، لم تکن ساذجة عندما ادعت أنها تمتلک 3 آلاف جهاز طرد مرکزي، أي ما يعادل 18 وحدة، فهذا کافٍ لکي تستطيع تخصيب کمية من اليورانيوم قادرة علی إنتاج قنبلة نووية. وکان الهدف من هذا المبالغة في القدرات النووية تحسين موقفها التفاوضي في مسألة النفوذ الإقليمي، وهو الأهم بالنسبة لإيران. إيران تعرف أن حصولها علی القنبلة لن يهدد جيرانها، وخصوصا القادرة منها علی شراء سلاح نووي جاهز أو استخدام المعرفة الباکستانية المتاحة لبناء قنبلة توازن مع إيران. ولکن هدف إيران هو التفاوض مع الغرب وليس مع الإقليم في مسألة النفوذ، لذلک يصبح النووي الإيراني ليس هدفا في حد ذاته، بل خدعة کما في لعبة البوکر للحصول علی أکبر مکاسب من أوراق ليست ذات قيمة حقيقية.
ولکي أوضح النقطة لا بد أن أعرج علی شرح تعقيدات عملية التخصيب التي أظن أن إيران لا تمتلکها بالدرجة التي يظنها الغرب. وسأحاول هنا تبسيط عملية التخصيب المعقدة ليفهمها القارئ العادي.
بداية يحتوي اليورانيوم العادي في المناجم علی 0.7 في المائة من الـU235 ايزوتوب، أما البقية العادية فهي تمثلU238؛ نسبة الـ0.7 في المائة هي التي تستخدم في التخصيب. عملية التخصيب هي محاولة رفع الـU235 إلی نسبة 5 في المائة، بدلا من 0.7 في المائة، وهذا ما تحتاجه المفاعلات الحديثة. ويتم التخصيب إما عن طريق جهاز طرد مرکزي، أو عن طريق التجميع الداخلي. وهي محاولة لعزل، علی الأقل، 85 في المائة من الـU238 النقي عن طريق إدخال الهکسا فلورايد في طريقين (Streams 2)؛ طريق يتم فيه تخصيب اليورانيوم، والطريق الآخر يتم فيه التنضيب.
بعد الوصول إلی مستوی التخصيب اللازم، يوضع اليورانيوم المخصب في مراکز الطرد للحصول علی ترکيز U235 بنسبة 5 في المائة.
آخر إعلان إيراني ذکر أن درجة النقاوة التي توصلوا إليها لـU235 هي 35 في المائة، أي أقل بکثير من النسبة المطلوبة (85 في المائة)، وکذلک لم يتوصل الإيرانيون إلی ترکيز لـU235 بنسبة أکثر من 3 في المائة، أي أقل أيضا من النسبة المطلوبة (5 في المائة). وتؤکد دراسات استراتيجية أن إيران حتی لو أنها تمتلک حقا الـ18 وحدة التي أعلنت عنها، فهي غير قادرة في الوقت الحالي، من حيث الخبرة البشرية والتقنية، علی تشغيلها في وقت واحد کمرحلة أولی من المراحل المتعددة والمعقدة للوصول إلی اليورانيوم المخصب. إذن، نحن هنا في بازار، يبالغ فيه الإيرانيون حول ما يمتلکونه من تقنية نووية، فيدعون امتلاکهم 18 وحدة لإنتاج الماء الثقيل، لکي يفاوضوا الوسيط الأوروبي، الذي بطبيعة الحال سيحاول تخفيض الرقم، ولکن مهما خفضه فإنه سيکون أعلی بکثير مما تمتلک إيران حقيقة، وبذا يکون التاجر الشاطر قد ربح في سوق السجاد. لم يربح فقط تصريحا بالعمل القانوني في اتجاه النووي، ولکن أيضا بتأکيد النفوذ الإقليمي.
لو لاحظنا عام 2006 والآن بعد 8 سنوات، فإن السيناريو الإيراني يستهدف إقناع دولة واحدة بالنفوذ، وهي المملکة العربية السعودية. إذ بعد ذاک الإعلان جاء الإعلان عن زيارة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلی المملکة العربية السعودية، قبل 3 أيام. بعد الزيارة تناقلت وکالات الأنباء إعلان إيران اتفاقها مع مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002. الآن يتحدث الإيرانيون، بالطريقة السابقة نفسها، عن زيارات إلی السعودية أو تواصل مباشر معها، والتعاون حول ملفات إقليمية من العراق إلی لبنان إلی سوريا. أي ما قالته إيران في 2006 تقوله أيضا في 2014، وتقريبا بالحرف الواحد، وبدلا من أحمدي نجاد المتطرف نتحدث عن روحاني المعتدل، ولکن السياسة نفسها لم تتغير.
أميرکا وأوروبا أيضا مستفيدتان من البلبلة المصاحبة للمفاوضات الحالية؛ فمجرد تعاطي الأميرکان مع الإيرانيين سيکون السؤال في الخليج العربي: هل نحن أمام تغيير في السياسة الأميرکية تجاه إيران، وبالتالي تجاه سوريا، أم مجرد تکتيک لتوريط طهران، وهل سينظر أهل الخليج إلی الحوار الأميرکي – الإيراني، في إطار أن أميرکا تکافئ أعداءها من الدول المتشددة في المنطقة، علی حساب الأصدقاء من الدول المعتدلة؟
ورقة إيران النووية وکل عملية التفاوض الإيرانية وکل الأميال التي يقطعها وزير خارجية إيران السيد ظريف تهدف إلی الضغط علی الولايات المتحدة، للقبول بنفوذ إيراني في منطقة الخليج، التي تعتبر هاجس إيران الأساسي. وليس بعيدا عن الذاکرة کيف کانت جمهورية إيران الإسلامية، في عز ثورتها الخمينية، أول من أجری اتصالات مع إسرائيل وأميرکا إبان الحرب مع العراق، للحصول علی أسلحة ومعدات إسرائيلية في إطار صفقة – فضيحة، عُرفت باسم «إيران – غيت»، وکادت تطيح بحکم الرئيس رونالد ريغان في أواسط الثمانينات. إذن، عندما شعرت إيران بالتهديد في منطقة الخليج، وهي في أوج عنفوانها الثوري، لم تتردد في عقد صفقات مع إسرائيل لحماية أمنها.. براغماتية عالية يتسم بها الإيرانيون؛ فإن کان الخميني (رأس الثورة) لم يتورع عن تحالف مع «الشيطانين» (الأصغر والأکبر). فهل سيتورع خامنئي بعد أکثر من 30 عاما علی قيام الثورة الإسلامية في إيران، عن عقد تحالفات حتی مع شياطين البر والماء، إن رأی أنها في صالح تمدد نفوذ إيران في الخليج والمنطقة. المفاوضات النووية الإيرانية مع الغرب بداية صفقة أو غطاء سياسي لنفوذ إيران الإقليمي المقبول أميرکيا وإيرانيا. هذه الصفقة وهذا النفوذ يجب ألا يقبله العرب حتی لو کان من خلال کشف الخدعة بشراء سلاح نووي من باکستان أو من غيرها. تحويل الکذب إلی واقع رغم أن إيران لا تمتلک السلاح النووي أو أدوات الوصول إليه يجب أن يکون مرفوضا من قبلنا کعرب.







