دعم الدولة الإيرانية للجماعات والتنظيمات الإرهابية

الرياض
8/8/2015
د. إبراهيم بن محمود النحاس
انتهی ملف المفاوضات النووية الإيرانية بالتوقيع النهائي علی الاتفاق من قبل المجموعة الدولية 5+1 مع الدولة الإيرانية وبتصويت مجلس الأمن بالإجماع علی رفع العقوبات الدولية المفروضة علی الدولة الإيرانية. وبغض النظر عن ردود الفعل الدولية تجاه الاتفاق النووي إن کانت مؤيدة أم رافضه، فإن الاتفاق دخل حيز التطبيق بشکله النهائي الذي وقع عليه.
وعلی اعتبار أن هذا التوقيع أنهی ملف البرنامج النووي الإيراني بالاتجاهات التي تم التوقيع عليها، إلا أن هناک ملفات أخری کثيرة تعمل عليها وتتبناها الدولة الإيرانية وتمثل لها أهمية کبيرة في إدارة سياستها الداخلية والخارجية وتنفذها بالطريقة التي تخدمها.
من هذه الملفات المهمة والحساسة التي تعمل عليها الدولة الإيرانية ملف دعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط بشکل عام. هذا الملف المهم والحساس الذي تم الانشغال عنه لسنوات طويلة لحساب الترکيز علی الملف النووي والمفاوضات طويلة المدی يجب أن يکون محل اهتمام الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي. فدعم وتبني الدولة الإيرانية للجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية ليس بالأمر الجديد ولن يکون قصير المدی، لذلک علينا کدول عربية عانت من الجماعات والتنظيمات الإرهابية الترکيز عليه وطرحه أمام المجتمع الدولي خاصة وأن العالم يعلم مدی تورط الدولة الإيرانية بدعم التنظيمات والجماعات الإرهابية.
ومن هذه المواقف الدولية المهمة والتي يجب الإشارة إليها، ما صرح به وزير الخارجية الأمريکي جون کيري خلال زيارته لجمهورية مصر العربية في 2 اغسطس 2015م بقوله “إن الولايات المتحدة الأمريکية قامت بتسمية إيران أنها الدولة الأولی الراعية للإرهاب في العالم، واتخذت خطوات علی مدی السنوات السابقة للتعامل مع واقع الخيارات المزعزعة للاستقرار التي اتخذتها إيران”.
إن مواقف الدولة الإيرانية في دعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتأثير علی أمن واستقرار دول منطقة الشرق الأوسط بشکل عام واضحة وبينة للجميع، ولکن من الأهمية الإشارة لها ووضعها في قالبها الصحيح لنتمکن من وضع آلية معينة تمکننا من العمل مع المجتمع الدولي لمحاربة هذه الظاهرة الإرهابية ومن يقف وراءها ويدعمها. ومن هذه الجماعات والتنظيمات:
1) حزب الله في لبنان. فمنذ أن أسس هذا الحزب وهو يقوم علی تبني السلوک الإرهابي تجاه المجتمع اللبناني بشکل عام وتجاه الشعب اللبناني الرافض لسلوکياته والمتطرفة. ولکن لإخفاء هذا السلوک المتطرف والإرهابي الذي يخدم الأجندة الإيرانية قام باستخدام شعار المقاومة لمواجهة الکيان الإسرائيلي. فاستخدام شعار المقاومة لم يأت إلا لعلمه بأن جميع مکونات الشعب اللبناني يقفون صفاً واحداً ضد الکيان الإسرائيلي المتطرف والذي يحتل الأراضي العربية ومنها اللبنانية. لذلک فإن أفضل تسويق لممارساته الإرهابية جاءت عن طريق توظيف شعار المقاومة الذي يستطيع من خلاله اتهام من شاء بأنه ضد المقاومة ويمکنه من اتهام من شاء بالعمالة للکيان الإسرائيلي. ونظراً لتمکنه من تضليل الکثير من الرأي العام اللبناني والعربي، اصبح لهذا الحزب القوة المسلحة والمليشيا المدربة التي استطاعت فرض سيطرتها علی الجنوب اللبناني وإرهاب أبناء الشعب اللبناني في المدن الرئيسية وتعطيل العمل السياسي والحکومي وتعطيل انتخاب رئيس للدولة اللبنانية. ولم يکتف هذا الحزب بالإرهاب داخل الدولة اللبنانية، وإنما تعداه للشعب السوري حيث أن هذا الحزب دخل في الأراضي السورية للوقوف مع نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري حيث مارس إرهابه وتطرفه ضد أبناء الثورة السورية الرافضين لإذلال نظام بشار الأسد واستبداده.
2) الأحزاب الطائفية والمليشيات العنصرية في العراق. فمنذ الاحتلال الأمريکي للعراق عام 2003م، قامت الدولة الإيرانية بدعم وتبني الأحزاب القائمة علی أساس طائفي ودعمت ورعت العصابات والمليشيات العنصرية لتمارس القتل والتعذيب ضد أبناء الشعب العراقي علی أساس طائفي مقيت لم يعهده أبناء الدولة العراقية خلال تاريخهم. وبالإضافة لذلک قامت الدولة الإيرانية بالتواجد الفعلي علی الأراضي العراقية عن طريق مؤسساتها الرسمية المتمثلة بفروع الحرس الثوري الإيراني ومنها ما يسمی “جيش القدس” الذي يقوم بتوجيه العمليات الطائفية والعنصرية وزرع أسباب الفتن بين أبناء العراق. ولم تکتف الدولة الإيرانية بذلک، بل عملت جاهدة علی إيصال قيادات طائفية وعنصرية لتقود الدولة العراقية ومنها عضو حزب الدعوة العراقي نوري المالکي الذي تم استخدامه بکل جدارة من قبل الدولة الإيرانية ليفکک الدولة العراقية ويزرع الفتن الطائفية والعرقية والدينية بين أبناء الشعب العراقي.
3) جماعة الحوثي في اليمن. فمنذ نشأت هذه الجماعة وهي تتلقی الدعم الفکري والمادي والعسکري من الدولة الإيرانية وتتحدث باسم المصالح الإيرانية في اليمن. وکنتيجة لهذه التبعية، قامت جماعة الحوثي ومن يتبعها بالانقلاب علی السلطة السياسية الشرعية التي انتخبها الشعب اليمني. وبما أنها تنفذ أجندة خارجية، قامت هذه الجماعة باستخدام السلاح ضد أبناء الشعب اليمني مما أدی لتدمير المقدرات اليمنية ومارست اعمال القتل والنهب وعملت علی اسقاط الدولة اليمنية وتدمير مؤسساتها السياسية والاقتصادية والعسکرية والاجتماعية. وکان هدف هذا کله القضاء علی الدولة اليمنية بالکامل وجعلها أرضا خصبة للمخططات الصفوية في المنطقة العربية.
4) دعم الجماعات الإرهابية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. وبما أن دعم الدولة الإيرانية للتطرف والإرهاب والعمل علی زرع الفتن في داخل الدول العربية سياسة قائمة منذ الثورة الخمينية عام 1979م، إلا أن هذه السياسة تتجدد ويعمل النظام السياسي الإيراني علی إعادة التأکيد عليها. ومن ذلک ما صرح به قائد الثورة الخمينية علي خامنئي في 24 يوليو 2015م حيث قال “لن نکف مطلقاً عن دعم أصدقائنا في المنطقة وشعوب فلسطين واليمن وسورية والعراق والبحرين ولبنان…”. وبالإضافة لهذا الخطاب، أعاد في 25 يوليو 2015م التأکيد علی التدخل في الدول العربية بالقول إن الدولة الإيرانية “لن تتخلی عن دعم أصدقائها في المنطقة ولا الشعوب المضطهدة في فلسطين واليمن والشعوب والحکومات في سورية والعراق وشعب البحرين المضطهد ومقاتلي المقاومة في لبنان وفلسطين”.
هذه بعض النماذج للتنظيمات الإرهابية التي ترعاها وتدعمها الدولة الإيرانية في الدول العربية وتعمل من خلالها لزعزعة أمنها واستقرارها في محاولة منها للقضاء لتوسيع نفوذها السياسي القائم علی أسس طائفية وعنصرية مقيتة. وبما أن مثل هذا القول معروف، إلا أن علی الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون العمل مع المجتمع الدولي لمواجهة الدولة الإيرانية عن طريق مؤسسات المجتمع الدولي. فرعاية الدولة الإيرانية للتنظيمات والجماعات المتطرفة والإرهابية يجب أن لا يکون بدون عقوبات دولية تفرض من قبل مجلس الأمن. کذلک علی الدول العربية أن تعمل قدر الإمکان وبالتنسيق الأمني فيما بينها لتوصل رسالة للدولة الإيرانية بأن الدول العربية تستطيع أن تقوم بعمل مضاد إذا لم تتوقف عن ممارساتها وسياساتها الهدامة في المنطقة.
وفي الختام، الاستفادة من دروس الماضي تجنبنا الکثير من الاخطاء المستقبلية. لذلک من الأهمية العمل مع المجتمع الدولي فيما يتعلق بدعم الدولة الإيرانية للإرهاب في العالم. هذا يمکننا من فرض عقوبات دولية بشکل أو بآخر، وعلی أقل تقدير إشعار المجتمع الدولي والرأي العام العالمي بأنه يجب عدم التعاون والتعامل مع من يدعم الإرهاب ويزعزع أمن واستقرار المجتمعات. فنحن نملک القدرات والإمکانات البشرية والمادية والعلاقات الدولية التي تمکننا من النجاح إذا ما کان التخطيط علی أعلی المستويات.
أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية – جامعة الملک سعود







