أشرف والإنذار الأميرکي. عزيز الحاج

ايلاف
2012/7/12
بقلم: عزيز الحاج
حذرت وزارة الخارجية الأميرکية بلغة متوترة جدا من بقوا من سکان مخيم أشرف بالانتقال إلی سجن ” الحرية” قرب بغداد، وإلا فإنها ستظل تعامل مجاهدي خلق کإرهابيين. ولا ندري العلاقة بين الموضوعين: موضوع سياسي بحت وموضوع إنساني محض! وأغرب ما في التصريح الأميرکي قوله، وکأنه ناطق باسم المالکي: ” إن صبر بغداد بدأ ينفد.” وهذا تهديد يضع المسؤولية عن أية مجزرة مالکية جديدة علی الضحايا من سکان أشرف وليس علی حکومة سبق وأن نفذت مجزرتين رهيبتين عامي 2019 و2011 ضد لاجئين محاصرين، وبلا سلاح، ودون أن تبدو منهم بادرة عنف ما. ولکنها ضغوط نظام الفقيه إياه الذي يطالب برؤوس المئات منهم لقطعها بسيوفه.
لقد سيق أن کتبنا أکثر من مقال عن الموضوع من منطلق إنساني بحت، وما تقتضيه المواثيق والاتفاقات الدولية، وکذلک التزاما بما قطعته من التزامات وعهود حکومة المالکي للجانب الأميرکي عام 2008 [*] عندما انتقل الإشراف علی المعسکر من الجانب الأميرکي للحکومة العراقية.
لا داعي للتذکير من جديد بأن الأميرکيين سبق وأن نزعوا أي سلاح کان في المعسکر، وأن حکومة المالکي أعادت التفتيش ولم تجد قطعة سلاح، فضلا عن أن المعسکر صار محاصرا تماما منذ تسلم الحکومة لرقاب سکانه، فيمنع عنهم الدواء والماء والزيارات. وقد طردت الحکومة من العراق وفد الکونغرس الأميرکي الذي أراد زيارة المعسکر واستبيان الوضع والحقيقة.
لقد انتقل حوالي الألفين من هؤلاء اللاجئين إلی معسکر ” الحرية”- [ليبرتي]- قرب بغداد في خمس دفعات، في ظروف قاسية لم تراع وجود الأطفال والنساء. جردوهم من ممتلکاتهم الشخصية وسياراتهم وصهاريج نقل الماء، وحتی من الکتب وأشرطة الموسيقی، وهي ممتلکات لم تکلف الجانب العراقي دينارا واحدا. وبدلا من أن تحترم الحکومة اتفاقها مع بعثة الأمم المتحدة بضمان وسائل الراحة والخدمات في المکان الجديد، فإن المنقولين إليه فوجئوا بکونه سجنا خانقا محاصرا، لا معسکرا آمنا للاجئين. ومن هنا يتردد البقية من الانتقال بنفس الطريقة غير الإنسانية. إنهم غير ممتنعين عن النقل، ولکنهم يريدون ضمان الحد الأدنی من التعامل الإنساني معهم کلاجئين، وعدم تجريدهم من ممتلکاتهم الشخصية.
نعيد التذکير بأنه عندما نفذ المالکي مجزرته الأولی، قال النائب العراقي السيد إياد جمال الدين: ” هذا يوم محزن في تاريخ العراق، أن أناسا لاجئين بذمة العراق وبشرف العراق أن يعتدی عليهم ويقتلوا وهم بضمانة الحکومة العراقية التي تعهدت بحفظ سلامتهم وأمنهم وکرامتهم. الحقيقة إن اللغة تعجز عن التعبير عن مدی الحزن والأسف لما حدث من هجوم الشرطة علی أناس لا يملکون سلاحا وإنما هم لاجئون وفق المواثيق والمعاهدات الدولية.” وتوجه جمال الدين للمالکي لکي يعتذر لما حدث لأن في اعتذار الحکومة، کما قال، ” حفظا لکرامتها ولسمعة العراق الدولية. نحن بلد نسعی لأن نکون دولة القانون ولا يمکن لدولة القانون أن تعتدي علی لاجئيها.” ولکن، بدلا من أي اعتذار، تکررت مجزرة جديدة بذرائع مفتعلة عام 2011 .
عندما أکرر أن هذه القضية يجب التعامل معها إنسانيا، فلأنها کذلک، ويجب التعامل معها بتجرد من تأثيرات أية حسابات سياسية، سواء عن طبيعة أيديولوجية مجاهدي خلق المارکسية المتشددة، أو معارضتهم لنظام الفقيه الدموي، أو ماضي هؤلاء اللاجئين عندما کانوا يشنون من العراق عمليات داخل الأراضي الإيرانية زمن الحرب بين العراق وإيران. ومع الأسف، فإن الصمت هو موقف الغالبية الساحقة من القوی السياسية العراقية برغم تشدق الجميع بحقوق الإنسان وسيادة القانون. أما ما نسب إلی هؤلاء اللاجئين من أعمال قديمة، ومنها خلال انتفاضة 1991، فالشهادات متضاربة؛ ومع ذلک، فإن الحکومة قد وافقت علی اعتبارهم لاجئين وتعهدت بضمان سلامتهم والتعامل الإنساني معهم. وهذا لم يکن يعني محاصرتهم منذ 2008 وقطع الماء والدواء عنهم، ثم القيام بمجزرتين قتل خلالهما أکثر من 40 وجرح حوالي 1000 منهم. ومرة أخری، من المؤسف أن غالبية القوی السياسية والنواب العراقيين صمتوا في حينه عن تلک الانتهاکات الدموية، کما لم نجد موقفا واضحا من الإدارة الأميرکية.
وعن موقف إدارة أوباما، سواء من مجاهدي خلق، أو من موضوع المعسکر، فإنه مرتبط بمجمل سياسات أوباما في اللهاث المذل لترضية النظام الإيراني، بأمل التوصل لصفقة ما، حتی بعد أن أجبر علی فرض عقوبات تستطيع إيران التلاعب بها بعشرات المنافذ والمخارج، ومنها العراق! ونعرف أن إدارة أوباما رفضت رفع صفة الإرهاب عن مجاهدي خلق مع أن الاتحاد الأوروبي فعل ذلک، ومع أن کثيرين من أعضاء الکونغرس يطالبونها به. ولکنه وهْم التوصل لتسوية ما مع إيران، وإلا فمواصلة التفاوض العقيم، وسياسة الاسترضاء، لاسيما والانتخابات الأميرکية تقترب. ومن الغرابة أن تطالب الخارجية الأميرکية من بقوا في معسکر أشرف بعدم اعتباره قاعدة لنشاط مجاهدي خلق، مع علمها التام بأن من المستحيل عليهم القيام بأي نشاط وهم محاصرون وبلا سلاح. وکان الکونغرس قد أصدر عام 2009، عام الانتفاضة الإيرانية، قرارا بدعم نضال الشعب الإيراني، ولکن دماء الشباب الإيراني کانت تراق دون أن يتفوه أوباما بکلمة شجب وتنديد واحدة.
إن من مصلحة العراق نفسه ألا تنفَذ مجازرُ جديدة، وأن يجري التعامل الإنساني مع سکان أشرف المتبقين وتلبی مطالبهم الأولية المشروعة. وعلی بعثة الأمم المتحدة أن تکف عن التساهل مع الإجراءات المتعسفة للحکومة العراقية والمخلة ببنود الاتفاق مع البعثة. والمطلوب أن يتخذ أخيرا، وبعد صمتهم الذهبي، المنادون بحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي في العراق، موقفا مشرفا من المشکلة، فيرفعوا أصواتهم ويقوموا بالضغط والمساعي الحميدة للتوصل لتسوية سلمية وعادلة لهذه المشکلة. فهل يفعلون؟!!







