هذا ما تريده إيران في العراق وفي المنطقة!
الشرق الاوسط
8/1/2015
بقلم: صالح القلاب
أغلب الظن، وليس بعضه، أن دافع العملية الإرهابية الأخيرة، التي استهدفت أحد مراکز الحدود السعودية مع العراق، ودافع اغتيال أئمة مدينة البصرة العرب السنة، هو الضغط علی الرياض لحملها علی مراجعة قرارها الحصيف والصحيح بإعادة فتح سفارتها في بغداد، والتي بقيت مغلقة منذ غزو صدام حسين للکويت في بداية عقد تسعينات القرن الماضي.
فالواضح والمؤکد، أن متشددي النظام الإيراني لا يريدون أي وجود عربي في العراق، وبخاصة للمملکة العربية السعودية، فهم عملوا – وما زالوا يعملون – علی الاستفراد بهذا البلد العربي وأهله وجعل الخيار الوحيد للشيعة منهم هو المزيد من التبعية والالتصاق بطهران وقم، وهو أن يتحولوا إلی مجرد جالية إيرانية خاضعة لتوجيهات و«أوامر» قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني الذي غدا بمثابة المندوب السامي لبلاده في بلاد الرافدين وفي سوريا ولبنان، وأيضا في جزء من إقليم کردستان العراقي، وهو الجزء الذي يخضع عمليا لحزب جلال طالباني، والذي تعتبر مدينة السليمانية التاريخية عاصمة له.
إن إيران المتشددة، وربما المعتدلة أيضا، لا تريد أن تبادر المملکة العربية السعودية بإعادة فتح سفارتها في بغداد بعد نحو ربع قرن من الإغلاق. فالمطلوب، حتی بالنسبة للولي الفقيه علي خامنئي، ألا يشعر العراقيون – الشيعة منهم والسنة – بأنهم عرب بالأساس، بغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها، ولذلک فإن ما لا شک فيه أن عملية الحدود الإرهابية يوم الأحد الماضي هدفها، مثلها مثل جريمة استهداف أئمة البصرة الآنفة الذکر، دفع الرياض إلی مراجعة قرار إعادة فتح سفارتها في العاصمة العراقية، وهنا فإنه غير مستبعد أن تکون هناک عملية أو عمليات أخری أکثر دموية، وذلک من قبيل المزيد من الضغط لإلغاء هذا القرار.
إن المعروف أنه حتی رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي لا يزال موضع رهان المملکة العربية السعودية لطي صفحة سلفه إلی الأبد، قد دأب علی إطلاق التصريحات المتعاقبة بأنه لا يريد أن يری أي وجود عسکري عربي لا علی أرض بلاده ولا في أجوائها، وکل هذا مع أن عددا من کبار المسؤولين الإيرانيين يواصلون التأکيد أن قواتهم تشارک مشارکة رئيسية في القتال المحتدم علی الأرض العراقية، والدليل أنهم خسروا أحد کبار جنرالاتهم من قدماء المحاربين، في حرب الثمانية أعوام، في المواجهات مع قوات «داعش» في أطراف مدينة سامراء التي يعتبرها الإيرانيون مدينة إيرانية مقدسة (مثلها مثل «قم»، ومثلها مثل «مشهد»، وأيضا مثلها مثل النجف وکربلاء و«الکاظمية»).
والسؤال هنا هو: کيف يعقل يا تری أن يتباری کبار المسؤولين العراقيين في الإصرار علی رفض أي وجود عسکري عربي في الأجواء وعلی الأرض العراقية، بينما الثابت وبشهادة تصريحات کبار المسؤولين الإيرانيين، المعممين وغير المعممين، أن هناک جيوشا إيرانية جرارة في بلاد الرافدين.. وهذا غير الميليشيات المذهبية المستوردة من إيران والميليشيات الطائفية التي تتبع تنظيمات ومنظمات من المفترض أنها عراقية، لکنها في حقيقة الأمر تتبع «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني بقيادة الجنرال قاسم سليماني الذي بات يتصرف علی أنه: «سوبرمان» هذه المنطقة
الآن، تجري في العراق، رغم کل ما يقال عکس هذا، عمليات تطهير طائفية ومذهبية في معظم الأراضي العراقية، إن ليس کلها، فمدينة البصرة علی سبيل المثال، التي کانت تعتبر مدينة سنية، ومعها بعض البلدات المجاورة کبلدة «الزبير» قد تحولت بدءا بعهد بول بريمر واستمرارا حتی الآن إلی مدينة إيرانية: «تری الفتی العربي فيها.. غريب الوجه واليد واللسان»، فالعملة المتداولة هي العملة الإيرانية والبضائع إيرانية.. والأغاني التي تبث إيرانية، ومستخرجات الحليب والألبان هي إيرانية أيضا.
وکذلک وفوق هذا کله فإننا قد سمعنا سابقا ولاحقا وعلی ألسنة کبار المسؤولين الإيرانيين، المعممين وغير المعممين، أن «أربع عواصم عربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء أصبحت تدور في فلک طهران»، وکذلک فإننا کنا قد سمعنا أيضا وعلی ألسنة کبار المسؤولين الإيرانيين، معممين وغير معممين، أن لإيران قوات في ثلاث دول عربية هي «العراق وسوريا واليمن» أعدادها تزيد علی أعداد جيوش «حزب الله» اللبناني.. ثم وإننا قد سمعنا أيضا وأيضا، أن إيران بدأت بتشکيل «حزب الله» آخر في سوريا علی غرار «حزب الله» اللبناني، والغريب أن الإيرانيين لا يتورعون عن التأکيد أن «حزب الله» هذا السوري المشار إليه يتشکّل، بالإضافة إلی السوريين من الطائفة المعروفة، من مجموعات أفغانية وإيرانية وعراقية ويمنية.. ومن کل حدب وصوب
قبل أيام قليلة قام رئيس مجلس الشوری الإيراني علي لاريجاني، الذي يعتقد أنه من مواليد العراق، بجولة شملت العراق وسوريا، بالطبع، ولبنان وانتهت في صلاح الدين الکردستانية الواقعة إلی الغرب من مدينة أربيل عاصمة إقليم کردستان، وهناک أصرَّ، أي لاريجاني، علی أن يقوم رئيس هذا الإقليم مسعود بارزاني بزيارة إلی دمشق للقاء بشار الأسد، لکن بارزاني رفض هذا الطلب رفضا قاطعا ما دام الرئيس السوري لم يتصالح مع شعبه، وهو کان قد رفض في بدايات انفجار الأزمة السورية طلبا إيرانيا آخر هو إعطاء الإيرانيين ممرا بريا يکون بمثابة الـ«کاريدور» الأرضي للتواصل العسکري بين إيران وسوريا.
وهنا وحسب المعلومات المؤکدة، فإن الإيرانيين منزعجون جدا من انفتاح مسعود بارزاني علی العرب السنة العراقيين ومن تنامي علاقات إقليم کردستان العراق مع بعض الدول العربية، وحسب التقديرات وهي تقديرات صحيحة، علی أي حال، فإن إيران هي التي ترفض تسليح العشائر والقبائل العربية، والسبب أنها تسعی وبالنتيجة إلی إنهاء الوجود العربي والسني في بلاد الرافدين بصورة نهائية، ولذلک فإنه غير مستبعد أن يکون هناک افتعال لمشکلة لاحقة لإغلاق أبواب کل السفارات العربية في بغداد.. باستثناء السفارة السورية والسفارة اليمنية والسفارة السودانية.. وربما أيضا السفارة اللبنانية.
إن کل هذه الحقائق لا بد من أخذها بعين الاعتبار والاهتمام بها، وإن من بين هذه الحقائق هو أن إيران مثلها مثل نظام بشار الأسد لا تريد انتصارا سريعا علی «داعش»، فهي أولا تريد تحت وطأة الخوف مزيدا من التصاق شيعة العراق، بل والشيعة في کل مکان بها، وهي ثانيا تريد استمرار الحرب علی هذا النظام الإرهابي لتواصل دفع العرب السنة إلی مغادرة بلادهم، بلاد الرافدين، وهي ثالثا تسعی إلی دخول هذه الحرب وبطلب أميرکي واضح ومعلن لتؤکد ما بقي يقوله الرئيس الأميرکي باراک أوباما، وهو أن بإمکان الجمهورية الإسلامية أن تصبح رقما رئيسيا وفاعلا في المعادلة الشرق أوسطية الجديدة.
ثم ومرة أخری، فإن هذا هو ما تريده إيران، وهو ما تسعی إليه، ولذلک فإن المؤکد أن المملکة العربية السعودية لن تتردد إطلاقا في تنفيذ قرار إعادة فتح أبواب سفارتها في بغداد، وأن العرب «المعنيين» سيواصلون محاولات تثبيت العرب السنة في وطنهم العراق، وهذا بالإضافة إلی الضغط المتواصل علی الولايات المتحدة تحديدا لتسليح هؤلاء، وهم، أي العرب، سيواصلون المزيد من الانفتاح علی إقليم کردستان العراق وعلی رئيسه مسعود بارزاني الذي يقوم الآن بدور رئيسي يشکر عليه في مجال إلا يطرأ أي خلل علی المعادلة المذهبية والقومية العراقية المتوارثة تاريخيا والمستمرة منذ عشرينات القرن الماضي وإلی الآن.







